البرهان والكباشي: وجهان لعملة الإخوان المسلمون .. أي انتماء يحسم الجدل بعد قرارات القيادة العسكرية؟

البرهان والكباشي: وجهان لعملة الإخوان المسلمون .. أي انتماء يحسم الجدل بعد قرارات القيادة العسكرية؟


04-18-2026, 10:04 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776546273&rn=0


Post: #1
Title: البرهان والكباشي: وجهان لعملة الإخوان المسلمون .. أي انتماء يحسم الجدل بعد قرارات القيادة العسكرية؟
Author: محمد عبدالله ابراهيم
Date: 04-18-2026, 10:04 PM

10:04 PM April, 18 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبدالله ابراهيم-الخرطوم-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



البرهان والكباشي: وجهان لعملة الإخوان المسلمون .. أي انتماء يحسم الجدل بعد قرارات القيادة العسكرية؟



في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وأشعلت التكهنات داخل المشهدين السياسي والعسكري السوداني، أصدر رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، قرارات خلال الأيام الماضية قضت بإلغاء مناصب نائب ومساعدي القائد العام للجيش، وتعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في منصب جديد يبدو غامضاً إلى حد ما، وهو “مساعد لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي”، وقد فسر البعض هذا القرار على أنه محاولة لتحجيم دور الكباشي أو إبعاده عن دائرة صنع القرار المباشر، مما أثار موجة من التحليلات والقراءات السياسية المتباينة. في المقابل رأى آخرون فيه استهدافاً لأبناء الهامش، لا سيما أن الكباشي ينحدر من ولاية جنوب كردفان وينتمي إلى مكون النوبة، وكان الكباشي قد لعب أدواراً متعددة منذ سقوط نظام المؤتمر الوطني، حيث كان عضواً وأحد صانعي القرار الرئيسيين داخل ما يسمى بالمجلس العسكري الذي تشكل عقب سقوط البشير، ثم شغل منصب عضو مجلس السيادة الانتقالي في الحكومة الانتقالية، وصولاً إلى انقلاب 21 أكتوبر وحرب 15 أبريل.

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال القرار في كونه مجرد “إبعاد” أو استهداف شخصي، بل يتعين قراءته ضمن سياق أوسع يعكس تصاعد التباينات داخل قمة الهرم العسكري بين البرهان والكباشي، لا سيما فيما يتعلق بمقاربة إدارة الحرب ومسارات التهدئة المحتملة. فالمعطيات المتداولة في دوائر القرار تشير إلى أن الكباشي أبدى انفتاحاً نسبياً تجاه خيارات الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، في مقابل تيار أكثر تشدداً داخل المؤسسة العسكرية يرفض أي مقاربات تفاوضية قد تفسر كتنازل استراتيجي، وعلى هذا النحو، يكتسب القرار دلالات أخرى باعتباره جزءاً من عملية إعادة تموضع داخلية، تحكمها حسابات دقيقة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوى المختلفة، لا سيما أن الأوضاع داخل المؤسسة العسكرية تعكس وجود صراعات بنيوية معقدة بين تيارات متباينة، وهذه التيارات لا تتنافس على النفوذ وحده، بل على تحديد مسار الحرب وحدود التسوية الممكنة، وعليه فإن ما يبدو في ظاهره إجراءً تنظيمياً يخفي في عمقه صراعاً مكتوماً على اتجاه القرار الاستراتيجي داخل المؤسسة العسكرية، وربما يمتد إلى أبعد من ذلك ليشمل شكل الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.

وعلى الرغم من التكهنات العديدة التي أحاطت بقرار عبد الفتاح البرهان، إلا أن هناك حقيقة واحدة واضحة لا تحتاج إلى تعقيد أو تحليل معمق، وهي أن الفارق بين الرجلين ليس جوهرياً؛ فكلاهما يمثل واجهة لتنظيم الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية، ويعملان وفق توجهات وخطط تخدم مصالح التنظيم وتنسجم مع أهدافه الاستراتيجية، وبالتالي فإن أي صراع ظاهر بينهما هو جزء من صراع أوسع على النفوذ بين التيارات المختلفة داخل المؤسسة العسكرية السودانية. لذلك ينبغي قراءة القرار بعيداً عن تفسيره كخطوة فردية أو تحرك ضد شخصية بعينها، إذ هو في جوهره جزء من سلسلة تحولات استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل السلطة، وليس انعكاساً لاختلاف في المبادئ أو الرؤى بشأن مستقبل السودان.

إن منصب “مساعد لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي”، وإن بدا ظاهرياً أقل نفوذاً، فإنه في الواقع لا يخرج عن كونه إعادة تموضع ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على تماسك القيادة العسكرية وتنظيم توزيع الأدوار بما يخدم الأجندة غير المعلنة للتنظيم، ويضمن استمرار التوازن بين التيارات المختلفة داخل المؤسسة العسكرية. ففي الأنظمة الشمولية، أو تلك التي تتغلغل فيها التنظيمات السرية، غالباً ما تكون التغييرات في المناصب مجرد تكتيكات لإدارة الصراعات الداخلية أو لامتصاص الغضب الشعبي، دون المساس بالهيكل الأساسي للسلطة أو الأهداف الاستراتيجية للتنظيم الأم، مما يجعل كل حركة داخل المؤسسة العسكرية جزءاً من لعبة أكبر.

