سلسلة حكايات الوعي الإنتقالي كتبه عاصم الطيب قرشي

سلسلة حكايات الوعي الإنتقالي كتبه عاصم الطيب قرشي


04-18-2026, 09:52 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776545521&rn=0


Post: #1
Title: سلسلة حكايات الوعي الإنتقالي كتبه عاصم الطيب قرشي
Author: عاصم الطيب قرشي
Date: 04-18-2026, 09:52 PM

09:52 PM April, 18 2026

سودانيز اون لاين
عاصم الطيب قرشي-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



*ديمقراطية صالح الديمقراطي*


مارس ٢٠٢٠

١)
كان شيخ صالح الملقب بالديمقراطي يتوضأ لصلاة الظهر حين مرت مليونية شباب حي الثورة بالقرب من نادي الأحرار الذي كان به مقهاه الثقافي. لقد اتفق المتظاهرون على الخروج في الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت الثورة و شعاراتهم تندد بالدكتاتورية الفاشية و تردد:- "ديمقراطية مية المية، لا عسكر و لا حرامية، مدنية بس....ديمقراطية"

٢)
بعد أن أكمل طقوس وضوئه، خرج صالح يحمل مسبحته الطويلة متجهاً للمسجد في الإتجاه المعاكس لحركة المتظاهرين. لكنه إضطر أن ينتظر كثيراً قبل أن يمر الركب كله ففاتته صلاة الجماعة في المسجد و قفل راجعاً. قبل أن يدخل نادي الأحرار إستوقفه أحد المتظاهرين من جيله في خط الردة مستحيلة و صاح فيه:- سلام يا شيخ صالح.
صالح:- أهلااان أيوب أخوي، وييينك الزمن دا كلو ما ظاهر؟
أيوب:- لسة صابر و منتظر الحلم يتحقق يا صالح أخوي، و إتا مالك الليلة ما مع الردة مستحيلة؟ و لا غيرت مبدأك الديمقراطي! مليونية الليلة دي بتهمك جداً و تشبه إسمك و شعاراتك.

رد عليه صالح الديمقراطي:- لكن إنتو شاورتونا و لا دعيتونا! بعدين الوكت دا وكت صلاة الضُهر، كان على الأقل توقتوها صاح، البيصلي منكم يجي يصلي معانا و يعلن لينا عن المظاهرة دي. بعد داك بي نفس مفهوم ديمقراطية الراي و الراي الآخر، العايز يطلع معاكم يطلع و الما عايز من حقو.

٣)
تداخل أحد الشبان و رد بحدة:- يا حاج إنتو زمنكم فات و غنايكم مات و ما ورثنا منكم غير الفقُر و الجهل و المرض و الموت. نحن هسا لاقيناك ماشي عكس التيار، معناها ماشي ضدنا.
خدر:- لا لا يا إبني ما تكون إنطباعي و خليك ديمقراطي. حتى قبولك لمشيتي عكس إتجاه المليونية دي تجسيد لمعنى من معاني الديمقراطية. نحن كنا أحسن ناس و عشنا أجمل زمن لأننا كنا صادقين و متصالحين. فعلاً الزمن دا و المستقبل كلو حقكم، لكن مطالبتكم بتطبيق الديمقراطية الليبرالية دي ح تغطس حجركم لو ما عرفتوا إنكم عايزين تطبقوها كيف و طبقتوها في نفوسكم.
الشاب:- إنتو دائماً عايشين على الماضي، إن شاءالله جيلنا ده يموت كلو و تجي الأجيال الورانا تعيش معنى الحرية و الديمقراطية.
شيخ صالح:- دي الهزيمة ذاتا يا إبني و ده العايزنو ناس (يموتوا تلتين و يعيش تلت). مافي حاضر بيقوم على فراغ يا إبني، و الماضي ياهو حبوبتنا و محنتنا و تاريخنا البنبني عليهو صروح الحاضر،. بعدين عشان شنو و عشان منو تموتوا كلكم؟ و كيف تضمن إنو الأجيال الوراكم تكسب معركة الديمقراطية و المدنية؟
الشاب:- يا حاج، من كلامك دا شكلك كده كوز و عايز تعطلنا من شغلنا.
صالح:- كدي يا ولدي إستهدى بالله و إتفضلوا معاي إنت و عمك أيوب دا. خلوني أصلي أول و أعزمكم شاي و لا قهوة، بعدين نتناقش حول مفهومكم و مفهومي عن الديمقراطية و أنواعها و أهميتها و ثِقَلَها المَنَع من ظهورها فنُصِب عليها بدلاً من رفعها، هههههههه خليك ديمقراطي يا إبني و ما تحجر علي عمك الديمقراطي و تحكم عليهو بالخيانة من أول كلمتين.

