Post: #1
Title: بين شرارة البداية وخيانة الطريق: تأمّلات في انحراف الثورة رقم ٣ ٢٠٢٦/٠٤/١٨ كتبه د. الهادي عبدالله أ
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 04-18-2026, 12:01 PM
12:01 PM April, 18 2026 سودانيز اون لاين د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK مكتبتى رابط مختصر
بين شرارة البداية وخيانة الطريق: تأمّلات في انحراف الثورة رقم ٣ ٢٠٢٦/٠٤/١٨ د. الهادي عبدالله أبوضفائر
ليست المأساة في أن تندلع الثورة، بل في أن تضلّ طريقها. فهي، في جوهرها، لحظة انكشاف أخلاقي قبل أن تكون حدثاً سياسياً، لحظة تقول فيها الشعب (لا) بصوتٍ واحد، لكنها كثيراً ما تعجز عن قول (نعم) بنفس الوضوح. ومن هنا تبدأ المسافة الحرجة بين شرارة البداية وخيانة الطريق. حيث يسقط القديم، لكن الجديد لا يولد.
الدولة لا تولد من الثورة إلا إذا تجاوزتها. فالثورة كسرٌ، أما الدولة فبناء. وإسقاط الظلم يحرّر المجال، لكنه لا يصنع العدل، لأن الهدم بلا فكرة يظل ناقصاً. وفي هذا الفارق تعثّرت التجربة السودانية: شجاعة في الإسقاط، وعجز عن التأسيس.
اُهدرت لحظة ما بعد الثورة حين انزلق الغضب المشروع إلى سياسة، وتحولت الذاكرة الجريحة إلى أداة إقصاء بدل أن تكون أساساً لإعادة التأسيس. فالمأزق ليس في الثورة، بل في اختزالها إلى تصفية حساب مع الماضي بدل تحويلها إلى مشروع للمستقبل. وحين تنشغل الثورة بمن تُقصي أكثر من انشغالها بكيف تُدار الدولة، تبقى أسيرة الانفعال، وتفشل في العبور من لحظة الهدم إلى أفق البناء.
تكشف التجربة أن المأزق لم يكن صراعاً على سلطةٍ، بل نزاعاً أعمق على معنى الوطن نفسه، من يُعترف به في قلبه، ومن يُزاح إلى هامشه، ومن يُعاد تعريفه خارج السردية الجامعة. وحين يبقى تعريف الوطن محتجزاً في يد قلة، تتحوّل الدولة إلى أداة فرز لا إطار احتواء، ويتحوّل الحكم من إدارةٍ للتنوّع إلى إعادة إنتاجٍ للإقصاء.
من هنا، يصبح أي مشروع لا يواجه سؤال من نحن؟ محكوماً بإعادة إنتاج الأزمة في صورٍ جديدة. فالدولة ليست أداة غلبةٍ تُدار بها الكفة، بل إطارٌ معقّد لإدارة التعدد وصهر الاختلاف في عقدٍ جامع. وإذا لم تتحول من وسيلةٍ للسيطرة إلى مشروعٍ للانتماء المشترك، ستظلّ هشّة مهما تبدلت الأسماء وتعاقبت الوجوه، لأن جوهرها لم يُبنَ بعد.
ومن هنا تبدأ أولى الانزلاق حين تختلط العدالة بالانتقام، فيذوب الحق في حرارة الغضب، وتتلاشى الحدود بين الإنصاف والتشفّي. فالخطر ليس في تبدّل المواقع داخل بنيةٍ مكسورة، بل في إعادة إنتاج البنية ذاتها بوجوهٍ جديدة. المطلوب ليس تدوير الظلم بين الأطراف، بل تفكيك منطق إنتاجه، وإعادة تأسيس قواعد العيش المشترك على أسسٍ من العدل المتساوي.
ليست معضلة الأوطان في إسقاط الظلم، بل في البناء، فالهدم تحرّكه العاطفة، أما العدل فيحتاج عقلاً يهدأ وسط العاصفة ويُحسن توجيهها. إن إقامة العدل أشدّ صعوبةً من هدم الظلم، لأنه لا يولد من الانفعال، بل من وعيٍ قادرٍ على تجاوز الجراح دون إنكارها. فالمجتمعات لا تُبنى على ذاكرةٍ مثقوبة، ولا تُشفى بإنكارٍ أو تشفٍّ، بل تقوم في المسافة الحكيمة بين الاعتراف الذي يصون الذاكرة، والعقل الذي يكبح نزعة الانتقام.
