Post: #1
Title: بين نزاع السلطة ووحدة البنية: لماذا يلتقي المتخاصمون، الجيش، تقدم، الجذريون في رفض التأسيس؟ كتبه خا
Author: خالد كودي
Date: 04-25-2026, 11:14 PM
11:14 PM April, 25 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
25/4/2026 ، بوسطن
حين يخاف الجميع من المستقبل: الجيش وتقدّم والجذريون ضد لحظة التأسيس: في المشهد السوداني الراهن تبدو الاصطفافات السياسية والعسكرية متصارعة على السطح، لكنها أكثر تقاربًا في العمق مما تعترف به خطاباتها المعلنة. فبين القوات المسلحة السودانية وبعض القوى المدنية المنضوية سابقًا أو حاليًا في أطر مثل تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدّم)، وبين تيارات توصف بـ"الجذرية" بمافيها الحزب الشيوعي وأخرى إصلاحية، ثمّة خلافات حقيقية حول إدارة الحرب، الحريات العامة، شكل الانتقال المدني والديمقراطي، ادرارة الاقتصاد ومواقع النفوذ السياسي؛ لكن هذه الخلافات كثيرًا ما تخفي اتفاقًا أعمق: عدم المساس بالبنية التاريخية للدولة السودانية القديمة! ذلك يعني، عمليًا، تجنّب أو تأجيل القضايا المؤسسة التي ظلت جوهر الأزمة السودانية منذ الاستقلال: - العلمانية بوصفها ضمانًا للمواطنة المتساوية - الديمقراطية الدستورية المستقرة لا الانتقالية المؤقتة فقط - اللامركزية الحقيقية ونقل السلطة والثروة للأقاليم - العدالة التاريخية للمناطق التي تحملت الحرب والتهميش - حق تقرير المصير كضمان أخير ضد الهيمنة المركزية - الجيش الوطني الجديد أولًا: خلافات في السقف الأدنى، واتفاق على السقف الأعلى إذا تتبعنا وثائق القوى المدنية منذ 2019، نلاحظ تركيزًا واسعًا على: وقف الحرب الحكم المدني الديمقراطي إصلاح المؤسسة العسكرية الانتخابات لاحقًا الحريات العامة العدالة الانتقالية (وليست التاريخية) وهي مطالب مشروعة، لكنها تظل في معظم صيغها إصلاحًا لإدارة الدولة لا إعادة تأسيس لها. فهي تنشغل بسؤال من يحكم السودان، وأحيانًا كيف يُحكم، لكنها تتجاوز السؤال الأعمق: ما هو السودان نفسه؟ وكيف تشكّلت دولته؟ ومن احتكر تعريفها وتوجيه مؤسساتها منذ 1956، ولصالح من عملت؟ فالأزمة السودانية ليست أزمة حكومات فقط، بل أزمة دولة قامت على اختلال بنيوي: مركز يحتكر السلطة والثروة والتمثيل، وأطراف تُستدعى للحرب وتُقصى من القرار والتنمية. لذلك فإن تغيير الحكام دون تغيير هذا الأساس لا يعني سوى إعادة إنتاج الأزمة. أما المؤسسة العسكرية المختلة التركيب والبنية، فقد ظل خطابها التقليدي يرتكز على مفردات مثل وحدة البلاد، حماية السيادة، صون الدولة، رفض التفكيك، أو الدعوة إلى حكومة كفاءات وتفاوض مشروط. غير أن هذا الخطاب نادرًا ما يواجه حقيقة أن الجيش لم يكن مؤسسة محايدة، بل كان ولايزال أهم أدوات ترسيخ المركزية السياسية والاقتصادية وتعطيل التحول الديمقراطي من انقلاب 1958 في السودان إلى انقلاب 1989 في السودان وصولًا إلى الحرب الراهنة، ظل الجيش فاعلًا رئيسيًا في إعادة إنتاج الدولة القديمة، بوصفها سلطة تُدار من الأعلى، لا وطنًا يتشارك جميع السودانيين في بنائه. هنا يظهر التناقض: المدنيون المختلفون مع الجيش حول السلطة، والعسكريون المختلفون مع المدنيين حول النفوذ، يتفقون غالبًا على عدم طرح سؤال البنية التاريخية للدولة.