٤)
إتفضلوا خشوا نادي الأحرار و أعزموا أصحابكم أولاد الثورة كلهم يجوا يشربوا شاي عندي هنا عشان نصل لي طريقة للديمقراطية أسرع و أقوى من مليونيات الموت دي.
الشاب: دا ما زمن شاي يا عمك لكن ح نجيك أنا و أصحابي بعد المليونية.
صالح:- كدي أولاً وريني إنت منو و ولد منو في الحلة دي عشان أصلك في بيتكم، إنت قدر أحفادي البحبهم يا ولدي.
الشاب:- أنا إسمي باسل و أبوي إسمو عبدالعزيز البطل.
صالح:- ما شاءالله تبارك الله، إنت ود كفاح بت خيرية؟ خالتك نِضال و خالك جسور؟ أسماء كلها ثورية. يا إبني نحن أكلنا أجمل و أبرك سماية في بيت حبوبتك خيرية و عمرك كان إسبوع واحد. جدك البطل رحمة الله تغشاه كان إسم على مسمى، دفعتي في مدرسة حنتوب، إشتغلنا سوا في الخدمة المدنية. لكن الأوتوقراطيين سمموه بي سبب نزاهتو و رجالتو، و نزلوني أنا جدك صالح الديمقراطي للصالح الخاص ههههه. في نهاية عمري بقيت حارس مرمى، بواب يا إبني و غفير حارس نادي الأحرار و بائع شاي بالليل. مشوار الديمقراطية طويل يا إبني، أسأل عمك أيوب الصابر دا خلي يوريك نحن أحلامنا الوطنية كانت كيف و وصلنا فيها لحدي وين.
كان أيوب يسمع كل هذا الحوار و صامت، عندما التفت إليه باسل كانت دموعه قد بللت خديه.

٥)
فجأة إشتد دخان البمبان و أصوات طلقات الرصاص الحي فتشتت الشمل و تراجع أغلبهم ناحية نادي الأحرار. حينها فتح صالح باب النادي على مصراعيه و أدخل كل المتظاهرين الذين مروا بالقرب من النادي ثم أغلق الباب من الداخل.
لم تمضِ ثواني حتى طرق الباب طرقاً شديداً و مزعجاً. أشار صالح للشباب بالصمت و خرج ليفتح الباب. كان الطارق ضابط برتبة نقيب و حوله أكثر من إثني عشر جندياً بعضهم بالزي الرسمي و آخرون بالزي المدني و كلهم مسلحون.

٦)
النقيب:- يا حاج أمرُق لينا الشباب الدخلو هنا و لَّا ح يحصل كلام ما كويس.
صالح:- علي الطلاق يا إبني ما تشربوا معاي شاي ما أسمع منك و لا كلمة.
إلتفت النقيب لجنديين خلفه فرفعوا أسلحهتم و عمروها و شهروها في وجه شيخ صالح.
النقيب:- يا حاج إنت واعي و لا سكران و لا مسطول؟ أنا بقول ليك طلَّع الأولاد ديل من جوه، عندنا أوامر و تعليمات باعتقالهم.
صالح:- أولاً يا إبني أنا عمك صالح و ممكن أكون قدر جدك، أربعين سنة خدمة للصالح العام و تلاتين إحالة للصالح العام، يعني لو كتلتني هسة ما ح تفرق معاي. أولادي كانوا ضباط جيش زيك و التلاتة ماتوا في حروبكم الما عندها نهاية دي. أصغرهم كان نقيب يشبهك بالكربون، كتلوهو ناس الحركات المسلَّخة قبال خمسة و عشرين سنة. علي الطلاق تدخلوا و تشربوا موية و شاي، شلاليفكم ناشفات من العطش و شكلكم فطور ما فطرتو. حلفتكم بي الله تدخلوا كلكم بعدين نشوف معاكم موضوع الشفع ديل مشوا وين.

٧)
تقدم صالح، يتبعه الضابط و بقية الجنود ففتح لهم مكتب سكرتارية النادي و أدار مفتاح المروحة و المكيف ثم هرول و رجع بحفاظة ماء بارد و بعض كؤوس الماء الراقية.
في الوقت الذي كان الجنود يشربون الماء، أسرع للشباب الذين أخفاهم في غرفة الإجتماعات و فكَّ أسرهم في صمت و هدوء على وعد اللقاء بهم بعد صلاة العشاء في النادي تلبية لدعوة الشاي المؤجلة.
عرج بعدها لمطبخه الصغير فأتى للجنود بكل ما جهزه من فول و عدس و رغيف أعده لبيعه في العشاء.
صالح:- يا جنابو، ما تقولوا و لا كلمة، دا عشاء الكافتيريا كنت مجهزوا لي رواد الليل، و الله نصيبكم و رزقكم.

