مفاهيم لا بد من تصحيحها* *(الثورة تلد سلطة الانتقال المدنية، ولا سلام بدون عدالة وحرية، وتدرج التغي

مفاهيم لا بد من تصحيحها* *(الثورة تلد سلطة الانتقال المدنية، ولا سلام بدون عدالة وحرية، وتدرج التغي


04-17-2026, 11:25 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776421531&rn=0


Post: #1
Title: مفاهيم لا بد من تصحيحها* *(الثورة تلد سلطة الانتقال المدنية، ولا سلام بدون عدالة وحرية، وتدرج التغي
Author: د.أحمد عثمان عمر
Date: 04-17-2026, 11:25 AM

11:25 AM April, 17 2026

سودانيز اون لاين
د.أحمد عثمان عمر-الدوحة-قطر
مكتبتى
رابط مختصر



*مفاهيم لا بد من تصحيحها*
*(الثورة تلد سلطة الانتقال المدنية، ولا سلام بدون عدالة وحرية، وتدرج التغيير يستلزم تحديد العدو وعزله باستمرار)*
*د. أحمد عثمان عمر*
القضايا المفاهيمية المتعلقة بتطور الثورة، أمر حاسم في انتصارها وتحقيق أهدافها أو احتوائها وتصفيتها، باعتبار أنه لا ثورة بدون نظرية ثورية وبدون استراتيجية واضحة يتم بناء خط سياسي وفقاً لها. وثورة ديسمبر المجيدة ليست استثناءا من تلك القاعدة، لذلك أدى خلط المفاهيم وسوء استخدامها إلى تعويقها، وقيض لأعداء الشعب احتوائها والعمل باستماتة لتصفيتها عبر العنف المفرط الذي وصل إلى درجة إشعال الحرب الماثلة. لكنهم سبقوا ذلك بانقلاب قصر سموه والتسويين معهم انحيازا للشعب وبنوا عليه شراكة دم تغاضت عن مذبحة فض اعتصام القيادة، وعززوا ذلك بوثيقة دستورية معيبة، وساندوها بالانقلاب الثاني على نصوصها قبل فرض حربهم اللعينة الحالية، وكل ذلك ما كان ممكنا لولا التشوهات في المفاهيم التي سمحت بحدوثه. وهذا بالطبع، يحتم العودة مرارا وتكرارا إلى ضبط المصطلح وتصحيح المفاهيم، التي سبق مناقشتها وتوضيحها، باعتبار أن هذه المهمة مستمرة، لأن التشويه مستمر، بمستوى يضلل الكثير من الوطنيين ويوقعهم في أخطاء قاتلة بعفوية وإحساس صادق بأنهم يخدمون الشعب وثورته.
اول هذه المفاهيم هو الحكومة المدنية، التي يظن البعض أن فترة الانتقال هي التي تصنعها في إطار تدرج سنعرض له لاحقا كمفهوم، في حين أنها هي التي تقود الانتقال بعد صنعها. فالحكومة المدنية اللازمة لإنجاز الانتقال، حكومة تصنعها الثورة، وتبنيها قواها التي أسقطت النظام، ويقصى منها كل القوى ذات الارتباط بالنظام الذي تم إسقاطه، وتتكون من التنظيم الذي قاد عملية الإسقاط الذي يشكل العنصر الذاتي للثورة، لتطلع بمهام الانتقال من الدولة الشمولية إلى الدولة الديمقراطية، عبر هدم تمكين النظام ثوريا، وبناء الدولة المدنية ديمقراطيا، وهذا هو قانون الثورة المبني على حركتها في ظل وحدة وصراع الأضداد. لهذا من أجل استكمال مهام الثورة، لا بد من بناء جبهة قاعدية من قوى الثورة، تسقط النظام الحالي، وتؤسس لانتقال تقوده حكومة مدنية خالصة وكاملة تنصبها هي لا تأتي عبر انتخابات، لذلك هي حكومة ثورية غير ديمقراطية من حيث المنشأ وطريقة التعيين، ولا يحكمها دستور ديمقراطي بل دستور ثوري يسمح لها بتقويض النظام السابق تقويضا كاملاً يبدأ من أذرعه الضاربة، عبر تفكيك أجهزته الأمنية وإعادة هيكلة مؤسسته العسكرية. بدون ذلك لا يمكن أن توجد سلطة ثورية، ولا يمكن أن يتم إنجاز مهام الثورة.
وأولى مهام هذه الحكومة هو تنفيذ شعارات الثورة الأساسية، باعتبار أن "الثورة خيار الشعب حرية سلام وعدالة"، وأن "الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل". وكما أوضحنا سابقا أنه لا سلام بدون حرية وعدالة، فالترابط بين الأمور الثلاثة لا فكاك منه، ولا يمكن أن يحدث سلام بدون عدالة، وهذا ما قلناه عند إبرام محاصصة جوبا وأكدنا أنها لن تفض إلى سلام. فلكي يكون هناك سلام، لا بد من وجود عدالة، تجلب المجرمين الذين أشعلوا الحرب وارتكبوا جرائم الحرب للعدالة، وتؤسس لإنصاف الضحايا وتعويض أسرهم وتعويض الأحياء منهم، وإقصاء من ارتكبوا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتنظيماتهم التي شاركت في الحرب من السلطة، وبناء سلطة جماهيرية تمثل الثورة، وإعادة توزيع الثروة بشكل منصف عبر إعادة هيكلة الاقتصاد