حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة الهولوكوست المنسي كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة الهولوكوست المنسي كتبه دكتور الوليد آدم مادبو


04-18-2026, 05:13 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776485618&rn=0


Post: #1
Title: حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة الهولوكوست المنسي كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 04-18-2026, 05:13 AM

05:13 AM April, 18 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة “الهولوكوست المنسي”

دكتور الوليد آدم مادبو

ليس أخطر على التاريخ من الجهل، إلا الجهل حين يتزيّا بلباس التوثيق. فثمة فرقٌ بيّن بين من يقرأ الماضي ليَفهمه، ومن ينبش فيه ليُسخّره وقودًا لمعركةٍ في الحاضر. والنص الذي بين أيدينا ليس قراءةً للتاريخ، بل هو محاولةٌ لإعادة اختراعه على مقاس نزعةٍ إقصائية، تتوسّل الأرقام حينًا، وتستدعي الشهادات حينًا آخر، لكنها في كل ذلك تفتقر إلى أبسط شروط النزاهة المعرفية.

يَعرِض المقال المعنون “الهولوكوست المنسي: الإبادة الممنهجة لقبائل شمال ووسط السودان” – عبارة عن نصٍّ تجميعيٍّ متداولٍ – أطروحةً ترى في فترة الدولة المهدية (1881–1898) كارثة ديموغرافية كبرى، مستندًا إلى مصادر بريطانية وشهادات لاحقة، ليخلص إلى أن عدد سكان السودان قد انخفض بصورة حادّة نتيجة الحروب والمجاعات والأوبئة، مع تركيز خاص على ما يعتبره استهدافًا واسعًا للقبائل النيلية في الشمال والوسط عبر القتل والتهجير وتفكيك البنى الاجتماعية.

ويمضي المقال إلى توصيف تلك الأحداث باعتبارها “تطهيرًا عرقيًا ممنهجًا”، مستشهدًا بسياسات الخليفة عبد الله في إعادة توزيع السكان واستبدال مجموعات وادي النيل بعناصر موالية له، كما يسعى إلى ربط تلك الوقائع بالحاضر، محذرًا من تكرار سيناريوهات العنف، وداعيًا إلى استحضار الماضي بوصفه إنذارًا لما قد يأتي في القريب العاجل.

أول ما يلفت النظر في هذا الطرح هو هذا الإصرار الغريب على اختزال حقبةٍ تاريخية معقّدة، كحقبة المهدية، في ثنائيةٍ ساذجة: جلاد وضحية، غربٌ متآمر ونيلٌ مستهدف. وهي ثنائية لا تصمد أمام أي فحصٍ علمي جاد، لأن المهدية – بوصفها ظاهرة تاريخية – لم تكن مشروعًا إثنيًا، بل كانت حركةً دينية سياسية عابرة للقبائل، انخرطت فيها مجموعات من مختلف أقاليم السودان، شماله وغربه ووسطه.

إن تحميل الخليفة عبد الله التعايشي وحده وزر تلك المرحلة، مع تجاهل البنية الفكرية التي أسّس لها الإمام المهدي، ليس سوى تبسيطٍ مخلّ. بل أكاد أزعم أن الدولة المهدية ورثت المناخ النفسي لجيوش الانكشارية واعتمدت مشروع العثمانيين الفقهي، وإن انتصرت عليه عسكريًا. فالدولة المهدية قامت على رؤية ثيوقراطية صريحة، جعلت من الدين أداةً للحكم، ومن التأويل الغنوصي وسيلةً لإضفاء الشرعية على القرار السياسي. والخليفة، في نهاية المطاف، لم يكن إلا منفّذًا لتلك المنظومة لا انحرافًا عنها. خاصة إذا علمنا أن فكرة إعدام المعارضين قد استبدت بالمهدي قبل الخليفة، وأن الأخير قد بطش بالكل دون استثناء في سبيل توطيد أركان حكمه وترسيخ معالم الدولة الوطنية الوليدة.

كثيرًا ما تنقلب الثورات التي تتقد بوهجٍ روحي إلى منزلقٍ دموي، إذ تتحول من وعدٍ بالخلاص إلى أداةٍ لفرض الهيمنة وتصفية الحسابات، خاصة حين تُكسى السلطة برداء العقيدة، كما في الفتوى التي جعلت الكفر بالمهدية خروجًا من الملة المحمدية، فاستُبيح بذلك المختلفون. عندها غدا العنف مبررًا لا استثناءً، كما تجلّى في حملة عبدالله ود سعد على مدينة بربر وما صاحبها من انتهاكات شملت السرقات والاغتصابات وتدمير الممتلكات، وفي إعلان عثمان جانو عند استباحته لدارفور (أمير تعايشي): “دخلت الدار جبر، بخرب الدار وبعمر القبر”، في تعبيرٍ صريحٍ عن منطق الإخضاع لا الدعوة، لتغدو الثورة بذلك دورةً جديدة من القهر لا تقل قسوةً عمّا ثارت عليه.

