ما بين روزماري وديزي والمجذوب،، البوح المفقود!! كتبه حيدر الشيخ هلال

ما بين روزماري وديزي والمجذوب،، البوح المفقود!! كتبه حيدر الشيخ هلال


04-25-2026, 07:05 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777140320&rn=0


Post: #1
Title: ما بين روزماري وديزي والمجذوب،، البوح المفقود!! كتبه حيدر الشيخ هلال
Author: حيدر الشيخ هلال
Date: 04-25-2026, 07:05 PM

07:05 PM April, 25 2026

سودانيز اون لاين
حيدر الشيخ هلال-قطر
مكتبتى
رابط مختصر



إقتباس:
(تحدثت الفتاة الإنجليزية روزماري عن الشاعر السوداني محمد المهدي مجذوب قائلة: إنك لا تعرف مدى تأثير هذا الرجل عليّ.. إنه امتلك جوانحي واستلب عقلي.. لقد تعلّمت منه وأنا أخشى أن أركع أمامه حين ألقاه فهو أشبه بالقديسين.. لكن في داخله بركان، ورغم أن صورته حلوة هادئة، لكن ابتسامته ساخرة. لقد أبلغني أنه تعلم بالسودان.. ولكن يبدو لي وكأنه يحتوي العالم بين يديه.. إنه قوة جارفة..
أهذا غزل؟ كانت تلك الفتاة لم تلتقِ بالمجذوب بعد إلا عن طريق رسائل حارة، مشحونة بالمعرفة والتأمل والفكر العميق.

كان المجذوب قد كتب إلى صديقه علي أبوسن يطلب منه أن يختار له امرأة يكاتبها: «أريد امرأة تكتب إليّ… بين الثلاثين والأربعين… تكون أماً وحبيبة… عرفها بأحوالي جميعاً، والأمر جد ولا يحتاج إلى مزيد من الشرح ويحسن أن تكون وحيدة محزونة مثلي… (تصوّر!) تحسن الكتابة، والوضوح والصراحة، وتكون ذات فهم عميق… عسى أن ينفعني ذلك في تنظيم نفسي… أحذرك أن تكون قبيحة أو سمينة أو عجوزاً وإلا فالويل لك، أريدها ممشوقة خفيفة الوزن رؤوماً وسأكتب إليها لن أخفي عنها شيئاً… ألا ترى في خطابي إني في حالة سيئة جداً». أخذ المجذوب يكتب بانتظام إلى الأنسة روزماري في لندن بلغته الإنجليزية الفخمة حول الأدب والفن والفلسفة والأخلاق وعن سيرته الذاتية وانطباعاته العابرة… جاداً ومازحاً… ساخراً ومتهكماً… لا ينتظر ردودها غير المنتظمة إلا أنه بات يتخلل ذاتها وينمو في شرايينها بطريقة أودت بها إلى نهاية مأساوية)
انتهي

بين يدي كتاب رائع يؤانسني في هذه الايام الكالحات بعنوان (اصوات في الثقافة السودانية) لكاتبه مكي ابو قرجة وهو صحفي وكاتب من مواليد مدينة كوستي، يلقي فيه الضوء على جوانب من شخصيات سودانية عامة منهم ادباء وكتاب وفنانين ومؤرخين ومعلمين ومناضلين ونقابيين ومتصوفة وقديسين ورجال ونساء من غمار الناس!!

وكما وصفته روزماري،، الفتاة الانجليزية بالقديس يبدو ان اديبنا الباذخ محمد المهدي المجذوب كالباحث عن الحقيقة كان يعيش في محرابه الخاص يهرب من جحيم نفسه البائسة عبر كتابات الى اشخاص من عوالم حقيقية ولكن خارج اطاره المكاني المزعج لروحه الشفيفة!! فالكتابة الى امرأة محزونة بين الثلاثين والاربعين،،ذات فهم عميق، ممشوقة خفيفة الوزن رؤوما تكون أما وحبيبة،، وغير قبيحة!! ماهو الا اسقاط عاطفي شديد التقارب لمتخيل كان يتمنى ان يعايشه، متخيل يظن انه كان قادر على ترتيب دواخله المرتبكة ولملمه شتيت افكاره المضطربة ومعالجة لواعج فشل من حوله قراءتها في عينيه وكأنهم مرايا معتمة لا تأخذ ولا ترد ،، شخصية،، يكاتبها وإليه تكتب،، تمس روحه ولا تلمسه،، فراشة تحلق على تخوم نيرانه لا تلج فتحترق ولا تطير بعيدا فيبتلعها الظلام،، طيف،، يحكي له ويحاكيه دون ان يؤثر او يتأثر به،، ولكن على غير المأمول،،
تقول روزماري.. إنك لا تعرف مدى تأثير هذا الرجل علي...
يبدو ان الفراشة سقطت!!

وبسقوط روزماري،،
طفق اديبنا يبحث عن ملاذ اخر يبثه لواعج نفسه ويشكي له سوء احواله واحوال وطن اقل ما يوصف بأنه (بركة ماء آسن) كما يقول صديقي فضيلي!!

