Post: #1
Title: حوار على رماد كتبه ادم ابكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 04-21-2026, 01:05 AM
01:05 AM April, 20 2026 سودانيز اون لاين ادم ابكر عيسي-السودان مكتبتى رابط مختصر
أصداء الوعي .. ادم ابكر عسي.
ليس التحاورُ في زمنِ الرصاصِ إلَّا وهماً يَرْضَعُ الجِراحَ، أو مرآةً مُعلَّقةً على جدارِ الفقدان. حين يَجْلِسُ الرؤساءُ على مائدةِ الحوارِ، والأرضُ تحت أقدامِ الشعبِ تَتَلهَّبُ، فلا تَبْحَثْ عن رَحيقٍ في الألفاظِ، بل تأمَّلْ ذلك الصَّمْتَ الذي يَسْبِقُها: إنه صمتُ سُلطةٍ لا تريدُ أن تَعِيَ أنَّ التحريرَ ليس شَرْطاً للحوار، بل هو الحوارُ في أَجَلِّ مَعانيه.
أيُّ قيمةَ لِمُحاوَرةِ المُتَحدِّثينَ باسمِ الشعبِ، والشعبُ نفسُهُ غائبٌ تحتَ رُكامِ الميليشيات؟ إنه حوارُ الطُّرْشانِ في مملكةِ الصَّمَمِ، تتساقطُ فيه العباراتُ كورقِ الخريفِ لا تَدري أين تَسْتَقِرُّ. الفلسفةُ هنا لا تَسْألُ عن الآلياتِ والأطرافِ فحسب، بل تَسْألُ عن لُبِّ السؤال: هل يُمكنُ للحوارِ أن يُولِدَ وَطَناً دونَ أن يكونَ الوطنُ قد وُلِدَ من رَحِمِ التحريرِ؟
إن تأجيلَ تحريرِ الأرضِ تحتَ شعارِ الحوارِ لَعِبَةٌ قَديمةٌ على حبالِ الزمنِ المُتَآكِلَة، حبالٌ يَمُدُّها الساسةُ بأيادٍ مُرتَعِشَة، ليُوهموا الشعبَ أنَّ القطارَ آتٍ، والقطارُ ما يزالُ عالقاً في محطةِ السَّراب. حوارٌ بلا تحريرٍ ليس بناءً، بل هو تَأسيسٌ لسُلطةٍ جديدةٍ فوقَ أنقاضِ القديمةِ، وتَشحيمٌ لمَفاصِلِ الألمِ كي تَظَلَّ تَصِرُّ.
أيها السيدُ - رئيسُ الوزراءِ الدكتورُ كاملُ - الذي تَحَدَّثَ عن "مايو"، اعلمْ أنَّ الشعبَ لا يَنتظرُ مَوائدَ مُدَوَّرةً تُقامُ على بُطونِ الجِياعِ، ولا يريدُ حواراً يُضافُ إلى موسوعةِ الحواراتِ العَقيم. الشعبُ يريدُ أن يَطَأَ الأرضَ بِقَدَمَيْهِ الحافِيَتَيْنِ، لا أن يَقرأَ بَياناتِ الحوارِ وهو يُغَطِّي أُذُنَيْهِ من دَوِيِّ المَدافِع. التحريرُ أوَّلاً، ثمَّ ليَكُنْ بعدَ ذلكَ ما يكونُ من حوار. فالحريةُ ليستْ وَلِيدَةَ كلماتٍ، بل هي أُمُّ كلِّ كلمةٍ تُنطَقُ بعدَها.
عندَئذٍ فقط، حين تَعودُ الأرضُ إلى أبنائها، ويَعودُ المواطنونَ إلى رُبوعِ وَطَنِنا العزيز، يُصبِحُ التحريرُ حقيقةً مُعاشةً لا أُمنيةً مُعلَّقة. حينها نَستطيعُ أن نَقولَ: هاؤُمُ نَتَحاوَرُ كأحرارٍ عادوا من غُربَةِ الاحتلالِ إلى دِيارِ الكرامة. أما اليومَ، فكلُّ حوارٍ دونَ تحريرٍ هو غُبارٌ تَذروه الريحُ على وجهِ الوطنِ الجريح.
وهكذا يَبقى السؤالُ الفلسفيُّ مَفتوحاً على جِراحِ الواقع: أَيَسْبِقُ الحوارُ التحريرَ أم التحريرُ يَسْبِقُ الحوارَ؟ إن أطروحةَ هذا المَقالِ تُجيبُ بأنَّ تَقَدُّمَ تحريرِ الأرضِ - وعودةِ كلِّ مواطنٍ إلى رُبوعِها - على أيِّ حوارٍ سياسيٍّ ليس مُجرَّدَ خيارٍ تَكتيكيٍّ، بل حقيقةٌ وُجوديةٌ قاطعة. ذلك أنَّ الحوارَ دونَ سيادةٍ وطنيةٍ يَتحوَّلُ إلى أداةٍ دعائيةٍ أو مُمَاطَلةٍ في الصراع. والأسلوبُ الأدبيُّ هنا - بما يَحمِلُه من استعاراتٍ وتكرارٍ وإيقاعٍ - ليس تَزْيِيناً لفظياً، بل هو تَعْميقٌ للبُعدِ الفلسفيِّ الإنساني، إذ يُحوِّلُ النقاشَ السياسيَّ الجافَّ إلى تأمُّلٍ وُجوديٍّ في علاقةِ الكلمةِ بالتراب. ويَبقى الخلاصُ أنَّ الحريةَ تُنالُ بالأقدامِ لا بالأقلام، وأنَّ الحوارَ الحَقَّ لا يُعقَدُ فوقَ الأنقاض، بل تحتَ ظِلالِ الوطنِ المُحَرَّر، حيث يعودُ المواطنونَ إلى رُبوعِهِم آمنينَ مُكْرَمين.
|
|