Post: #1
Title: كيف لحكومة تأسيس التعامل مع مخرجات مؤتمر برلين ؟ كتبه مها طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 04-18-2026, 05:10 AM
05:10 AM April, 18 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
يعتبر مؤتمر برلين الذي عُقد عن مسار الأزمة السودانية امتدادًا لنمط دولي مألوف حيث احتواء التداعيات بدل معالجة الجذور . البيان الختامي بدا صارمًا في لغته الإنسانية، لكنه في جوهره يعكس مقاربة براغماتية تقودها اعتبارات الأمن الأوروبي وإدارة المخاطر، أكثر من كونه مشروعًا حقيقيًا لإعادة بناء الدولة السودانية.
يسعى هذا المؤتمر إلى تحقيق أهداف واضحة هي تقليل تدفقات الهجرة، احتواء النفوذ الدولي المنافس في البحر الأحمر، وإعادة ضبط الفضاء الإنساني بما يضمن استمرارية عمل المنظمات الدولية ضمن بيئة يمكن التحكم بها . لكن ، ورغم ضخامة التمويل المعلن ، الذي يُدار عبر منظومات ، فإن جزءًا كبيرًا منه يُعاد تدويره داخل اقتصاد المساعدات نفسه ، ما يحوّل العمل الإنساني إلى منظومة تشغيل دولية بقدر ما هو استجابة إنسانية .
في هذا السياق ، يبرز أخطر بند في البيان: “الوصول الإنساني غير المشروط، بما في ذلك عبر العمليات العابرة للحدود”. هذه الصيغة تعني لا يفهم منها تسهيل الإغاثة، ولكن تفتح الباب أمام إعادة تشكيل السيادة على الأرض ، حيث يمكن للمساعدات أن تتحول إلى أداة نفوذ ، لا مجرد أداة إنقاذ . وهنا تحديدًا يظهر السؤال الذي تجاهله المؤتمر: من يملك فعليًا مفاتيح الأرض ؟ الإجابة ليست في القاعات الدبلوماسية، بل على الحدود . تمتلك حكومة التأسيس—بحكم سيطرتها الجغرافية—موقعًا استراتيجيًا حاسمًا ، خصوصًا في الحدود الغربية والجنوبية ، بما في ذلك مناطق التماس مع . هذا الموقع يمنحها ما يمكن وصفه بـ”السلطة الصامتة” على الممرات الإنسانية . لكن هذه السلطة ، إذا لم تُنظَّم ، ستتحول سريعًا إلى نقطة ضعف تُدار من الخارج ، فالمشكلة تكمن في من يُنظّمها ، إذا تُركت العمليات العابرة للحدود دون إطار محلي واضح ، فإن النتيجة ستكون تجاوزًا فعليًا لأي سيادة وطنية ناشئة ، مما يترتب على ذلك تضخم اقتصاد الحرب عبر تسرب الموارد واختراقًا سياسيًا وأمنيًا تحت غطاء إنساني . أما إذا تحركت حكومة التأسيس بوعي استراتيجي ، فبإمكانها تحويل هذه اللحظة من تهديد إلى فرصة. المدخل ليس الرفض ، وإنما إعادة تعريف الدور بدل أن تكون مجرد ممر عبور ، ويمكن لحكومة التأسيس أن تفرض نفسها كمنصة تنظيم للمساعدات، من خلال ترخيص الممرات الإنسانية وتحديد نقاط عبور واضحة وإنشاء سجل موحد للمنظمات والشحنات وفرض شراكات مشروطة قائمة على الشفافية وتبادل البيانات وتنسيق مباشر مع الفاعلين على الحدود لتوحيد الإجراءات وتقليل الفوضى . بهذا التحول ، تنتقل من “سلطة أمر واقع” إلى فاعل تنظيمي لا يمكن تجاوزه .
تعيين مبعوث أممي يعكس رغبة دولية في إعادة تحريك المسار السياسي ، لكنه لن يغيّر المعادلة ما لم توجد قوة محلية قادرة على فرض قواعد اللعبة . وهنا يكمن الاختبار الحقيقي في التعامل مع المبادرات الدولية وفق القدرة على إعادة تشكيلها بما يخدم مصلحة السودان . ما لم يقله مؤتمر برلين أكثر أهمية مما قاله. لا خطة لتفكيك اقتصاد الحرب، ولا آلية لوقف تدفقات السلاح، ولا تصور جاد لإعادة بناء الدولة. كل ما هناك هو إدارة للأزمة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. لكن داخل هذه الإدارة، توجد نافذة يمكن لحكومة التأسيس أن تدخل منها لتعيد تعريف نفسها كجهة قادرة على إدارة التعقيد وضبط التدفقات ، وفرض معادلة جديدة على الأرض .
الرسالة واضحة هي إما أن تُدار الحدود من الخارج… أو تُدار من الداخل وفق رؤية وطنية واعية. وفي هذا الفارق ، يتحدد مستقبل الدور، بل وربما مستقبل السودان نفسه .
مها الهادي طبيق 17 ابريل 2026
|
|