وادي الهلاك: حين يخلع الضحية قناع البراءة ويرتدي قفاز الجلاد كتبه حامد محمد

وادي الهلاك: حين يخلع الضحية قناع البراءة ويرتدي قفاز الجلاد كتبه حامد محمد


04-19-2026, 01:17 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776557833&rn=0


Post: #1
Title: وادي الهلاك: حين يخلع الضحية قناع البراءة ويرتدي قفاز الجلاد كتبه حامد محمد
Author: حامد محمد
Date: 04-19-2026, 01:17 AM

01:17 AM April, 18 2026

سودانيز اون لاين
حامد محمد-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




في قلب هذا الضجيج الكثيف، حيث تختلط أصوات الرصاص بصمت الضمائر، ينهض سؤال فاضح لا يعرف المجاملة: كيف لمن ابتلعته أهوال الحرب، وسُحِق تحت وطأة الخوف، ونجا بأعجوبة من موتٍ كان أقرب إليه من ظله، أن يتحول اليوم إلى سدٍّ بارد يقف في وجه خلاص الآخرين؟ كيف لمن هرب من الجحيم، أن يصبح حارساً لبوابته؟
ليست هذه مفارقة عابرة، بل فضيحة أخلاقية مكتملة الأركان.
من ذاكرة الألم إلى شهوة السيطرة
ذلك الناجي لم يكن يوماً خصماً للحياة. كان وجهاً بشرياً للألم: جسدٌ مثقل بالخسارات، وروحٌ مشروخة بالذكريات. عبر الصحارى وهو يساوم الموت، وركب الأمواج وهو يراهن على المعجزة، حتى بلغ ضفة الأمان. هناك، حيث الخبز لا يُخطف، والنوم لا يُقصف، كان يمكن أن يستعيد إنسانيته، أن يرمم ما تبقى منه، أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم.
لكنه اختار طريقاً أكثر قسوة: أن يستثمر ألمه لا ليشفيه، بل ليفرضه على الآخرين.
لم يعد الألم عنده جرحاً، بل أصبح أداة. ولم تعد الذكرى عبئاً، بل تحولت إلى مبرر للمنع والإقصاء.
جدار الكراهية… حين يتخفى الانتقام في ثوب النظام
ما يفعله ليس حمايةً كما يدّعي، بل هو نوعٌ من الانتقام المؤجل. هو لا يمنع الآخرين لأن الطريق خطر، بل لأن نجاتهم تُذكّره بأنه كان ضعيفاً يوماً. في داخله صوت خافت لكنه شرس: "لماذا ينجو غيري بسهولة؟".
وهنا تكمن الكارثة: حين تتحول المعاناة إلى معيار أخلاقي، ويُصبح الألم شهادة استحقاق للسلطة على مصائر الآخرين.
إنه لا يحرس حدوداً… بل يحرس جرحه.
حين تتشابه الوجوه على طرفي الجحيم
نعم، الطرف الذي يشعل الحرب ويغذيها بالدم لا يمكن تبرئته، ففظائعه واضحة كالشمس. لكن المأساة تتضاعف حين ينضم الناجون إلى جوقة القسوة. حين يعيد الضحية إنتاج أدوات القمع نفسها التي هرب منها، فإننا لا نكون أمام صراع بين خير وشر، بل أمام دائرة مغلقة من القسوة المتوارثة.
الحروب لا تكتفي بصناعة القتلى… إنها تُتقن صناعة نسخٍ جديدة من الجلادين.
الخاتمة: سلامٌ لا يُبنى على ذاكرة مريضة
السلام ليس امتيازاً يحتكره من وصل أولاً، ولا جائزة تُحجب عمّن تأخر. السلام مشروع أخلاقي، يبدأ حين يرفض الناجي أن يُورّث ألمه لغيره.
ذلك الرجل، الذي نجا بجسده، يقف اليوم على حافة خسارة روحه. يعيش آمناً، نعم… لكنه أمانٌ ملوّث بأنانية باردة، محكوم بمعادلة قاسية: "النجاة لي… والتيه لغيري."
ويبقى السؤال، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:
إذا كان من عرف الجحيم يصرّ على إعادة إشعاله… فمن الذي سيطفئه؟


Hamed Mohamed