السودان بين إرث الانضباط وفوضى الحاضر: هل من عودة إلى جادة الصواب؟ كتبه عبدالمنعم على التوم

السودان بين إرث الانضباط وفوضى الحاضر: هل من عودة إلى جادة الصواب؟ كتبه عبدالمنعم على التوم


04-16-2026, 10:37 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776375474&rn=0


Post: #1
Title: السودان بين إرث الانضباط وفوضى الحاضر: هل من عودة إلى جادة الصواب؟ كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 04-16-2026, 10:37 PM

10:37 PM April, 16 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم



خرج الإنجليز من السودان وقد تركوا وراءهم دولةً قائمة الأركان، مشيّدة على أسس خدمةٍ مدنيةٍ راسخة، اتسمت بالدقة والانضباط، وبنظامٍ إداريٍ بالغ الإحكام. لم يدعوا صغيرةً ولا كبيرةً إلا وأخضعوها للتنظيم والرقابة، فكانت المؤسسات تعمل في تناغمٍ كامل، لكلٍ منها اختصاصها الواضح وحدودها المرسومة، دون تضاربٍ في الصلاحيات أو ازدواجٍ في المعايير. كان فصل السلطات واضحًا، وكانت القوانين تُطبّق بعدالةٍ وانسجام، حتى غدت الدولة نموذجًا يُحتذى في الضبط والربط.
وخلال ستةٍ وخمسين عامًا فقط، حكم الإنجليز السودان بمنهجٍ يقوم على العلم، وحياد الدولة تجاه الأديان، فوقفوا على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، وساووا بين الناس في الحقوق والواجبات. احترموا معتقدات الأفراد وأعرافهم، فكان اليهودي يمضي إلى معبده، والمسلم إلى مسجده، والمسيحي إلى كنيسته، دون تدخلٍ أو وصاية. تجسّد في عهدهم مبدأ: " الدين لله والوطن للجميع "، وأصبح معيار التقدّم في الوظيفة العامة هو الكفاءة والانضباط، لا الانتماء أو المعتقد. فالناس أمام القانون سواء، لا فضل لمتقاعسٍ ولا حماية لمندس.
وعندما غادروا، تركوا للناس شؤون دينهم، باعتبارها علاقةً خاصةً بين العبد وربه، لا سلطان للحاكم عليها. فلم يتدخلوا في العبادات، ولم يفرضوا الزكاة، إدراكًا منهم بأنها عبادةٌ كالصلاة، مسؤوليتها فردية، يُحاسَب عليها الإنسان أمام خالقه، لا أمام الدولة. لقد فهموا أن وظيفة الحكومة تنحصر في تدبير شؤون الدنيا، وتيسير حياة الناس، أما الآخرة فشأنها إلى الله وحده. ومن هذا المنطلق، ركّزوا على تحسين معاش الناس، وتركوا لهم حرية ممارسة معتقداتهم دون وصايةٍ أو إكراه ..........!
ومن أبرز ما أرسته الإدارة البريطانية نظام كشف التنقلات للعاملين في الدولة، مدنيين وعسكريين، حيث لم يكن يُسمح للموظف بالبقاء في موقعٍ واحد أكثر من عامين. وقد دعّموا هذا النظام بإنشاء مساكن حكومية في مختلف المديريات، لتسهيل حركة التنقل وضمان استقرار العاملين. ولم يكن ذلك عبثًا، بل استند إلى أهدافٍ موضوعيةٍ عميقة، من أهمها: توسيع مدارك الموظف عبر اكتساب الخبرات وتبادل المعرفة، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال الاحتكاك بمختلف الثقافات السودانية، فضلًا عن الحد من الفساد والمحسوبية، إذ أن بقاء الموظف طويلًا في موقعٍ واحد يفتح أبواب المصالح الشخصية والانحراف عن مقتضيات الخدمة العامة. كما أتاح هذا النظام رقابةً ذاتيةً مستمرة عبر إجراءات التسليم والتسلّم .
بل إن هذا النهج امتد حتى إلى الطلاب، الذين نُقلوا بين الأقاليم على مستوى المراحل التعليمية المختلفة الأعلى لاكتساب الخبرة والتعرّف على تنوع المجتمع السوداني، في محاولةٍ لصهره في بوتقةٍ وطنيةٍ واحدة تربية للاجيال وتعزيز مهاراتهم وربطهم بالبيئة وتعزيز المسؤولية المجتمعية وجغرافية السودان .
غير أن ما شُيّد خلال تلك السنوات القليلة، تعرّض للتآكل والانهيار خلال العقود التي أعقبت الاستقلال، نتيجةً لسوء الإدارة، وتغليب المصالح الخاصة على العامة، وتسييس الدين بصورةٍ أضرت بالمجتمع والدولة معًا. لقد استُغلّت معتقدات الناس لتحقيق مكاسب ضيقة، وغاب معيار الكفاءة، وحلّت الفوضى محل النظام .
لقد ترك الإنجليز بلدًا واعدًا، غنيًا بالموارد، مفعمًا بالحياة، تتوفر فيه مقومات العيش الكريم. كان الانضباط سمةً عامة، حتى قيل إن المرء كان يستطيع ضبط ساعته على مواعيد القطارات، في دلالةٍ بليغةٍ على دقة النظام الذي ساد آنذاك ..........
غير أن الواقع اليوم يُنبئ بانحدارٍ مؤلم، حيث تسلّط على البلاد من يفتقرون إلى الكفاءة والمعرفة، فقادوا الوطن إلى أزماتٍ متلاحقة، وأوردوه موارد التراجع والضياع، حتى أصبح المواطن يعيش في دوامةٍ من المعاناة، رغم ما يزخر به السودان من خيراتٍ وطاقات .......!
إن أمر الدولة السودانية اليوم يحتاج إلى وقفةٍ صادقةٍ مع النفس، وإلى قراءةٍ واعيةٍ للتجارب السابقة، لا سيما ما أثبت نجاحه في بناء مؤسسات الدولة. فالرجوع إلى الحق فضيلة، واستلهام التجارب الناجحة ليس ضعفًا، بل هو عين الحكمة. ولن يستقيم الحال إلا بإعادة الاعتبار لقيم الانضباط، والعدالة، والكفاءة، ووضع الدولة على الطريق الصحيح.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الراسخة: لا يصح إلا الصحيح، ولا مخرج إلا بالتفكير العميق، والبحث الجاد عن طريقٍ يعيد للسودان عافيته ومكانته بين الأمم.

تقديم/عبدالمنعم على التوم

16 ابريل 2026