كانت دعوته لا تقاوم بعد أن فاحت رائحة البصل و الثوم فقاموا كلهم و أكلوا بشهية.

٨)
بعد الفطور مباشرة كان الشاي جاهز فأحضره صالح لكنه إنتهز وقت شراب الشاي لحوار عاطفي بدأ بالتعارف مع النقيب.
صالح:- أنا عمك صالح الديمقراطي يا إبني، إنت من وين في السودان
النقيب:- لينا الشرف يا عمي صالح، أنا من الضعين و ما أظنك تعرف أهلي لأنهم بعيدين.
صالح:- كدي قول لي و ما تسبق الحوادث أهلك منو في الضعين.
النقيب:- أبوي اتوفى لكنو كان تاجر مواشي زمان، إسمو حريكة قادم.

صالح:- يا ولد! حريكة قادم حامدين و لا واحد تاني؟
النقيب:- تعرفوا يا حاج؟
يا اللاااااه، ما بعرفوا كيفن! إنت ممكن تكون أصغر أولادو و ما من زوجتو الأولى.
النقيب:- بالحيل، عرفت كيف!
صالح:- زماااان زمن كان القطر وسيلة السفر الشعبية و مؤسسة السكة حديد قربت المسافات و كتيير. قطر نيالا كان بيشيل الناس و الحيوانات و البضائع، و البوستة شايلة جوابات الغرام و أخبار الحياة و الموت. زمنها كنت موظف جديد في بابنوسة و القطر إنكسر هناك خمسة يوم في عز الخريف. أبوك كان شاحن بقر من الضعين في عربيتين و السوق عِدم الرغيفة و أزيار القطر الكبيرة ديك جفت من كتر الركاب. أبوك واحد من الناس الدقو باب بيتنا، كان عطشااان و عايز موية يشرب. فتحت ليهو الباب و حلفت عليهو طلاق بالتلاتة يدخل يتغدى معانا و الغداء قدامنا. إتغدينا و اتونسنا، حكى لي قصة حياتو و مغامراتو و ضحكنا و بيَّت معانا. في الصباح ضبحت عمبلوق و حلفت عليهو يعزم المعاهو. قعدوا معانا هو و أولاد عمتو خمسة يوم، عليَّ بالطلاق ما ملّيت من ونَستو و لا إتضايقت منهم و بقت عُشرة لمن مات و جيت عزيت فيهو في الضعين.
أها يا ولدي بعد دا تمشوا شغلكم و علي الحرام كان ما جيتوني الليلة شربتو معاي شاي المغرب ما عافي ليكم إنت و جنودك، العربات عندكم و الأوامر إنتو أسيادها.
النقيب:- سبحان الله يا عمي صالح، الدنيا دي ضيقة جداً، شكراً على الدعوة و إن شاءالله بحاول أجيك بعد العشاء، الليلة إرتكازنا هنا في شارع الوادي.
صالح:- لازم تجو كلكم لأني محضِّر ليكم مفاجأة، يمكن تكون عمبلوق زي الضبحتو لي المرحوم حريكة ود قادم ههههههه أنا عمك لزم با إبني، عمك الديمقراطي.

٩)
قبل غروب الشمس حضر النقيب و جنوده لكن بزي مدني غير كل ملامحهم و ذوَّب صرامتهم. طرقوا بوابة نادي الأحرار ففتح لهم صالح الديمقراطي و إستقبلهم بحرارة. بعد أن صلوا المغرب جماعة جلسوا على نجيلة وسط النادي فأحضر لهم صالح الشاي باللبن المقنن و الزلابية.

