Post: #1
Title: السودان بين السلاح والمنح من يحكم فعلاً؟#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 04-16-2026, 09:55 PM
09:55 PM April, 16 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
ا
حين تحكم المنح من يملك القرار في السودان؟ قراءة في تحولات السلطة بعد الثورة والحرب وهم الدولة الجديدة في لحظات الانتصار الأولى للثورة السودانية، امتلأت القلوب برهبة التغيير. كان المشهد يوحي بأن البلاد على أعتاب مرحلة تأسيسية تعيد تعريف السلطة والمواطنة لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون، أن الثورة لم تسقط فقط نظامًا عسكريًا عتيقًا، بل فتحت الباب أمام فراغ هيكلي سارعت قوى خارجية وداخلية لملئه بآليات جديدة للنفوذ لم تعد السياسة في السودان تُدار فقط من داخل القصور الرئاسية أو غرف عمليات الثكنات العسكرية. صارت تُصنع في قاعات الفنادق المكيفة، على طاولات "ورش العمل" المستوردة، وتحت عناوين براقة تحمل وعودًا عالمية "بناء السلام المستدام"، "تعزيز الديمقراطية من القاعدة"، "تمكين المجتمع المدني كركيزة للتحول" هذه ليست شتيمة موجهة ضد مفهوم المساعدة الإنسانية أو العمل المدني. بل هي محاولة لفهم تحول عميق في طبيعة الحكم , الانتقال من هيمنة النخبة العسكرية-الحزبية التقليدية إلى هيمنة نخبة جديدة شرعيتها ليست من الشارع بل من الميزانيات الدولية ومنهجية "إدارة المشاريع".
سلطة المنح و كيف تصنع التمويلات واقعًا سياسيًا؟ بعد انهيار نظام الإنقاذ في أبريل 2019، تدفقت الأموال الدولية على السودان كالسيل. مئات الملايين من الدولارات خصصت لدعم "التحول الديمقراطي"، و"بناء المؤسسات"، و"السلام المجتمعي". ظاهريًا، كان المشهد إنسانيًا وتنمويًا بريئًا لكن البنية التحتية لهذا التدفق المالي حملت في طياتها منطقًا سياسيًا غير معلن و إعادة تشكيل الفاعلين السياسيين وفق معايير تقنية-إدارية بدلًا من معايير تمثيلية-شعبوية ظهرت طبقة جديدة من "الخبراء" و"منسقي المشاريع" و"بناة السلام المعتمدين". طبقة تتحدث الإنجليزية بطلاقة، تتقن كتابة "مقترحات المشاريع" وفق قوالب البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وتعرف كيف تتنقل بين قواعد البيانات الدولية لكنها تتعثر حين يُسأل سؤال بسيط من تمثلون حقًا؟ بأي تفويض تتحدثون باسم المجتمع السوداني؟ وهذا ليس هجومًا على الكفاءات السودانية العاملة في المجال الإنساني. بل هو تساؤل عن أخلاقيات المشهد: كيف يمكن لشخص لا يملك أي قاعدة شعبية، ولم ينتخب يومًا، ولم يشارك في أي حراك سياسي حقيقي، أن يصبح "فاعلًا رئيسيًا" في صناعة القرار الوطني لمجرد أنه نجح في الحصول على منحة؟ تحول الأنطولوجيا السياسية: من "الصراع الطبقي" إلى "إدارة المخاطر" أخطر ما أحدثته هذه الديناميكية هو تغيير لغة السياسة نفسها. المفردات التقليدية للنضال السياسي السوداني - العدالة الاجتماعية، الاستقلال الاقتصادي، توزيع الثروة، مقاومة التبعية - استُبدلت تدريجيًا بمصطلحات تقنية محايدة "بناء القدرات"، "تحليل أصحاب المصلحة"، "مؤشرات الأداء"، "الاستدامة" لم يعد الحديث عن "من يستحق ماذا" بل عن "كيف نُدار المخاطر" , لم يعد الصراع حول "من يملك السلطة" بل عن "من يمتلك منهجية التقييم". هذا التحول ليس حياديًا , و إنه تحول إيبستمولوجي يعيد تعريف السياسة ذاتها من حقل صراع قيم إلى حقل إدارة موارد والنتيجة؟ بدل أن تتوحد القوى المدنية حول برنامج وطني طموح بعد الثورة، تفككت إلى عشرات المبادرات والمجموعات الصغيرة كل مجموعة تحمل مشروعًا صغيرًا، لكل مشروع تمويله الخاص، ولكل تمويل شروطه غير المكتوبة - شروط تتعلق غالبًا بالأولويات , و ما الذي يُدرس، ما الذي يُموّل، ما الذي يُهمش، من يُدعى إلى ورش العمل، ومن يُستبعد حكومة الظل غير المنتخبة: عندما تصبح المنظمات بديلاً عن الدولة ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتكشف عن الطبقات الجيولوجية لهذا التحول. في لحظة انهيار شبه كامل للدولة - اختفت الشرطة، توقفت المحاكم، انهارت الخدمات الأساسية، تعطلت الرواتب - من الذي بقي في الميدان؟ المنظمات الإنسانية والدولية تُطعم الجياع، تُدير مخيمات النازحين، توزع الأدوية، بل وتُجري في بعض الحالات حوارات مجتمعية حول "التماسك المحلي"
هذا الدور المنقذ لا يمكن إنكاره، ولا ينبغي التقليل من قيمته. لقد أنقذت هذه المنظمات ملايين الأرواح. لكن السؤال الأعمق هو: ماذا يعني أن تتحول المنظمات إلى بديل وظيفي عن الدولة؟ ماذا يعني أن تصبح "إدارة المساعدات" هي الشكل الوحيد المتبقي من الحكم؟
في مناطق واسعة من السودان اليوم، الحكم الفعلي ليس بيد الجيش ولا بيد قوات الدعم السريع فقط، بل بيد شبكة معقدة من المنظمات الإنسانية التي تمول من بروكسل وواشنطن والرياض وأبوظبي هذه المنظمات تحدد أي المجتمعات تستحق المساعدة، وأي القرى تُفتح لها طرق الإغاثة، وأي القيادات المحلية تُعترف بها كشريك و هذا ليس "حكمًا مباشرًا"، لكنه بالتأكيد شكل من أشكال "الحكم غير المباشر" الذي يذكرنا بفترات الاستعمار المتأخر
إشكالية الشرعية بين التمويل والتمثيل هنا تبرز المفارقة المركزية: كلما زاد اعتماد النخب السياسية والمدنية على التمويل الخارجي، تراجعت حاجتها لبناء علاقات حقيقية مع الجماهير. لماذا تقضي وقتًا في الأسواق والمقاهي تستمع للناس و بينما يمكنك قضاء ذلك الوقت في كتابة مقترح مشروع يمنحك تأثيرًا فوريًا؟
النتيجة هى سياسة بلا جماهير، ونخب بلا قواعد، وخطاب سياسي مليء بالمفاهيم اللامعة - "المرونة"، "التمكين"، "الشفافية" - لكنه مفصول تمامًا عن واقع الناس الذين يعانون من انقطاع الكهرباء، وغلاء الخبز، وغياب الأمن
الشارع السوداني، الذي هتف للثورة وقدم آلاف الشهداء، أصبح اليوم غائبًا عن المشهد السياسي الرسمي ليس لأنه فقد القدرة على الحراك، بل لأن آليات صنع القرار الحقيقية انتقلت إلى فضاءات لا يصل إليها - قاعات المؤتمرات المغلقة، منصات الزووم الخاصة، ورش العمل التي تُعقد في نيروبي أو أديس أبابا
أسئلة لا تريد المنظومة طرحها وهي نقدر نقول أن هناك أسئلة صارخة لا أحد يجرؤ على طرحها بصراحة في المحافل الدولية
الأول هو هل نحن أمام دعم إنساني حقيقي، أم أمام إدارة دولية غير معلنة لمجتمع منهك؟ الفرق ليس أكاديميًا. في الحالة الأولى، المستفيد هو الإنسان السوداني. في الحالة الثانية، يصبح السودان نفسه "مشروعًا" تُدار فيه المجتمعات وفق أجندات خارجية.
