حين تصبح البندقية طريقاً إلى السلطة: الأخطاء الكبرى في السياسة السودانية كتبه عبدالمنعم على التوم

حين تصبح البندقية طريقاً إلى السلطة: الأخطاء الكبرى في السياسة السودانية كتبه عبدالمنعم على التوم


04-19-2026, 11:23 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776637393&rn=0


Post: #1
Title: حين تصبح البندقية طريقاً إلى السلطة: الأخطاء الكبرى في السياسة السودانية كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 04-19-2026, 11:23 PM

11:23 PM April, 19 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم
حين تصبح البندقية طريقاً إلى السلطة: الأخطاء الكبرى في
السياسة السودانية
يخطئ كثيرون حين ينظرون إلى التاريخ بوصفه مجرد سردٍ لأحداثٍ ماضيةٍ جامدة، انقضى زمنها وانتهى أثرها. والحقيقة أن التاريخ هو مرآة البشرية الصادقة، وذاكرتها الحية التي تختزن الدروس والعبر. فمن خلاله نفهم ما جرى، ونستوعب ما يحدث، ونستشرف ما يمكن أن يكون، ونصحح المسار قبل أن تتفاقم الأخطاء.
وفي السياق السوداني، تبرز واحدة من أبرز المحطات المفصلية في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، حين تم توقيع اتفاقية مع حركة التمرد «الأنيانيا» بقيادة جوزيف لاقو. وقد منحت تلك الاتفاقية المتمردين مناصب دستورية، وتم بموجبها استيعاب قواتهم داخل أجهزة الدولة.
ورغم أن الاتفاقية صمدت قرابة عقدٍ من الزمان، فإنها انهارت لاحقاً مع اندلاع تمرد جديد، قاده هذه المرة أحد ضباط الجيش السوداني. وهنا يكمن جوهر الخطأ: إذ فتحت تلك السابقة الباب واسعاً أمام فكرة خطيرة مفادها أن الوصول إلى السلطة يمكن أن يتم عبر حمل السلاح، لا عبر الكفاءة أو الإرادة الشعبية.
ومنذ ذلك الحين، ترسخت — ولو بشكل غير مباشر — معادلة مختلة في الوعي السياسي: البندقية قد تكون أقصر الطرق إلى المناصب. فكلما تم التوصل إلى اتفاق مع جماعة متمردة، ظهرت أخرى، تنتظر نصيبها من السلطة. وهكذا دارت الحلقة، وتحول الصراع من أجل الوطن إلى صراع على المواقع والنفوذ.
الأخطر من ذلك، أن كثيراً ممن تقلدوا تلك المناصب لم يكونوا مؤهلين لإدارة الدولة أو المجتمعات، لا من حيث الخبرة ولا من حيث التكوين العلمي أو الإداري. وبما أنهم لم يصلوا عبر تفويض شعبي أو مسار دستوري راسخ، فقد انعكس ذلك على أداء الدولة، التي أصبحت — في كثير من الأحيان — تُدار بعشوائية، مما ألقى بظلاله الثقيلة على معيشة المواطنين واستقرار البلاد.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تجربة قوات الدعم السريع، التي أُنشئت في الأصل لمساندة الجيش، ثم مُنحت موارد وإمكانات ضخمة، حتى تحولت إلى قوة اقتصادية وعسكرية مؤثرة. غير أن تضخم القوة دون ضبط مؤسسي كافٍ، قد يقود — كما أثبتت التجربة — إلى طموحات تتجاوز الأدوار المحددة، وهو ما أدخل البلاد في منعطف بالغ الخطورة.
ومن اللافت أن هذه الموارد الهائلة لم تُوجَّه بالقدر الكافي نحو دعم قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والخدمات، بل استُنزفت في مسارات عسكرية، الأمر الذي عمّق من معاناة المواطن، بدلاً من أن يخففها.
في المقابل، فإن التجارب العالمية تشير إلى أن الدول التي تواجه انفلاتاً أمنياً، غالباً ما تلجأ إلى فرض سيطرة الدولة عبر مؤسساتها الرسمية، وعلى رأسها الجيش، مع تشكيل حكومة مدنية انتقالية، ووضع أطر قانونية واضحة تنظم العمل السياسي، تمهيداً لانتخابات حرة تُفضي إلى سلطة شرعية منتخبة.
أما في الحالة السودانية، فإن استمرار منح الشرعية السياسية لحركات تحمل السلاح يهدد بتكريس سابقة خطيرة، مفادها أن العنف وسيلة مقبولة للوصول إلى الحكم. وهو مسار، إن استمر، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، حتى وإن تبدلت الوجوه.
ولا شك أن تحقيق السلام يظل هدفاً نبيلاً وضرورة وطنية، لكن السلام المستدام لا يقوم على مكافأة السلاح، بل على ترسيخ دولة القانون، وبناء مؤسسات قوية، وفتح المجال أمام العمل السياسي السلمي عبر قنوات دستورية واضحة.
ختاماً، فإن أحد أكبر الأخطاء في المشهد السياسي السوداني هو التعامل مع الأزمات بردود أفعال قصيرة المدى، دون معالجة جذورها. فالدول لا تُبنى بالمساومات المؤقتة، بل برؤية استراتيجية تُعلي من قيمة القانون، وتُعيد الاعتبار للكفاءة، وتضع حداً فاصلاً بين العمل السياسي المشروع والعمل المسلح.
فإما أن تكون الدولة هي المرجعية، أو تظل البندقية هي الحكم.
تقديم /
عبدالمنعم على التوم
19 ابريل 2026