أول ما جلس صالح، وجَّه سؤال مباغت للنقيب و جنوده:- بعد التعارف الحصل بيننا و الملح و الملاح و الشاي بالزلابية عاوزكم تجاوبوني علي سؤال واااحد بس يا حضرة النقيب، و بعدو عندي ليكم مفاجأة. إذا صرفوا ليكم أوامر كلو واحد منكم يمشي يكتل أبوه و إتنين من أخوانو ح تتصرفوا كيف؟
النقيب:- دا ما ممكن يحصل يا عمي صالح لأنو الفكرة غير منطقية.
صالح:- نفترض إنو أخوك دا كان ضد الحكومة و إنت عسكري مع الحكومة، ح تتصرف كيف؟
سكت النقيب لكن رد أحد الجنود برتبة مساعد:- العسكرية تصرف يا حاج.
صالح:- ح تتصرف كيف يعني؟
الجندي:- ممكن أهرِّب أخوي دا و أقول ليهم ما لقيتو، لأنو مهما كان دا أخوي.
صالح:- يا سلام على تصرفك إنت يا واعي، و التانيين ممكن يتصرفوا كيف؟
جندي:- ممكن عادي أكضِّب و أقول ليهم صفيتو.
صالح:- و هل ح يصدقوك من غير دليل؟ طيب إذا كان أخوك دا لقيتو قدامك في مظاهرة و الضابط المسؤول ما عارفو أخوك و أداك أوامر تضربوا بي رصاصة حية في راسو، ح تتصرف كيف؟
الجندي:- هو أخوي ذاتو مارق مظاهرة لشنو؟
صالح:- أخوك عندو راي مختلف من رايك و عايز يعبر عنو مع أخوانو المشتركين معاهو في رايو، هل ح تصفيهو و لا لأ، باللهي خليك صادق و أجب بلا أو نعم.
الجندي:- لأ.
صالح:- شكراً لصدقك يا إبني، إنت كده أثبتَّ لي إنك إنسان سوي. يخيل لي دا ح يكون رايكم كلكم، معليش يا أولادي على زنقة الأسئلة دي، لكن لازم تعرفوا إنو أخوانكم البيطلعوا مظاهرات ديل لو ما كانوا أشقاءكم أولاد أمكم و أبوكم و أولاد خالاتكم و أعمامكم، هم أخوانكم في الإنسانية و السودانوية. دمهم حرام عليكم و مرتباتكم البتاكلوها في بطونكم ملوثة بي دمهم. بعدين الجيش يا أولادي بيكاتل العدو العسكري زيو و كلكم قريتو عن قوانين الحرب إنو البيكتل مدني في الحرب يحاكم كمجرم حرب، فما بالكم بكتل المدني في وسط المدينة و الجيش ساكن في وسط المدنيين بدل ما يحمي الحدود. سكتوا جميعا بدون رد على صالح.

١٠)
أثناء لحظة الصمت أذن آذان العشاء و كان باب نادي الأحرار مفتوحاً لكل الأحرار. فجأةً، دخلت مجموعة شباب الثورة الذين شاركوا في مليونية الديمقراطية تلبيةً لدعوة شيخ صالح الديمقراطي و وجدوا النقيب و جنوده جالسين على النجيلة.
صالح:- إتفضلوا إتفضلوا كلكم في النجيلة و الشاي بالزلابية الليلة بلاش على حساب عمكم الديمقراطي.
رد أحد الشباب:- إنت عامل لينا كمين يا حاج! الناس القاعدين معاك ديل بنعرف منهم عساكر كتلوا أخوانَّا في المظاهرات، نحن ما عايزين منك شاي و لا ح ندخل النادي دا طالما إنك بتعرف أشكال زي دي.
صالح:- خليك ديمقراطي يا إبني، أخدت فرصتك في الكلام و الفرصة عندي. أولاً إنتو كلكم أولادي و العساكر القدامكم ديل كلهم أولادي، و لا ما كدي يا سعادة النقيب.
النقيب:- تماماً يا عم صالح.
صالح:- بعدين إنتو جيَّتكم دي بالدنيا و جيَّة العساكر بالدنيا و الآخرة. الليلة عمكم الديمقراطي قرّر يجمع الراي و الراي الآخر في نادي الأحرار و ربنا إستجاب دعوته. ممكن نقعد كلنا في دائرة كبيرة و نتونس مع شراب الشاي؟ عمكم الديمقراطي ح يبدا ليكم الونسة بي غنية نغنيها كلنا سوا. إن شاءالله تكونوا كلكم حافظين أغنية وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود.
أحد الشباب:- أولاً قبل ما نغني أنا عندي سؤالين للنقيب دا:- تفتكر جيشنا دا لو مشى حرب و العدو أهانو و لا نكَّل بيهو، هل نحن كمدنيين ح نكون مبسوطين، نمرة إتنين هل يرضيك إنو شباب بلدك يظهروا في قنوات التلفزيون المحلية و العالمية و هم جاريين من العساكر كأنهم جبانين و خوافين؟
النقيب:- أبداً يا شاب، لكن لازم تعرف إنو الجيش دا زي المكنة المبرمجة، بنشتغل بي أوامر واجبة التنفيذ. دا قانون الجيش حتى الآن ما لم يحصل تعديل فيهو.
صالح:- الأسئلة دي كلها ح نحلها إن شاءالله لما نغنِّي مع بعض و نتونس ونسة مختصرة عن معاني و أنواع الديمقراطية كمطلب شعبي و مطلب الشباب ديل بصفة خاصة. دايرين نتعرف على القوانين العسكرية و تقاطعاتها مع الأنظمة الديمقراطية. يلا كلنا نردد أربعة بيوت بس من غنية واحدة نوحد بيها وجداننا:-
عازة في هواك عازة نحن الجبال
للبخوض صفاك عازة نحن النبال
عازة ما سليت وطن الجمال
و لا ابتغيت بديل غير الكمال
خديني باليمين و أنا راقد شمال.