ليؤسس لعدالة اجتماعية، وبسط حريات كاملة تسمح بتحقيق كل ذلك ومراقبته وحمايته بقوة الجماهير المنظمة في جبهتها القاعدية. وما دون ذلك يصبح مجرد وقف لإطلاق النار، يعيد إنتاج الأزمة، ويسمح لمن تسببوا بها بالاستمرار في السلطة، وحماية مكتسباتهم السياسية والاقتصادية، والسماح لهم بالإفلات من المحاسبة والعقاب، وتمكينهم من منع الانتقال وتعويق الثورة وإغراقها في الدماء، وفرض إرادتهم عبر رسملة نتائج انقلاباتهم وإشعالهم للحروب، والتكسب منها نتيجة لتقديم تنازلات مجانيّة لهم على حساب حركة الجماهير، تحت ادعاءات العقلانية وضعف الحركة الجماهيرية وانحسارها وعدم قدرتها على تحقيق انتصار حاسم على العدو.
وكل ما تقدم من تنازلات، يؤسس على مقولة التدرج، وأن الثورات لا تنتصر بضربة واحدة بل تحتاج إلى زمن وربما جولات حتى تحقق انتصارها الحاسم، حيث يتم التدليل على ذلك بأحداث تاريخيّة من ضمنها الثورة الفرنسية. وإن كان الحديث عن التدرج يبدو سليما في ظاهره، إلا أنه يستخدم حتما في غير موضعه. فالتراكم أمر طبيعي للوصول إلى الكتلة الحرجة القادرة على إنجاز إسقاط النظام وبناء انتقال فعال يفضي إلى تحول ديمقراطي، لكن هذا التراكم وحشد القوى المنظمة اللازمة لإنجاز مهام الثورة، يتم بتحديد واضح للعدو وفي مواجهته، لا بتقديم التنازلات له أو التحالف معه والدخول معه في شراكات دم. ففي ثورة ديسمبر قرر التيار التسووي أن حركة الجماهير غير قادرة على هزيمة العسكر والجنجويد، لذلك لا بد أن تدخل معهم في شراكة دم تحت دعاوى الواقعية والعقلانية. وبغض النظر عن خطأ القرار لأن حركة الجماهير كانت قادرة على إنجاز تلك المهام وعلى إسقاط اللجنة الأمنية، فإن عدم القدرة - إن صح وهو غير صحيح- لا يعني التحالف مع العدو والشراكة معه، بل يعني الاستمرار في حشد مزيد من القوى، واستمرار المواجهة السلمية وتغيير تكتيكاتها وأدواتها والصبر حتى تصبح قادرة على إنجاز المهام المطلوبة. فالاستعجال قبل إكمال الاستعداد، يعني تسليم قوى الثورة لعدوها من مواقع الضعف، وتمكين هذا العدو من احتوائها توطئة لتصفيتها، والتجربة ماثلة للعيان ولا سبيل للهروب من استخلاص العبر والدروس منها.
فالجماهير الآن - رغم انحسار حراكها- قادرة على الضغط من أجل وقف الحرب لا تحقيق سلام، وسبق أن حددنا آليات وقف الحرب التي تبدأ بعزلها وعدم المشاركة فيها مع توفير آليات الصمود والاستمرار في بناء الجبهة القاعدية، مع عدم المشاركة في أي سلطة تعقب إيقاف الحرب لا تقصي الطرفين المتحاربين إقصاءا كاملا، والاستمرار في النضال ضدها لإسقاطها وبناء سلطة الانتقال. فالواجب الآن هو النضال من أجل إيقاف الحرب، ليسمح إيقافها ببناء القوى اللازمة لإسقاط النظام وتفكيكه وبناء دولة الانتقال، لا إنتاج سلطة هجين تشكل واجهة للتمكين وتقوم بتعويمه. فحقيقة أن حركة الجماهير في انحسار ووهن، لاتعني وجوب استسلامها للعدو، بل تعني الصبر على إعادة تنظيمها وترتيب أوضاعها لتمكينها من الصعود مجددا وإنجاز أهداف ثورتها، فالثورة لا يمكن إنجازها بالتحالف مع عدو يسمح لك بتفكيك تمكينه ويشاركك فيه، بل بعزل هذا العدو والنضال ضده في حدود الممكن، إلى حين التمكن منه وهزيمته، والمعادلة معه دائما صفرية تقوم على الإقصاء والتصفية والإلغاء، إذ أن من المستحيل أن يحدث أي تقدم أو خير لشعبنا في ظل سيادة رأس المال الطفيلي وممثليه، لأن هذا العدو لا بد من تصفيته كشريحة اجتماعية واقتصادية لا كأفراد أو أشخاص، حتى لا يفهم ذلك بأنه دعوة إلى تصفية الأشخاص وقتلهم، فالأشخاص يجب تقديمهم لمحاكمات عادلة لمحاسبتهم ونيلهم العقاب الذي يستحقونه.
والخلاصة هي أن سلطة الانتقال المدنية تولد من رحم الثورة وتعينها جبهتها لتنجز مهام الانتقال، وأن لا سلام بدون عدالة وحرية، وأن تدرج التغيير الثوري يتم تحت سقف تحديد العدو وعزله وإقصائه والنضال ضده باستمرار، وتحريم التحالف معه أو مشاركته السلطة بأي صورة من الصور، والصبر لحين التمكن منه مع استخدام تكتيكات الصمود اللازمة لحين حدوث ذلك.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!
17/4/2026