جيوش في رحم الجيش.. حين تأكل الدولةُ نفسَها كتبه حامد محمد

جيوش في رحم الجيش.. حين تأكل الدولةُ نفسَها كتبه حامد محمد


04-21-2026, 01:07 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776730063&rn=0


Post: #1
Title: جيوش في رحم الجيش.. حين تأكل الدولةُ نفسَها كتبه حامد محمد
Author: حامد محمد
Date: 04-21-2026, 01:07 AM

01:07 AM April, 20 2026

سودانيز اون لاين
حامد محمد-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






ثمة لحظة فارقة في تاريخ أي دولة، حين لا يعود الجيش جيشاً واحداً. لا تُعلَن هذه اللحظة، ولا يُحتفى بها، لكنها تمرّ بصمتٍ مُدوٍّ، تاركةً وراءها شرخاً في البنية كلها، لا يمكن لاحقاً إخفاؤه بالخطب أو إصلاحه بالوعود.
ما يُتداول عن وجود وحدة تُعرف بـ"الضباحين" داخل المؤسسة العسكرية السودانية، ليس —إن صحّ— مجرد تفصيلة تنظيمية، ولا هامشاً في الهيكل الإداري. إنه، إن ثبت، سؤالٌ وجودي يطرح نفسه بإلحاح: هل لا يزال في السودان جيشٌ وطني موحّد؟ أم أننا أمام فسيفساء من التشكيلات التي تتقاسم الزيَّ العسكري دون أن تتقاسم العقيدة ولا الولاء ولا المساءلة؟
حين يصبح الغموض سياسةً
المؤسسات العسكرية في الدول التي تحترم دساتيرها تقوم على مبدأ واحد لا يقبل التفاوض: كل وحدة معروفة، كل مهمة موثّقة، كل قرار قابل للمراجعة. الغموض ليس حصانةً أمنية، بل هو في أغلب الأحيان ستارٌ لما لا يُقال أمام الرأي العام.
فحين تعمل وحدات في الظل، بعيداً عن الرقابة البرلمانية أو المدنية، فإن الأسئلة تكتسب شرعيتها من تلقاء نفسها: مَن أصدر أمر التأسيس؟ مَن يموّل؟ مَن يُحاسَب إن أخطأت أو تجاوزت؟ وإن لم تكن ثمة إجابات جاهزة، فالمشكلة ليست في الأسئلة، بل في غياب بنية المساءلة من أساسها.
السودان: أزمة مركّبة فوق جرح لم يندمل
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن السياق. منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، دخل السودان نفقاً طويلاً تراجعت فيه مؤسسات الحكم المدني، وتضخّم فيه نفوذ العسكر، وتداخلت فيه الأدوار بين الجيش النظامي وقوات شبه عسكرية باتت لاعباً مستقلاً بكل المقاييس. ثم جاءت الحرب الضروس في أبريل 2023، لتكشف أن ما بُني في سنوات من التسامح مع التعدد المسلح، يمكن أن ينفجر في أسابيع.
في هذا المناخ المشحون، لا يكون ظهور وحدات غير رسمية مفاجئاً، لكنه يكون خطيراً. خطير لأنه يُعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية. خطير لأنه يُشرّع الباب أمام "الوحدة الخاصة" التالية، والتي قد لا تكون أقل غموضاً ولا أكثر خضوعاً للقانون. وخطير فوق كل ذلك، لأنه يجعل احتكار الدولة للقوة المشروعة أثراً بعد عين.
الخطر الأعمق: ما تمثّله لا ما تفعله
كثيراً ما ينشغل النقاش العام بسؤال: ماذا تفعل هذه الوحدات؟ وهو سؤال مشروع. لكن الأخطر منه: ماذا تمثّل؟
حين تتعدد مراكز القوة داخل مؤسسة عسكرية واحدة، وحين تنشأ تشكيلات تعمل بمنطق التشكيلات الخاصة لا بمنطق الانتماء للدولة، فإن الجيش يتحوّل تدريجياً من ضامن للأمن الوطني إلى ساحة للتنافس على النفوذ. والتنافس على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية لا ينتهي عادةً بالكلمات.
تاريخ المنطقة حافل بنماذج مرّت بهذا المسار: جيوش بدأت بوحدات "نخبة" غير خاضعة للرقابة، ثم تحوّلت هذه الوحدات إلى دويلات داخل الدولة، ثم اندلعت الحرب بين أطراف كانت تحمل يوماً الراية ذاتها.
المطلوب: شجاعة المواجهة لا فصاحة التبرير
السودان الذي يريد مستقبلاً —وهو يستحقه— لا يستطيع أن يبني دولة القانون فوق أرضية تتشقّق بوحدات مجهولة وولاءات ضيّقة. المطلوب ليس فقط حلّ هذه التشكيلات، بل شيء أعمق وأصعب: إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس مهنية حقيقية، وإخضاع كل وحداتها —المُعلَنة والمُضمَرة— لسلطة مدنية تُحاسب ولا تُحاسَب.
وهذا لن يحدث بمعزل عن انتقال سياسي جاد، يُعيد للسلطة المدنية دورها الدستوري، ويجعل من الجيش مؤسسةً للوطن لا للحاكم.
السكوت عن هذه الملفات ليس حياداً. التبرير لها ليس حكمةً. والمزايدة بخطاب "الظرف الاستثنائي" لتسويغ كل شذوذ مؤسسي، ليست سياسةً دفاعية —بل هي رسالة واضحة للأجيال القادمة: لقد كنا نعرف، واخترنا الصمت.
والدول التي تختار الصمت في اللحظات المفصلية، كثيراً ما تُجبَر لاحقاً على الصراخ —لكن حين يكون الصراخ متأخراً جداً.