صفق صالح بعد نهاية الأغنية و صفق الجميع بما في ذلك جمهور الكوتشينة الذين كانوا يراقبون المشهد من بعيد.

١١)
صالح:- ديمقراطياً و بالإجماع، قول واحد إتنين تلاتة أربعة......ستة و تلاتين نفر قاعدين في شريط دائري عايزين أي واحد فينا يقول فهمو عن الديمقراطية في كلمتين بس و الأوتوقراطية أو الدكتاتورية برضو في كلمتين عشان نتفق حول المسميات، الفرصة نص دقيقة و لو ما عارف قول باص.... هل متفقين على الإقتراح ده عشان أكون ديمقراطي؟ و هل عايزين الشريط الدائري يمشي مع عقارب الساعة من الشمال لليمين و لا عكس عقارب الساعة من اليمين للشمال؟
صمت ............
صالح:- طيب أبدأ ليكم أنا طالما ردكم تأخر، و اقترح نواصل الفرص عكس حركة عقارب الساعة يمكن نقدر نقاوم تيار الزمن الصعب دا أو نغير إتجاهو. أنا فهمي للديمقراطية في كلمتين هي حكم الشعب بالشعب، و الأوتوقراطية أو الدكتاتورية عكس الديمقراطية و تعني حكم الفرد.
النقيب:- و اللهي يا عم صالح لو كلمتنا إنت عن فهمك للديمقراطية كلو يكون أحسن، إنت كبيرنا و مهتم بالديمقراطية لي درجة إنو الناس لقبوك بالديمقراطي.
صالح:- بالأوامر مفروض طوالي أنفذ، لكن بالديمقراطية لازم نشوف آراء الآخرين و نصوِّت علي رايك و آراء الآخرين.
النقيب:- ههههههه و الله يا عمي صالح آمنت بي ديمقراطيتك. طيب يا شباب في زول عندو راي تاني و لا نصوِّت علي رأيي.
رفع أحد الجنود يده لإتاحة الفرصة من النقيب، حوَّله النقيب لشيخ صالح فأذِن له بالتحدث.
الجندي:- أنا ما بعرف كلام السياسة دا لكن ممكن أغني ليكم غنية من الغرب أخياني دوشل حافظنها و إتو كمان تشيلو معانا.
صالح:- يا سلَّام على الباص الجميل و اللعبة الحلوة. إتفضل طوالي، دا التناغم النِحن عايزِنو و منتظرنُّو، بي تمن طبنجه أحسن الكمنجه، يلّا نسمع و نتعارف بالغنا.

قام الجنود و ضربوا الأرض بأرجلهم إيقاع الدَرَمَلِّي و رقصوا في دائرة شاركهم فيها صالح الديمقراطي الذي صار يجذب الشباب الواحد تلو الآخر للرقص الجماعي:-

الجنزيرة التقيلة البِقَلَّها ياتو
البيوقد نارا بِدّفّابا
يا ولضَم درجات
المأصل ماك نفو
يوم الحارة الزول بِلقى أخو

ردد معه الجميع فاقترب الحضور أكثر للحلقة بسبب الأغنية الجماعية.

صالح:- شكراً ليكم يا جنود الوطن، تفتكروا طريقة تعارفنا بي ونستنا و غنانا دا مش أفضل طريقة للحوار. ما في مشكلة ح تتحل ما لم تجتمع أطراف الحوار و ياخدوا و يدوا مع بعض. طيب، قبل ما الشباب يغنوا لينا غنية جماعية، عندي سؤالين للشباب، الأول لشنو نحن عايزين الديمقراطية؟ و السؤال التاني كيف عايزين نطبقها في مجتمعنا، بالتالي ما هي أنواع الديمقراطية و ما هي أنسب أساليب تطبيقها في السودان؟ و هل نحن عايزين ديمقراطية إجرائية ننظم بيها طريقة الحكم أم غائية لتجويد الحكم و حل مشاكلنا من خلال الآراء الجماعية؟. هل تناسبنا الديمقراطية المباشرة التي يصنع المجتمع قراراتها من مستوى الأحياء و القرى و المدن زي ما يعرف بالديمقراطية الأثينية الكلاسيكية؟ أم الديمقراطية الغير مباشرة مثل الديمقراطية الليبرالية أو النيوليبرالية المطبقة في الغرب من خلال الأحزاب السياسية؟ أنواع الديمقراطية و أساليبها كتيرة جداً منها التشاركية و التوافقية و الراديكالية و المشاعية و الموجهة. لكن الأهم من دا كولُّو، لازم نحن ذاتنا نكون ديمقراطيين، عندنا ثقافة ديمقراطية عالية و نتبنى قيَم الديمقراطية عشان نكون مجتمع ديمقراطي متحلي بالتسامح و الحرية و العدالة و السلمية و نحترم حريات غيرنا و تنوعهم، بي كدا ح نكون مجتمع مهيأ للحكم الديمقراطي.
أنا تقريبا خلصت و نستي معاكم لكن عايز الشباب يغني غنوة نتصالح بيها كلنا لأننا لو ما اتصالحنا ح نتشاكل كل يوم و ما ح نصل لأي ديمقراطية.
رفع أحد الشاب يده طالبا إذن المشاركة.
صالح:- تفضل يا إبني، الميكروفون معاك و الكلام ليكم.
الشاب:- زي ما العساكر ديل اختاروا غنية و غنينا معاهم عايزينهم يغنوا معانا.
النقيب:- حاضرين، كلنا ح نغني وراكم و زي ما قال عمكم صالح الديمقراطي، الزمن زمنكم.
غنى الشباب كلمات الشاعر طارق الأمين و ردد الجنود خلفهم:-
يا الشايل الكلاش
هاك جرب الزهرية
تاتشرك اب رصاص
ما بحل لينا قضية