ثانيًا: ما الذي تم تجاهله؟؟ مشروع التأسيس كواقع سياسي بينما يدور جزء كبير من الخطاب العام حول "من يتفاوض مع من"، نشأ على الأرض مشروع آخر هو تحالف تأسيس، بوصفه محاولة لتجاوز منطق التسويات التقليدية. تميّز هذا المشروع بأنه لم يطرح مجرد وقف حرب أو تقاسم سلطة، بل قدّم رؤية تأسيسية تشمل: دولة علمانية مدنية ديمقراطية الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني اللامركزية والفيدرالية العميقة العدالة التاريخية وإعادة توزيع السلطة والثروة مبادئ فوق دستورية تحمي الحقوق الأساسية إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس جديدة – جيش يبني من جديد الاعتراف بحق تقرير المصير عند استحالة العدالة البنيوية والأهم أنه لم يبق بيانًا نظريًا، بل اتجه إلى بناء مؤسسات حكم.
ثالثًا: مجلس الأقاليم بوصفه كسرًا لمركز الخرطوم من أبرز المؤسسات المطروحة في إطار حكومة الوحدة والسلام المرتبطة بمشروع التأسيس: مجلس الأقاليم. وهو تطور بالغ الأهمية لأنه ينقل السودان من نموذج الدولة التي تُدار من العاصمة إلى دولة تمثّل أقاليمها. ويمكن تلخيص مهامه المنطقية والسياسية في الآتي: - تمثيل الأقاليم المتساوي أو العادل في التشريع الوطني. - مراجعة قوانين توزيع الموارد والثروة - حماية الحكم الذاتي المحلي ومنع عودة المركزية - الإشراف على ترتيبات التنمية المتوازنة - المشاركة في صياغة الدستور الدائم - ضمان تمثيل المناطق المتأثرة بالحرب تاريخيًا - مراقبة السلطة التنفيذية من منظور إقليمي لا نخبوي هذه الفكرة وحدها تُعد قطيعة مع تقليد سياسي دام عقودًا، حيث كانت القرارات الكبرى تُصنع في الخرطوم وتُفرض على الأطراف.
رابعًا: لماذا تتجاهل بعض القوى هذا التحول؟ السبب ليس الجهل فقط، بل المصالح البنيوية! فأي مشروع يقوم على اللامركزية الحقيقية سيعني: - تراجع امتيازات المركز الإداري والاقتصادي. - صعود نخب جديدة من دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، الشرق، والشمال المهمّش أيضًا. - مراجعة ملكية الأرض والموارد - إعادة كتابة السردية الوطنية - مساءلة تاريخ الدولة لا مجرد حكوماتها وهذا ما تخشاه قوى متعددة، حتى لو اختلفت شعاراتها!
خامسًا: المستقبل المنطقي للمفاوضات من الموضوعي الإقرار بأن الأزمة السودانية لم تعد شأنًا داخليًا معزولًا، بل أصبحت محل مسارات تفاوض متعددة وضغوط إقليمية ودولية متزايدة. فقد شهدت المرحلة الماضية منصات مثل محادثات جدة، ولقاءات المنامة، إلى جانب تحركات أفريقية ودولية هدفت إلى وقف الحرب، وتسهيل المساعدات الإنسانية، وفتح طريق نحو تسوية سياسية. وهنالك واقع الرباعية والخماسية... الخ... كما أن مختلف الأطراف السودانية، العسكرية والمدنية والمسلحة، باتت تواجه ضغوطًا متنامية من المجتمع الدولي بسبب الكلفة الإنسانية والانهيار المؤسسي وخطر اتساع النزاع. لكن من المهم كذلك الاعتراف بأن الواقع السوداني تغيّر جذريًا منذ جولات جدة الأولى. فما كان مطروحًا آنذاك بوصفه نزاعًا بين طرفين داخل دولة قائمة، أصبح اليوم أكثر تعقيدًا: تعددت مراكز القوة، وظهرت ترتيبات حكم موازية، وتغيرت الخرائط الاجتماعية والعسكرية، وصعدت قضايا كانت مؤجلة لعقود، تتعلق بطبيعة الدولة نفسها لا فقط بمن يحكمها. ولذلك فإن أي استدعاء حرفي لصيغ التفاوض القديمة، من دون قراءة التحولات الجديدة، يظل قاصرًا عن فهم اللحظة الراهنة. ومع ذلك، إذا تجاوزنا ــ لبرهة تحليلية ــ التعقيدات الخارجية، وراهنّا على خيارات سودانية–سودانية تنطلق من توازنات الداخل أكثر من إملاءات الخارج، فإن السيناريو الأكثر منطقية سياسيًا قد يمر عبر مرحلة أولى تتمثل في تفاوض القوات المسلحة السودانية مع القوى المدنية المعارضة لها، لكنها لا تتبنى تغييرًا جذريًا لبنية الدولة. فرغم الخصومة المعلنة بين الطرفين، توجد بينهما أرضية مشتركة تسمح بتسوية أولية، تقوم على الآتي: - الحفاظ على الإطار العام للدولة القديمة مع تعديلات محدودة - إصلاح محسوب للمؤسسات دون إعادة تأسيسها - سياسي مضبوط لا يخلّ بموازين القوة التقليدية - عدم المساس العميق بالامتيازات التاريخية للمركز السياسي والاقتصادي - إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بقيادة المؤسسات نفسها، وعلى رأسها الجيش، وفق الصيغة المتكررة منذ الاستقلال: أن يتولى الجهاز موضع الأزمة إصلاح نفسه بنفسه. - إبرام اتفاقات سلام جزئية مع القوى التي تقبل بهذه الحدود السياسية، كما جرى في تجارب سابقة مثل اتفاق جوبا للسلام. وهكذا تكون هذه المرحلة الأولى محاولة لإدارة الأزمة واحتوائها داخل إطار الدولة القديمة، لا معالجة أسبابها البنيوية ولا فتح طريق تأسيسي جديد.