ومن هذا السياق، فإن الذين يروجون لتفسير القرار باعتباره استهدافاً للكباشي أو لأبناء الهامش ينطلقون من قراءة سطحية، أو من اعتبارات عاطفية أو مصلحية، متجاهلين النقطة الجوهرية التي ينبغي التركيز عليها، وهي أن البرهان والكباشي ينتميان إلى ذات التنظيم، أي تنظيم الإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني البائد. فكلاهما من الكوادر العسكرية التي نشأت وترعرعت في كنف هذا التنظيم، وتشكلت وفق أفكاره وأجنداته، مما يجعلهما جزءاً من البنية الأيديولوجية ذاتها داخل المؤسسة العسكرية، وعليه فإن أي صراع ظاهر بين الرجلين لا يمكن تفسيره باعتباره استهدافاً لأبناء الهامش أو تعبيراً عن صراع مجتمعي، بل هو صراع نفوذ داخل “البيت الواحد” على مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية، ومن ثم فإن قراءة القرار من زاوية الهامش تمثل تبسيطاً مضللاً لواقع معقد تتحرك فيه القوى العسكرية والسياسية خلف أسوار السلطة، وتغفل الديناميكيات الداخلية واللعبات الاستراتيجية التي تشكل جوهر صناعة القرار داخل كابينة حكومة الأمر الواقع في السودان.

لقد كشفت الأحداث المتتالية منذ سقوط نظام البشير أن المؤسسة العسكرية، تحت قيادة البرهان والكباشي، عملت بصورة ممنهجة على إجهاض التحول الديمقراطي وضمان استمرار نفوذ الدولة العميقة المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين. فمن فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، مروراً بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى حرب 15 أبريل 2023، ظلت بصمات هذه الأجندة واضحة لكل من تابع المشهد السياسي. ويأتي ذلك على الرغم من ادعاء البرهان عدم وجود أي علاقة بين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، وهو ادعاء يتعارض مع الوقائع والمؤشرات على الأرض، وبغض النظر عن طبيعة منصب الكباشي الجديد، أو حتى في حال إحالته إلى التقاعد، فإن ذلك لا يعفيه من المسؤولية؛ إذ يظل الكباشي هو ذاته الضابط الإخواني المتورط في الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء وبنات الشعب السوداني. فالكباشي إلى جانب البرهان، متهم بشكل مباشر في جريمة فض اعتصام القيادة العامة، التي راح ضحيتها المئات من الثوار الأبرياء، ولا يزال تصريحه الشهير “حدث ما حدث” في سياق تبرير تلك المجزرة عالقاً في ذاكرة الشعب السوداني والعالم كدليل على تورطه. كما يتحمل الرجلان المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، وعن انقلاب 25 أكتوبر الذي أطاح بالحكومة المدنية، إضافة إلى حرب 15 أبريل المدمرة التي تشهدها البلاد حالياً، والتي أسفرت عن مقتل الآلاف وتشريد الملايين.

إن إبعاد الكباشي أو أي ضابط إسلامي آخر عن أي موقع لا يغير من حقيقة كونه متورطاً في جرائم حرب تستوجب المساءلة، وعليه يجب حصر النقاش في هذه الحقيقة الجوهرية، دون الانجرار وراء الخطابات التي تسعى عن قصد أو غير قصد، إلى إلهاء الرأي العام وتصوير القضية كاستهداف أو إقصاء، والزج بها في إطار التهميش لاستمالة العاطفة. فهذا الاتجاه يبعد النقاش عن جوهر القضية، وهو المسؤولية والمحاسبة. فالمطالبة بالعدالة ليست خياراً سياسياً فحسب، بل هي حق شعبي أصيل لا يمكن التنازل عنه، ويجب أن يخضع كل المتورطين للمساءلة، سواء كانوا في مواقع قيادية، أو تم إبعادهم داخل المؤسسة العسكرية، أو حتى أُحيلوا إلى التقاعد، لأن المسؤولية الجنائية لا تسقط بتغيير المواقع أو المسميات الوظيفية أو إعادة التموضع داخل هرم السلطة.

إن قضية الكباشي وما يحيط بها من تحليلات تؤكد ضرورة اليقظة المستمرة لقوى الثورة والتغيير. فالمعركة ضد فلول النظام البائد وأذرعهم داخل المؤسسة العسكرية ليست صراعاً عابراً، بل هي معركة طويلة ومعقدة تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الخصم وتكتيكاته الخفية، ولا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي دون محاسبة جميع المتورطين في الجرائم ضد الشعب، وتفكيك الدولة العميقة وبناء مؤسسات وطنية تخدم مصالح الشعب لا مصالح التنظيمات أو الأفراد.



محمد عبدالله إبراهيم
ناشط مدني ومدافع عن حقوق الانسان
mohammedabdalluh2000@gmail.com