الثاني: لماذا تتدفق المليارات للمنظمات العاملة في السودان بينما تظل ميزانية أي حكومة مدنية محتملة شبه معدومة؟ أليس من الأرخص والأكثر فعالية دعم مؤسسات الدولة بدلًا من بناء نظام موازٍ من المنظمات؟
الثالث: من يراقب المراقبين؟ من يقيّم أداء المنظمات نفسها؟ من يضمن أن أولوياتها تتوافق مع احتياجات الناس الفعلية وليس مع اتجاهات التمويل العالمية؟
نحو استعادة السياسي: ما العمل؟ لا يمكن أن ننتهي إلى موقف رومانسي يعتبر كل تدخل خارجي شرًا مطلقًا. السودان في حالة حرب وانهيار، والمساعدات الإنسانية ضرورة أخلاقية وقانونية. لكن المشكلة ليست في وجود المنظمات. المشكلة في غياب إطار وطني يحكم علاقتها بالدولة والمجتمع.
المطلوب ليس "طرد المنظمات" - هذه وصفة لكارثة أكبر. المطلوب هو إعادة بناء الدولة الوطنية ببطء، بشكل تدريجي، بحيث تستعيد قدرتها على وضع السياسات وتحديد الأولويات. المنظمات يجب أن تكون أداة في يد السودانيين، لا بديلاً عن إرادتهم.
يتطلب هذا عدة خطوات متكاملة
أولاً- إنشاء هيئة وطنية عليا لتنسيق المساعدات، تتمتع بصلاحيات حقيقية في تحديد الأولويات، وتكون شفافة في علاقاتها مع المانحين ثانيًا- ربط تمويل المنظمات باستراتيجية وطنية واضحة، بدلًا من منطق "المشاريع الفردية" الذي يشجع التنافس والتفكك ثالثًا - إعادة الاعتبار للعمل السياسي التقليدي - الأحزاب، النقابات، مجالس المقاومة - كقنوات حقيقية للتمثيل، ودعمها ماليًا ولوجستيًا رابعًا- كسر احتكار اللغة الإنجليزية والمنهجيات التقنية، والانفتاح على أشكال المعرفة المحلية في تصميم وتنفيذ المشاريع
يمكن القول أن لا أحد سيبني السودان بدلًا عن السودانيين , في النهاية، لا يمكن لأي بلد أن يُحكم عبر "المشاريع" إلى الأبد. المنح تأتي وتذهب، أولويات المانحين تتغير، وأحيانًا تتوقف فجأة لأسباب جيوسياسية لا علاقة لها باحتياجات السودانيين السؤال الحقيقي ليس "ماذا تفعل المنظمات؟" بل "أين الدولة التي تجعل دورها مكملاً وليس أساسيًا؟" ولأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، هو أن تتحول قضاياه الكبرى - الحرب والسلام، العدالة والمساواة، الهوية والمستقبل - من شأن سياسي يُحسم بإرادة الناس ونضالهم، إلى "مشروع" يُدار بميزانية وينتهي بتقرير نهائي يُرفع إلى جهة مانحة في عاصمة بعيدة
السودان ليس "حالة دراسة" حقيقة السودان ليس "منطقة تدخل" السودان وطن لملايين البشر لهم حق تاريخي في تقرير مصيرهم، بكل ما في ذلك من تعقيدات وتناقضات وصراعات. المساعدات مرحب بها، لكنها لا يمكن - ولن - تكون بديلاً عن الحرية الحقيقية حرية اختيار طريقهم الخاص في بناء دولتهم ومستقبلهم وهذه الحرية، للأسف، لا تمنحها المنح. تُنتزع بالنضال، وتُصان بالمؤسسات، وتُستعاد بإرادة لا تشتريها الميزانيات اكلام الاخير هو من يحكم السودان اليوم؟ ليس الجيش وحده، وليس الميليشيات وحدها، وليست المنظمات وحدها , بل شبكة معقدة من القوى المحلية والإقليمية والدولية و لكن الأخطر هو غياب السؤال نفسه عن سلطة الشعب , وغياب الإجابة يعني أن السودان ما زال ينتظر ثورته الحقيقية والثورة هي استعادة القرار الوطني.
|
|