حين يختلط وهج الثورة بقلق الهوية، ينزلق الخطاب العام إلى تعميمٍ مُخلّ، يُحوّل الانتماء السابق إلى تهمة، ويجعل الإقصاء شرطاً متوهَّماً لاكتمال التغيير. غير أن هذا المسار، في جوهره، لا يُنتج عدالة، بل يستنسخ ذات المنطق الذي ثارت عليه الجماهير. فكيف تُطلب دولة قانون، بينما يُمارَس حكمٌ جماعي بلا محاكمة؟ وكيف يُبنى وطنٌ جامع، ونحن نُضيّق دوائره باسم النقاء الثوري؟ إن العدالة لا تُقاس بسعة الإقصاء، بل بقدرتها على التمييز، حيث يُحاسَب الفعل، لا تُدان الهوية، ويُصان الحق دون أن يُختزل الوطن في جماعة دون أخرى؟
ليست الواقعية السياسية تبريراً للماضي، بل قدرة على رؤية الحاضر، لا كما نرغب أن يكون. فمَن كانوا جزءاً من النظام السابق ليسوا كتلةً واحدة، بل طيفٌ متداخل من مصالح وانتماءات وتجارب. وفي لحظات الانتقال الهشّة، فإن تحويل هذا الطيف إلى عدوٍّ شامل لا يخلق استقراراً، بل يضاعف الخوف ويدفع نحو مقاومة التحول. فالدولة لا تُبنى بإقصاء جزءٍ من مجتمعها، ولا تُدار بإثارة الهواجس داخل مفاصلها الاقتصادية والإدارية، بل تُبنى بإدارة التعدد، وتفكيك الولاءات الضيقة، وصياغة أفقٍ جامع يحوّل القلق إلى شراكة، لا إلى مواجهة.
وهنا، لا يصبح التسامح ضعفاً، بل استراتيجية. ولا تكون المصالحة تنازلاً، بل شرطاً للاستقرار. إن احتواء من كانوا جزءاً من الماضي، ضمن إطار قانوني عادل، هو الطريق الأقصر لتفكيك شبكات النفوذ دون تفجير الدولة من الداخل. فليس ممكناً ولا عقلانياً أن نتخيّل بلداً يُقصي ملايين من أبنائه دفعة واحدة، أو يُحاكم التاريخ بمنطق اللحظة.
ولعل من أنضج التجارب الإنسانية في هذا السياق كانت في جنوب أفريقيا، ما عُرف بلجان الحقيقة والمصالحة، حيث جلس المعتدي والمعتدى عليه وجهاً لوجه، لا ليُعيدوا إنتاج الألم، بل ليضعوه في سياقه، ويحوّلوه من عبءٍ إلى درس. إنها سياسة مُرّة، نعم، لكنها أقل مرارة من حربٍ أهلية مؤجلة، أو دولةٍ تنهار تحت ثقل انتقامها.
غير أن المصالحة، لكي تكون ذات معنى، لا بد أن تُبنى على الحقيقة، لا على النسيان. فالصفح بلا كشفٍ للوقائع يُفرغ العدالة من مضمونها، كما أن العقاب بلا رؤية يُحوّلها إلى انتقام. ومن هنا، فإن العدالة الانتقالية في السودان ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة وجودية. توازن دقيق بين المحاسبة والاحتواء، بين ردّ الحقوق ومنع الانهيار.
وفي موازاة ذلك، يظل التحدي الأكبر هو الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة. من منطق الغنيمة إلى منطق الخدمة، ومن الولاء إلى الكفاءة، ومن الشعارات إلى السياسات. فالدولة لا تُدار بالحماسة، بل بالمؤسسات، ولا تُبنى بالنوايا، بل بالتصورات الواضحة التي تُترجم إلى خطط قابلة للتنفيذ.
إن إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وبناء اقتصاد منتج بدل اقتصاد الريع، وإصلاح التعليم ليُنتج وعياً نقدياً، ليست قضايا منفصلة، بل أجزاء من معادلة واحدة. كيف نصنع دولة قادرة على البقاء؟ فالجوع لا يؤمن بالديمقراطية، والخوف لا يحرس الحرية، والجهل لا يبني مؤسسات. يظل السؤال الأهم. كيف نبني وطناً؟ غير أن الإجابة عن هذا السؤال ليست تفصيلاً عابراً، بل هي التي تقرر مصير الوطن ذاته، إما أن يثبت وجوده ويتماسك، أو يتبدد في دوامات التحول والضياع.
وهكذا تقف التجربة على مفترق طرق بالغ الدقة. إما أن تظل أسيرة لحظة الثورة، تعيد إنتاج ذاتها في دوائر متكررة من الانفجار والانكسار، أو أن ترتقي بشجاعة الوعي وصرامة الفكرة إلى لحظة الدولة، حيث يصبح العدل مشروعاً للحياة لا شعاراً للخطاب، وتصبح المصالحة فعلاً تأسيسياً للبناء لا وسيلة لطيّ الذاكرة أو الهروب من الحقيقة.
الثورة لا تسقط حين تُقهر، بل حين تُتقن الهدم وتفشل في صناعة ما بعده. واليوم، لا يحتاج الواقع إلى شرارةٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى فكرةٍ أعمق، فكرة تُنقذ الثورة من ضيق لحظتها، وتُحرّرها من أسر انفعالها، وتردّ الوطن إلى فضاءٍ يتّسع للجميع، لا إلى ساحةٍ يُقصى فيها الجميع باسم الخلاص. abudafair@hotmail.com Sent from my iPhone
|
|