فوقعت روحه التواقة على الكاتبة والقاصة العراقية من أم لبنانية، ديزي الامير، ليختارها بعد عدة لقاءات لتكون مهبط وحي رسائله الملتاعة، وهو طقس كان معروف بين الادباء والشعراء في ذلك الزمان من ستينيات القرن المنصرم حيث كان يكاتب الادباء بعضهم البعض في رسائل خاصة يبثون فيها همومهم ولواعجهم ويثرثرون على الورق في شتى الموضوعات منها القابل للنشر ومنها ما دونه، لهذا كان يطارد النقاد مثل هذه الرسائل حتى يستفردون بما لم يحط به غيرهم، مثل الرسائل التي كان يكتبها الناقد المصري انور المعداوي للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي تخللها بعض البوح الخاص نشرها الناقد رجاء النقاش معلقا عليها بشكل غير لائق جوبه بموجة من الانتقادات كون هذه الرسائل كانت تحتوي على امور خاصة كان من غير اللائق نشرها في محيط شرقي محافظ، تربى على الكبت وكتم المشاعر وعدم إبداءها البتة!!

واديبنا لم يشذ!! فهو ابن مجتمع ذكوري شرقي لا تستطيع ان تشكو له الحزن ولا الالم،، مجتمع يبصق على وجهك اذا رأى دمعة تجري على خدك كرجل، فكونه يدس مشاعره بين سطور يعرف انها لن تقرأ إلا على بعد آلاف الاميال عن وطنه مدعاة لاندياح روحه بكل مافيها من طاقة شاعرية والثرثرة بإرتياح دون قيود مجتمعية يستنكف فيها الرجال البوح عن مكنوناتهم كي لا يوصفو بالضعف!!
ونحن كسودانيين احوج الى الاطلاع على هذه الوثائق الادبية حتى نتعرف على شاعرنا وانفسنا عن قرب إذ لا شك ان المحكي في هذه الرسائل يفصل ملامح هويتنا ويعكسها بشاعرية طاغية تنضح جمالا وأدبا عرف بها شاعرنا الفخيم!!

وديزي الامير لم تكن ترد على رسائله لنفس الاعتبارات..قد تكون أما وحبيبة ومحزونة حسب تفضيلاته الشخصية، ولكنها أم شرقية وحبيبة شرقية ومحزونة شرقية ،وهذا بون شاسع بينها وروزماري!!
بون يحمل آلاف من،، العيب،، والممنوع،، والحرام،،وكلام الناس،، وانتي حرمة!! وهو رجال وغيره من قيود مجتمعاتنا المحافظة!!

ومع هذا فديزي قررت اخيرا ان تكسر حاجز الرهبة والممنوع بعد رسائل كثيرة لتختار نصا مقتضبا ترد به، تشكره فيه على رسائله وترسل تحياها الى زوجته وأولاده( مما اثار حفيظة المجذوب واعتبرها اهانة وواصل كتاباته المكثفة متناولا هذا الموقف) مابين الاقواس تعليق الكاتب على الحادثة ولكنه لم يوضح ماذا اثار حفيظة المجذوب بالضبط!! هل هي الرسالة المقتضية؟ أم تأخيرها الرد عليه؟ ام مضمون الرسالة نفسها؟ ام ردها من الاساس؟

وللحقيقة!! فإن ديزي الامير كانت أمينة مع رسائله فقد احتفظت بها ردحا من الزمان وعندما طلبها الناقد رجاء النقاش رفضت اعطاءها إياه خشية ان ينشر ما لا ينبغى رغم لجاجته وإلحاحه المضني،، ولما لم يجد لها سبيلا وسط لها الشاعر بنلد الحيدري فاقنعها بتسليمه الرسائل وقد سلمتها له خصوصا انها كانت تخاف عليها الضياع بسبب الحرب الاهلية اللبنانية!!

إلا أن النقاش لم يكن امينا حيث انه قطع تواصله معها واصبح يتهرب منها ولم ينشر اي دراسة نقدية مستفيضة عن المجذوب وهو الذي كان يشكو لديزي الظلم الذي حاق بالمجذوب من قبل النقاد بعدم تناولهم سيرته وتجربته الثرة، ولكنه كتب مقال مقتضبا عنه قبل وفاته في العام ٢٠٠٨، ليضيع بوفاته ارث ادبي كان سيكون من اعمق واجمل ما خطته روح بشرية!!

على سفارتنا في القاهرة البحث وراء هذا الموضوع،، رجاء النقاش له اخوة على قيد الحياة ولا ادري ان كان له ابناء،، على الملحق الثقافي،، إن وجد أن ينقب على هذه الرسائل ويعيدها الى دار الوثائق السودانية بعد ان ينشر ما يمكن نشره‍ منها!!

الله،، الله،، الله،، الله،، الله
وفتاة لونها الأسمر من ظل الحجاب
تتهادى في شباب وارتياب
قد تحييك وتدعوك بأطراف الثياب
وهي قيد وانطلاق
واضطراب واتساق
إن نأت عنا وأخفتها الديار
فعروس المولد الحلوة جلاها التجار
لبست ألوانها شتى أميره
ما أحيلاها صغيره
وقفت في كرنفال
فوق عرش دونه الحلوى كنوز ولآلي
من أساطير الخيال
***
وهي إن تصمت ففي أعينها الوسن انتظار
حولها الأطفال داروا
بعيون تلمع الألوان فيها وتذيع
وبها من بهجة رفت دموع
***
لهفتا كم عصف البؤس بأطفال صغار
وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار
ويح أم حسبوها
لو أرادوا النجم جاءت بالدراري
ويحها تحمل سهد الليل في صحو النهار
***
حيدر الشيخ هلال
24 ابريل 2026