وإذا جاز لنا توصيف طبيعة تلك الدولة، فإنها – على الرغم من مركزيتها الصارمة – لم تقم ابتداءً على أساسٍ عرقي خالص، لكنها أسهمت، بحكم ممارساتها وسياقاتها، في ترسيخ أنماطٍ من التراتبية الاجتماعية التي ستجد لاحقًا من يعيد إنتاجها وتوظيفها. ذلك أن البنية الهرمية ذات الطابع العرقي، التي مهّد لها العهد الاستعماري، تحوّلت في ما بعد إلى أداةٍ بيد النخب النيلية، تُستدعى لتبرير الهيمنة، وتُستثمر لإدامة أنماطٍ من الإقصاء والعسف تجاه الهامش.

وليس هذا الامتداد التاريخي مجرّد فرضيةٍ نظرية، بل هو ما يتبدّى بوضوح عند النظر في تحوّلات الدولة السودانية الحديثة، حيث تتغيّر أشكال الصراع بتغيّر موضوعه، دون أن تنفصم صلته ببنيته الأصلية.

فعندما كان الصراع يدور حول السلطة في فترة حكم “الإنقاذ” مثلًا، كان من الطبيعي أن يدفع ثمنه أولئك الأقرب إلى مواقعها، أي الفئات المهيمنة على الجيش والخدمة المدنية، وهم تحديدًا أبناء الشمال النيلي. أما حين استحال الصراع في الفترات الأخيرة إلى سؤالٍ أعمق يتعلق ببنية الدولة نفسها، فقد بدا جليًا أن الفئة التي ورثت الحكم عن المستعمر – بما تمثّله من مركزٍ تاريخي – ستسعى إلى الحفاظ على امتيازاتها بكل السبل، ولو قادها ذلك إلى سياساتٍ مدمّرة بلغت في بعض الأحيان حدّ الإبادة الجماعية، بل وقد تنزلق الأوضاع إلى حروبٍ أهلية مفتوحة، كما نرى ملامحها اليوم.

أما الحديث عن “إبادةٍ ممنهجة” استهدفت قبائل بعينها في زمن الخليفة عبدالله التعايشي، فهو ادعاء يتهاوى أمام حقيقةٍ تاريخية ثابتة: أن الفوضى، والمجاعات، والأوبئة، والحروب الداخلية، قد ضربت السودان كله في تلك الفترة، دون تمييزٍ حاسم بين قبيلة وأخرى. لقد كان الانهيار شاملًا، والدولة نفسها كانت تعيش على حافة التفكك. ومن ثمّ، فإن قراءة تلك الكارثة بلغة “التطهير العرقي” الحديثة، هي إسقاطٌ مفاهيمي متعسّف، يخلط بين سياقات تاريخية مختلفة تمامًا.

بل إن في هذه السردية مفارقةً لافتة، تتجلّى في تجاهلها لوقائع لا تقل دلالةً عمّا تستدعيه. فالمهدية – في أحد أوجهها – لم تنتقم من القبائل النيلية بقدر ما جاءت، جزئيًا، كردّ فعلٍ على إرثٍ ثقيل من القمع الذي مارسه الحكم التركي المصري. وتشير مصادر تاريخية معتبرة، مثل أعمال Richard Hill وP. M. Holt، إلى ما عُرف بحملة الدفتردار الانتقامية عقب مقتل إسماعيل باشا في شندي (1822)، حيث تعرّض الجعليون لعمليات قتلٍ واسترقاقٍ واسعة النطاق. كما يورد H. A. MacMichael في كتابه A History of the Arabs in the Sudan رواياتٍ عن اقتياد أعدادٍ كبيرة من الأسرى ووسمهم وبيعهم في أسواق الرقيق بمصر، في سياقٍ يكشف عن عنفٍ بنيوي سبق المهدية بوقتٍ طويل.

ولعلّ ما يكشف انتقائية سردية “الهولوكوست المنسي” أكثر من غيره، هو ما تسكته بقدر ما تعلنه؛ إذ تُغفل أنّ علاقات القوة في السودان قبل التركية لم تكن بريئة من التوترات والصراعات البينية. ففي ظل سلطنة سنار، تشير بعض الدراسات إلى أنّ قبائل الشايقية مارست، في فتراتٍ معيّنة، أنماطًا من الغزو وفرض الإتاوات على قبيلة الدناقلة، بل وتقاسموا معهم عائد المحصول بالنصف عنوة، وأحكموا وثاقهم بالوَرَتاب (حُصيلة البصل) وساموهم سوء العذاب، في سياقٍ كان فيه ميزان القوة هو المحدّد الأساسي للعلاقات بين المجموعات النيلية.