الشوف الطشاش
و الحكم بالزندية
ما درب الخلاص
لي شعب قال حرية

شجرة انتقام
في أرضنا المروية
سببت انقسام
هدد بياض النية

يوم نبني السلام
و بلدنا تقدل حية
يهجرنا الخصام
و الحرب و القبلية.

قام أحد الجنود و وضع نقطة خمسئة جنيه أمام المغني فتبعه بقية الجنود. تلاحم الجنود مع الشباب و رددوا معهم الكورس و شكلوا لوحة جميلة. بكى صالح الديمقراطي فاحتضنه النقيب و تحول نادي الأحرار كله في النهاية إلى حالة هستيرية من الحضن و البكاء و التعافي.
إستأذن النقيب و جنوده، فودعهم شيخ صالح الديمقراطي و من خلفه الشباب. عند الباب وقفوا جميعاً ليقول لهم كلمته الأخيرة:- الحصل دا كلو بي حديثو و غناهو مرحلة من مراحل تطبيق الديمقراطية، دي بداية قبول الآخر بالتناغم و لو كان الآخر عدوك. لكن لازم كلنا نحاول نتثقف و نعرف معاني الديمقراطية عشان نصل لي شكل ممارسة ديمقراطية نسميها الديمقراطية السودانية. موعدنا الخميس القادم في نفس الوقت دا و الشاي علينا.
النقيب:- ههههههه إن شاءالله يا عمي صالح و خليك ديمقراطي، الأسبوع الجاي الشاي علينا.