المرحلة الثانية:
بعد اكتمال أو تعثر التسوية الأولى بين الجيش والقوى المدنية التي تقبل بسقف الدولة القديمة، سيجد هذا المعسكر نفسه مضطرًا للتفاوض مع حكومة الوحدة والسلام المرتبطة بتحالف تأسيس. والسبب أن هذه الحكومة لا تمثل مجرد إعلان سياسي، بل تعبر عن واقع جديد تشكل بفعل الحرب وانهيار المركز وصعود قوى الهامش إلى موقع الفعل التاريخي. فهي تمثل، في آنٍ واحد، واقعًا عسكريًا لا يمكن حسمه بسهولة، وواقعًا سياسيًا يطرح أسئلة التأسيس المؤجلة، وواقعًا اجتماعيًا يستند إلى قوى ومجتمعات ظلت خارج معادلة السلطة لعقود. لذلك فإن تجاهلها لن يلغي وجودها، كما أن إنكارها لن يعيد السودان إلى ما قبل الحرب! والأهم من ذلك أن ما تحقق على الأرض في إطار هذا المشروع لم يعد مجرد شعارات قابلة للمساومة، بل أخذ أشكالًا تنفيذية وتشريعية ومؤسسية وحقوقية واستراتيجية. فحين تنشأ هياكل حكم، ومجالس تمثيلية، وترتيبات إدارة محلية، ورؤى دستورية، ومطالب معترف بها تتعلق بالمواطنة واللامركزية والعدالة التاريخية، فإنها تتحول إلى مكتسبات سياسية يصعب التراجع عنها. كما أن أي قوة اجتماعية دفعت أثمانًا باهظة في الحرب والتهميش لن تقبل بالعودة إلى وضع ما قبل التأسيس أو التسليم بتسويات تعيد إنتاج المركز القديم. لهذا، فمن المرحج ان تحالف تأسيس لن يدخل أي تفاوض بوصفه طرفًا يبحث عن مقاعد، بل بوصفه مشروعًا يحمل مكاسب تراكمت على الأرض، ويرى فيها ضمانات استراتيجية لعدم تكرار الماضي. ومن هنا، فإن من يرفض الاعتراف بالتأسيس اليوم، قد يجد نفسه غدًا مضطرًا إلى التفاوض معه من موقع أضعف؛ لأن الوقائع الميدانية والمؤسسات الناشئة والمطالب التاريخية تكون، في نهاية المطاف، أقوى من الخطابات التي تنكرها.
سادسًا: دروس التاريخ المقارن تؤكد تجارب التحول الكبرى أن الأزمات البنيوية لا تُعالج بمجرد تغيير الحكومات، بل بإعادة بناء الأسس التي صنعت الأزمة أصلًا. ففي جنوب أفريقيا لم يكن الانتقال مجرد تفاوض بين سلطة ومعارضة، بل عملية تاريخية لتفكيك نظام الفصل العنصري، وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والدستور الديمقراطي. وفي إثيوبيا بعد عام 1991، لم يُطرح السؤال بوصفه من يحكم أديس أبابا فقط، بل كيف تُعاد صياغة الدولة نفسها بوصفها دولة متعددة القوميات، مع ترتيبات فيدرالية جديدة حاولت معالجة اختلالات المركز التاريخية. وفي إسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، لم يتحقق الاستقرار عبر تبديل الأشخاص، بل من خلال بناء مؤسسات دستورية حديثة، والانتقال المنظم من السلطوية إلى النظام الديمقراطي. وفي رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لم يكن ممكنًا الاكتفاء بتسوية سياسية سطحية، بل جرى العمل على إعادة بناء الدولة، وإصلاح المؤسسات، وتجريم خطاب الكراهية، وصياغة هوية وطنية جديدة تتجاوز الانقسامات التي قادت إلى المأساة. أما في السودان، فما تزال قطاعات من النخب السياسية والعسكرية تتعامل مع الأزمة كما لو أنها أزمة حاكم لا أزمة دولة؛ فتسعى إلى تغيير من يدير السلطة، مع الإبقاء على البنية نفسها: مركزية القرار، وامتيازات النخبة، وأدوات الهيمنة القديمة. ولذلك تتكرر الأزمات، لأن العطب ليس في السائق وحده، بل في المركبة ومسارها منذ تأسيسها.
