Post: #1
Title: السياسة هي فن الممكن كتبه احمد الباقر محمد
Author: أحمد الباقر محمد
Date: 04-23-2026, 01:32 AM
01:32 AM April, 22 2026 سودانيز اون لاين أحمد الباقر محمد-مصر مكتبتى رابط مختصر
***حين يفرض الواقع انضباط الكلمة ——
في أوقات السلم، قد تُحتمل فوضى الآراء، ويُفتح الباب واسعًا للاجتهادات وتباين المواقف. أما في أزمنة الحروب، فلا مجال لهذا الترف. فالدولة التي تواجه تهديدًا وجوديًا لا تملك رفاهية الجدل العبثي، ولا تحتمل ضجيجًا يربك القرار أو يُضعف الجبهة الداخلية.
السياسة ليست شعارات تُطلق، بل إدارة واعية لمعادلات معقدة. ومن يختزلها في آراء مرتجلة أو تحليلات سطحية، إنما يساهم—عن قصد أو دون قصد—في تعقيد المشهد لا في حله. فـ“فن الممكن” لا يُمارَس من خارج دوائر المعرفة، ولا يُدار عبر منصات الانفعال.
إن التشكيك غير المستند إلى معرفة دقيقة، والطعن في توجهات القيادة في خضم معركة مفتوحة، لا يمكن اعتباره “رأيًا مشروعًا”، بل هو عبء إضافي على دولة تُقاتل في أكثر من جبهة. فالقائمون على إدارة المشهد، سياسيًا وميدانيًا، يمتلكون من المعطيات ما لا يتوفر لغيرهم، ويعملون ضمن حسابات تتجاوز ما يُتداول في العلن.
وما يزيد المشهد تعقيدًا، ذلك التداخل غير المنضبط في الأدوار، حيث يتصدر الحديث في قضايا سيادية وعسكرية من لا يملكون أدواتها ولا مسؤولياتها. فليس كل من امتلك منبرًا أصبح مؤهلًا لإدارة نقاشات مصيرية، ولا كل من رفع صوته صار صاحب رؤية. هذا الخلط لا يُنتج وعيًا، بل يُكرّس الفوضى.
ومهما تعاظمت أدوار بعض المتصدرين في وسائل الإعلام، فإن ذلك لا يمنحهم حق إثارة القضايا الخلافية أو النفخ في النزعات الانفصالية تحت لافتة الحرية أو الوطنية. فبعض هذه الأصوات باتت تتعمد طرح ملفات شديدة الحساسية، مستغلة حالة القلق العام، ومعتمدة على اندفاع قطاعات من المجتمع قد تنساق خلف الخطاب العاطفي دون تمحيص أو فهم كامل لحقيقة ما يُطرح.
والأخطر أن كثيرًا ممن يخوضون في هذه الملفات لا يملكون لا الاختصاص ولا الإحاطة، ولا يدركون حجم ما يمكن أن تُحدثه كلماتهم من شرخ في الوعي العام أو اضطراب في الصف الوطني. فليست كل منصة إعلامية تفويضًا، وليست كل شهرة أهلية للخوض في القضايا السيادية والعسكرية التي تحتاج إلى معرفة دقيقة ومسؤولية وطنية عالية.
إن المطلوب من هذه الأصوات أن تدرك حدودها الطبيعية، وأن تتوقف عن تحويل الشأن الوطني إلى مادة للفرقعات الإعلامية الرخيصة، أو إلى ساحة للمزايدات التي تُدفع أثمانها—بشكل مباشر أو غير مباشر—من أطراف لا يهمها استقرار البلاد، بل تسعى إلى تفتيت نسيجها الاجتماعي وزعزعة وحدتها. فالوطن ليس منصة استعراض، ولا قضية تُدار بمنطق الإثارة، بل أمانة أكبر من أن تُترك لمن يخلط بين الحضور الإعلامي والوعي السياسي.
الأخطر من ذلك، أن الساحة لم تعد محلية خالصة. فالسودان اليوم يقف في قلب صراع مصالح إقليمية ودولية، تتقاطع فيه الأجندات وتتحرك فيه أدوات التأثير بوسائل متعددة. وفي مثل هذا السياق، فإن بعض الخطابات—مهما بدت عفوية—قد تُوظف ضمن مسارات لا تخدم الوطن، بل تُضعف تماسكه وتفتح ثغرات في جبهته الداخلية.
إن حرية التعبير لا تعني الفوضى، كما أن النقد لا يبرر التشويش. الفارق بين النقد البنّاء والتخريب المعنوي واضح: الأول يُقوّم ويُصحح، والثاني يُربك ويُضعف. وفي زمن الحرب، يصبح الانضباط في الكلمة موقفًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي دور في الميدان.
من هنا، فإن على مؤسسات الدولة أن تمارس دورها كاملًا، بحزم وعدالة، في ضبط المجال العام، ومنع التعدي على الاختصاصات، والتصدي لأي خطاب يُهدد وحدة الصف أو يُغذي الانقسام. فالتهاون في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل تقصير في حماية الجبهة الداخلية.
كما أن على الفاعلين في المجتمع—سياسيين، إعلاميين، وقيادات اجتماعية—أن يدركوا حدود أدوارهم، وأن يُسهموا في ترسيخ الاستقرار لا في إرباكه. فالمسؤولية الوطنية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدر ما يضيفه الموقف من وضوح واتزان.
ليست القضية في إسكات الأصوات، بل في توجيهها. وليست المشكلة في تعدد الآراء، بل في فوضويتها. فالدولة لا تُدار بمنطق “كلٌ يدلي بدلوه”، بل بمنظومة منضبطة تعرف من يقود، ومن يساند، ومن يُسائل—وكل ذلك ضمن إطار يحفظ الوطن ولا يُمزقه.
في النهاية، لا خيار أمامنا سوى الاصطفاف الواعي: دعمٌ مسؤول، ونقدٌ منضبط، وانضباطٌ عام يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالمعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا في الوعي—ومن يفرّط في هذا الميدان، يفتح الباب لخسائر لا تقل خطورة.
|
|