١٢)
بعد خروجهم من نادي الأحرار و في طريقهم إلى منازلهم جرت حوارات كثيرة بين مجموعات الشباب، كان أكثرها عمقاً حوار المبدعين كامل و عادل و جلال و جمال.
جمال: سؤال يا شباب خليكم من الديمقراطية الصعبت علينا دي، السياسة ذاتا بتعني ليكم شنو؟ و متين السودان عرف السياسة بمعناها الحديث و ما هي إنجازات السياسي في السودان؟ وهل نحن محتاجين لي حزب سياسي يقودنا؟
جلال: السياسة أساسها ساس يسوس، مثال لذلك، السايس يسوس خيله، حسب فهمي إنها اساليب وفنون قيادة المجتمع، الآن هي علم يدرس و يبحث في علاقات السلطة بالمجتمع، لكن بالنسبة لي، أميز كلمة مفتاحية فيها هي الدبلوماسية، بعتبرها نوع مغلف من أنواع اللف و الدوران حول الحقيقة البينة. إحتمال السياسي السوداني الجاد يكون حتى الآن ما لقى ليهو فرصة يختبر فيها حنكته مع الأنظمة الشمولية و سيطرة العسكر أكثر من خمسين سنة سارقين السلطة و منقلبين على شعبهم.
كامل: انا الكلام الكبار ده ما بعرفو لكن جدي قبال يموت قال لي يا ولدي السياسة لعبة قذرة أوعك تقرب منها لأنو السياسي لازم يكون عندو درجة من الخبث عشان يقدر يتخيل بيها خبث الآخرين، و الخباثة ما حبابا يا ولدي.
جمال: صدق جدك، لأنو السياسي السوداني فعلاً يكذب و يكيد و ينافق و يمكر و يحول ذكاءه لدهاء و مكر و عايز شخصيته دايما طاغية على الآخرين. بعدين الجاب العسكر منو يا جلال مش تآمر السياسيين على الشعب!  مرة الإخوان اليساريين متآمرين علينا و مرات الأخوان اليمينيين مؤتمرين ضد الوطن.
عادل: الغريبة كلهم دخلوا لينا بالشمال! جيش الإستعمار تقدم بالشمال من الشمال و جيوش السياسة برضو دخلت علينا من الشمال. ملعون أبو النخب السياسية الانتهازية. دايماً متسلطين متسلقين مستغلين و مستلقين على أكتاف المسحوقين المستعبدين. المجدُ لبسطاء السودانيين الذين لم تكبر أحلامهم على أن يكونوا أحرار و مستقلين.
جلال: يا جماعة، من الليلة، العايز يكون رئيسنا لازم ينحني لينا و يخدمنا مش يكسر الما بينحني ليهو و الما عاجبو يشرب موية النيل و يمز بي سمكو.
عادل: هاها ها السمك سكر بي ويسكي قوانين سبتمبر الدفقوهو في النيل و التماسيح اكلوهو و طلعوا برا اكلونا. إنتو عارفين إنو سياسيين عصر النهضة في اوروبا قلعوا السلطة من الكنيسة لما غشّت بي اسم الدين و حققوا عدالة خلتهم حتى الآن نموذج لبقية الشعوب المتصالحة.
كامل: نحن يا دوب وصلنا عصور أوروبا المظلمة و طبقية النبلاء و سيادة البلهاء، يعني مشوارنا ح يكون طويل جداً لو مشينا ورا نموذج أوروبا.
جمال: أنا غايتو مع الفن و الإبداع لقيادة السودان  على الأقل واقعنا الواقع في التراب ده يتجمل شوية.
جلال: معاك يا زول، نيران العالم دي كلها ما في زول ولعها غير السياسيين يا جمال. كلو يوم طالعين فوق قفا العسكر و يطقعونا بالرصاص لحدي ما العساكر ذاتهم دخلتهم السوسة و الوسوسة و بقوا يكتلوا في شعبهم بدل العدو.
عادل: "طيرة تاكل في جناها و حيطة تتمطى و تفلع في قفا الزول البناها" على حد قول ولي الله و حبيب الوطن محمد الحسن سالم حميد، نرجع لي كيف نوظف العمل الثقافي كبديل للسياسة.
جمال: يا أستاذ عادل السياسي في السودان حتى الآن ما خرج من دور المستأسد المستبد لشعبو و مستند عليهو في نفس الوقت، دستورية وما ادراك ما حصانة دبلويوسية خلتهم يتعالوا على المجتمع و القانون، انتهازية حرامية اولاد ستين كلب.
جلال: يا جمال، أنا سياسي و شخصياً ضد العسكري البيكتل شعبو و قاعد مغزوز في وسط المجتمع المدني محتل أجمل المواقع المدنية بدل ما يكون حامي حدودنا، نحن بقينا دروع بشرية للعسكر. بس سؤالي لسه قائم، أنت عايز تحكم السودان كيف بدون سياسة و عساكر؟
كامل: ههههه غايتو لو أقنعت جلال يا جمال كأنك أقنعتني، ح أساندك بدايةً من نضافة شوارع الحلة و اغني ليك في مسرح الحلة و حدِّي معاك بوش العشا.
جمال: براااك قلتها يا كامل، بالثقافة و الفنون و كيميا الحب نحن قادرين نتلملم و نستثمر  تنوعنا إجتماعياً و اقتصاديا، قادرين ندير اختلافنا و نقدم مجتمعنا لي بعض و للعالم في أجمل شكل سياحي، نحن قادرين نحول الخطب الجوفاء و الوعود الكاذبة و الشتم و النميمة إلى أغنيات أطفال و رسوم و قصص، ح نمسرِح لي أطفالنا المناهج التربوية و نغني ليهم الملخصات التعليمية و نحجيهم بالتاريخ السوداني قصص و روايات.
عادل: كلامك منطقي يا جمال، والله كل الأزمات دي نحن ممكن نحلها بالكلام الطيب و ننشر ثقافة السلام بالشعر والموسيقى و القصة و التشكيل و المسرح.
جمال: تخيلوا معاي ديمقراطية الإجماع التوافقية، كل بيت حكومة تجتمع كل جمعة في صينية الغداء. حكومة البيت تمثل في برلمان الشارع بعد صلاة المغرب، برلمانات الشوارع تكون برلمان القرية يتلاقوا يوم السبت الصباح، و في المساء يجتمعوا في برلمان المدينة.
كامل: فكرة مناسبة جدا، كدا نكون حلينا مشكلة السلطة التشريعية.
عادل: و السلطة التنفيذية تتحل بي بيوت خبرة طوعية و كفاءات ما تحوجنا لي وزير و لا مدير.
جلال: المشكلة الأكبر هم جنرالات الحرب، هل نحن محتاجين لي عتاد عسكري بالشكل التقليدي دا؟ هل حرب الجيل الرابع البقت بيولوجية فيروسية و بكتيرية و إقتصادية و إعلامية محتاجة لي بندقية؟ و ليه نحن بنصرف على الموت أكتر من الحياة؟