لقد أغفل المقال المتداول على نطاق واسع — هذه الأيام خاصة — حقيقةً مهمّة، وهي أنّ قدوم محمد علي باشا إلى السودان ارتبط، في أحد وجوهه، بنداءٍ من ملك الميرفاب الملك نصرالدين، الذي توجّه ضمن وفدٍ من زعماء العشائر إلى مصر مستنجدًا بالأتراك ومستغيثًا بمحمد علي باشا من بطش الشايقية. لم يملك الأخير مقاومة الإغراء الذي وجه إليه بوفرة العبيد والذهب، فقرر غزو السودان. بيد أن الشايقية قد قاوموا ذاك الغزو الجائر لبلادهم ببسالة في معركة كورتي، لكنهم، حين أدركوا اختلال ميزان القوة، آثروا التعاون مع الغزاة اتقاءً للسخرية والشماتة، سيما من القبائل التي كانوا يضطهدونها. كما يتغافل المقال عن تجاوزات حملة الدفتردار التي أعقبت مقتل إسماعيل باشا، إذ لم تقتصر الاغتصابات على النساء، بل طالت الرجال والأطفال على امتداد الشريط النيلي.

إن استحضار مثل هذه الوقائع لا يرمي إلى المقارنة بين فظائع أو تبرير أخرى، بل إلى تقويض هذا الانتقاء المريب للتاريخ، الذي يُصوّر الضحية في لحظةٍ بعينها وكأنها لم تعرف القهر في غيرها. فالتاريخ، في حقيقته، ليس خطًا مستقيمًا للبراءة أو الإدانة، بل شبكةٌ معقّدة من التفاعلات، تتبدّل فيها المواقع بتبدّل موازين القوة والسياقات.

ثم إن الأرقام التي يُلوّح بها المقال – عن ملايين أُبيدوا في زمن المهدية – تُستدعى بلا تمحيص، وكأنها حقائق رياضية لا تقبل النقاش، مع أن معظمها تقديرات واهية وردت في سياقات استعمارية مغرضة، كان من مصلحتها تضخيم فظائع العهد المهدوي لتبرير مشروع الإستغلال الإمبريالي. وهنا يغيب السؤال الجوهري: هل نقرأ هذه المصادر بوصفها وثائق محايدة، أم بوصفها نصوصًا سياسية كُتبت في ظلّ صراعٍ على السلطة؟

الأخطر من ذلك كله، ليس ما يقوله النص عن الماضي، بل الكيفية التي يمهّد بها للحاضر. فالخطاب لا ينزلق مباشرة إلى التحريض، بل يهيّئ له منصّةً زائفة عبر ادعاء الموضوعية والتجرّد، بما يفتح الباب للأغبياء السذّج كي يُكملوا ما بدأه، فينحدر الكلام سريعًا إلى لغة تعبئةٍ صريحة، تُعيد إنتاج “الآخر” بوصفه تهديدًا وجوديًا لا شريكًا وطنيًا.

الحقيقة التي يغفلها هذا الطرح، أو يتغافل عنها عمدًا، هي أن أزمة السودان منذ الاستقلال لم تكن نتاج “استهداف قبيلة” لأخرى، بل كانت ثمرة فشلٍ بنيوي في بناء دولة وطنية جامعة، احتكرت فيها النخب المركزية – على اختلاف انتماءاتها – السلطة والثروة، وأدارت البلاد بعقلية الغلبة لا الشراكة. ولم تكن أي جماعة بريئة تمامًا، ولا أي جماعة شيطانًا مطلقًا.

ختامًا، ليس التاريخ محكمةً نصدر فيها أحكامًا متأخرة، ولا مخزنًا ننتقي منه ما يُغذّي أحقادنا، بل هو – في جوهره – درسٌ قاسٍ في تعقيد الإنسان، وتنبيهٌ دائم لهشاشة المجتمعات حين تنزلق إلى منطق “نحن” و”هم”. ومن هنا، فإن غايتي ليست تجريم قبيلةٍ بعينها، ولا إعادة توزيع اللوم على أسسٍ إثنية، بل السعي إلى تفكيك الاختلالات البنيوية التي أفرزت هذا المسار المأزوم، والتي ما لم تُفهم على حقيقتها، ستظل تعيد إنتاج ذات المآسي.

فالتاريخ لا يُخدع طويلًا؛ قد يصمت، لكنه لا ينسى. ومن يظن أنه قادر على تطويعه لخدمة مخاوفه أو تسويغ هيمنته، سرعان ما يكتشف أنه لم يكن يكتب رواية الخلاص، بل يُملي – دون أن يدري – الفصل التالي من المأساة.