خاتمة: بين حكومتين وسؤال الدولة المؤجل لم تعد الأزمة السودانية تدور فقط حول من يحكم، أو من يفاوض، أو من يملك السلاح، بل حول سؤال أعمق وأكثر حسماً: أي دولة يمكن أن تستمر بعد هذا الخراب، وعلى أي أسس تُبنى من جديد؟ فالسودان اليوم لم يعد أمام سلطة واحدة ومعارضة واحدة، بل أمام واقع سياسي جديد يتمثل في وجود حكومتين، ورؤيتين متنافستين لفكرة الدولة نفسها: مشروع يسعى إلى ترميم الدولة القديمة مع بعض التعديلات، ومشروع آخر يطرح إعادة تأسيسها على قواعد جديدة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالقوى التي تتفق على وقف الحرب، والحريات العامة، والانتقال المدني الديمقراطي، وتوسيع المشاركة السياسية، لكنها تتجنب أو تؤجل قضايا العلمانية، واللامركزية العميقة، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وحق تقرير المصير، لا تقدم حلًا جذريًا، بل تبقى داخل حدود الأزمة التي أنتجتها الدولة القديمة. فهي تتوافق على إدارة النزاع، لكنها لا تواجه جذوره البنيوية. أما مشروع التأسيس، سواء اتُّفق معه أو اختُلف حوله، فقد فرض واقعًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه. إذ نقل النقاش من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة؛ من من يحكم الخرطوم إلى كيف يُعاد بناء السودان كله؛ ومن التسويات النخبوية إلى الاعتراف بالأقاليم والمجتمعات التي دفعت أثمان الحرب والتهميش لعقود. كما أن ما تحقق على الأرض من مؤسسات ناشئة، وأطر تنفيذية وتشريعية، ومصالح حقوقية واستراتيجية، لم يعد مجرد ورقة تفاوضية قابلة للسحب، بل تحول إلى مكتسب سياسي يصعب التراجع عنه. ومن هنا، فإن على القوات المسلحة السودانية أن تدرك أن الحرب لن تعيد السودان القديم، وأن أي دور مشروع لها في المستقبل لن يقوم على الغلبة العسكرية، بل على قبولها بإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية نفسها: جيش مهني قومي، خارج الاقتصاد والسياسة، خاضع للدستور والرقابة المدنية، ومعترف بأن الحروب نتاج مظالم تاريخية لا مؤامرات عابرة. وعلى القوى المدنية المعارضة، في المقابل، أن تدرك أن شعار العودة "للحكم المدني الديمقراطي" لم يعد كافيًا إذا لم يرتبط بمشروع تأسيسي واضح . فالمدنية التي لا تمس بنية الامتياز، ولا تعترف بحقوق الأقاليم، ولا تتبنى المواطنة المتساوية، ولا تحوّل العدالة التاريخية إلى سياسات في الأرض والموارد والتمثيل وجبر الضرر، ستظل مدنية ناقصة قابلة للاختطاف. إن السودان اليوم يحتاج إلى تفاوض لا يكتفي بوقف إطلاق النار، بل يفتح سؤال الدولة من جذوره. تفاوض يعترف بوجود واقعين سياسيين، وبأن السلام لن يتحقق عبر إنكار أحدهما، بل عبر عقد وطني جديد يقوم على: المواطنة المتساوية واشتراطاتها، والعدالة التاريخية، والتنمية المتوازنة، واللامركزية الحقيقية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني مهني. ومن لا يفهم أن السودان دخل لحظة تأسيس، سيظل يتحدث بلغة ما قبل الحرب، في بلد لم يعد كما كان....
وللحديث بقية!
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|