جمال: اسمعوا يا جماعة، مهام القائد الحقيقي، لو عسكري و لا مدني كلها تكليفية و التشريف بالإنجاز، تشريع و تنفيذ. المهام دي ممكن يعملها المهني و المثقف و المفكر بجدارة و من غير ما يحتاج لذرة من لعبة السياسة القذرة و لا لوجود العسكر في شارع النيل.
عادل: بتفق معاك تماما، المفكر و المبدع رهانهم على الصدق و الأخلاق، قمة الإنحياز للواقع، عكس السياسة و العسكرية رهانهم على الكذب و الخداع، زي ما براهم قالوا السياسة لعبة قذرة و الحرب خدعة. المحصن بي انسانيتو ما محتاج لي حصانة تجعلو فوق القانون او إمتيازات تميزو مادياً عن غيرو.
جمال: طيب نحن ممكن نقدم مشروع دولة جمالية يقودها الفنانون و المثقفون، لكن أول محتاجين لي دستور مبني على حب الآخر، مش بس الإعتراف بالآخر، محتاجين لترويج ثقافة إنتاج و خدمات متوازنة من المدرسة و نحول مناهجها لي جرعات قصصية و درامية و أغنيات هادفة، نحن قادرين نوصل رسايلنا الإيجابية للشارع و السوق و الجامع و الكنيسة و النادي و الإنداية، إبتداءاً و انتهاءاً بالبيت نواة المؤسسة الإجتماعية السودانية. نحن قادرين نوجه الناس لي ثقافة قائمة على المسؤولية الفردية و الجماعية و اكتر من كدا، قادرين نساهم في خلق زعامات تحترم الإنسان السوداني البسيط و تكرمه و تضمد جراحه و تقشقش دموعه.
كامل: و الله كدا ما خليت للأحزاب السياسية أي أمل إنو يجوا يقولوا خطبهم و وعودهم الكاذبة. بس لازم البلد كلها تتحول لي منظمات مجتمع مدني تدير نفسها من غير معالي وزير و لا تعالي أمير و فريق و مشير، تأكدنا إنو الأول ############ان و التاني قرصان.
جلال: طيب عساكرنا ديل حلهم شنو؟ دايماً عينهم في الفيل و يطعنوا في ضلو، يقتلونا بقواتنا المسلحة و ما زال ليل الظلم طفلاً يحبو و الشعب في خدمة الشرطة، أقصد المدنيين في خدمة العسكر.
كامل: ما في حل غير حل الجيش و تحويل كل المؤسسات السياسية و العسكرية لي قطاعات إنتاج و خدمة.

كان أيوب صديق صالح الديمقراطي يستمع لكل هذا الحوار فوَقَّت مداخلته لحسم الحوار بكلام روحاني: يا أولادي نحن أولاد صوفية، بعدين حروب آخر الزمان زي ما واحد منكم قال، أسلحلتها إعلامية و إقتصادية و بيولوجية و نفسية و روحية. قالوا التراكم الكمي بيحدث تغير كيفي. يلّا زي ما اتفقتوا على شعار واحد "تسقط بس" رددتوهو لمن بقى حقيقة، رددوا صباح و مساء (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)، فسيكفيكم الله و هو السميع العليم. كلو يوم صباح و مساء. لازم تدعموا طاقاتكم النفسية بي طاقة روحية عشان ربنا يكفيكم شر السوسة و ساسة الغفله. رددوا "كلما اوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله" عشان ربنا يطفئ عنكم نار العسكر الولَّعوها دي. بعدين أيَّ عسكري مسلَّح كتل مدني أعزل يعتبر جبان و مجرم حرب، كاتلوا أعداءكم ب"فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم" أقنصوهم ب "و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى".
نظر جلال لأيوب خلسةً و همس: "تاني الدين و الإسلام يا عمك! تلاتين سنة كضب و دجل ما كفاية؟"
كان أيوب أكثر شفافيةً من خواطر جلال و همساته فردَّ جهرةً بطريقة فاجأت جلال: قريت الجواك يا ولدي، الفات دا كلو كان كذب و دجل ما فيهو ذرة دين. الدين صدق و روح و محبة و سلام و عدالة و كرامة للإنسانية، غير كدا أي دين مرفوض.