Post: #1
Title: ثلاثة أعوام من الحرب .حين يصمت العقل ويتكلم الخراب كتبه أحمد المهدي
Author: أحمد المهدي
Date: 04-16-2026, 09:44 PM
09:44 PM April, 16 2026 سودانيز اون لاين أحمد المهدي-Sudan مكتبتى رابط مختصر
بعد ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لا تبدو المأساة مجرد صراع مسلح بقدر ما هي حصيلة تراكم طويل من الأخطاء المؤجلة نتيجة الصمت الذي مُنح شرعية زائفة باسم الحكمة أو الخوف أو “عدم ملاءمة الوقت”.
ما نراه اليوم ليس لحظة انفجار مفاجئة، بل نتيجة مسار كان يمكن، أن يُواجَه أخلاقيًا في مراحل سابقة قبل أن يستعصي واقعيًا لان الحرب في جوهرها، ليست فقط صراع قوة، بل يمتد الصراع لتعريف الحقيقة نفسها. فعندما يتحالف الجهل مع القوة، لا يكتفي بتعطيل العدالة، بل يعيد تشكيلها وفق مقاسه. يصبح الظلم قانونًا، والكذب خطابًا رسميًا، ويُقدَّم الصمت باعتباره فضيلة. لحظتها تصبح المشكلة في غياب الوعي الذي يوجّهها، وفي انسحاب العقل من المجال العام. القوة، بذاتها، ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا؛ إنها طاقة محايدة، تكتسب معناها ممن يمارسها. لكن حين تقع في يد وعي ضيق، أو جهل نشِط وعدواني، تتحول إلى أداة عمياء، تضرب بلا بوصلة أخلاقية. هذا النوع من الجهل ليس سكونيًا، بل فاعل ومندفع، يحتمي بالنفوذ، ويقمع الأسئلة، ويستبدل الحقيقة بالضجيج. وحين يمتلك هذا الجهل سلطة سياسية أو منبرًا جماهيريًا، لا يكتفي بتشويه الواقع، بل يعيد إنتاجه كما يشاء. ولذلك فأن الخراب لا تصنعه السلطة وحدها. والتاريخ لا يُكتب فقط بأيدي من يملكون القوة، بل أيضًا بصمت من كانوا قادرين على تبيان الحقائق ولم يفعلوا، بأختيار السلامة بدل الكلام في لحظتها.
هنا تتبدى الحقيقة الأكثر إيلامًا بإنهيار العدالة لا بظلم الاقوياء فقط ، بل لأنها تُركت دون من يدافع عنها.فالصمت، حين يطول، يتحول من حياد مفترض إلى تواطؤ غير معلن، ومن خيار فردي إلى عامل بنيوي في ترسيخ الظلم. ومع ذلك، ليس كل صمت خيانة، ولا كل نطق بطولة في سياقات العنف، خاصة إذا كان الصمت وسيلة للبقاء، لا تعبيرًا عن الرضا.
في ظل هذا المشهد يكمن التحدي الحقيقي في كيفية كسر هذا الجمود لخلق مساحات ولو ضيقةيستعيد فيها العقل حضوره، وتُستعاد فيها الكلمة بوصفها فعلًا، لا مجرد تعبير ، وابراز دور الكتلة العلمية والثقافية، لا بوصفها زينة للمجتمع، بل كشرط من شروط تعافيه. فالمثقف الحقيقي ليس شاهدًا محايدًا على الخراب، ولا مراقبًا باردًا لتاريخ يصنعه غيره، بل فاعل أخلاقي يحمل مسؤولية الكلمة حين تصبح الكلمة موقفًا ويرفض تدجين عقله أو تأجيره، ويتمسك بالحقيقة حتى حين تكون مكلفة.
لأن المعرفة حين تخرج من عزلتها، وتنتج حقائق قابلة للتداول العام، فإنها تبدأ بالتحول إلى قوة ضغط حقيقية. عندها لا تبقى الأفكار حبيسة النخب، بل تصبح جزءًا من وعي جماعي قادر على التأثير. كما أن الانتقال من الخطاب إلى الأثر يظل خطوة حاسمة. فالمعرفة، إن بقيت في إطارها النظري، تفقد قدرتها على المواجهة. أما حين تتحول إلى تقارير موثقة، ومبادرات عملية، وخطاب مبسط يصل إلى الناس، فإنها تستعيد وظيفتها بوصفها أداة مقاومة. فالقوة الجاهلة لا تنتصر فقط بالقمع، بل أيضًا بقدرتها على مخاطبة العامة بلغة مباشرة، بينما تخسر النخب حين تنغلق في تعقيدها.
ولتحقيق ذلك يبقى الاستقلال هو الشرط الأصعب. إذ لا يمكن للكتلة العلمية والثقافية أن تؤدي دورها وهي خاضعة لسلطة أو ممولة بأجندة أو منجرفة وراء شعبوية. هذا الاستقلال مكلف، وقد يفرض أثمانًا شخصية ومهنية، لكنه وحده ما يمنح الكلمة صدقيتها، ويجعلها قادرة على مساءلة القوة لا تبريرها. إن تحويل الكتلة العلمية والثقافية إلى فاعل سياسي لا يعني بالضرورة الانخراط الحزبي، بل يعني التأثير في المجال العام كبناء رأي واعٍ أو إنتاج معرفة مؤثرة، وخلق بدائل فكرية مع الضغط باتجاه العدالة. إنه انتقال من موقع الشاهد إلى موقع الفاعل، ومن التعليق على الواقع إلى المشاركة في تغييره. بعد ثلاثة أعوام من الحرب، يبقى الدرس الأوضح أن العدالة لا تموت فجأة، بل تختنق ببطء حين تُترك لموازين قوة بلا وعي، وحين يُقصى عنها العقل. لذلك يجب أن يستعيد العقل مكانه، ويكسر المثقف صمته، يمكن عندها فقط أن تبدأ ملامح الخروج من هذا الواقع المزري. إن إنقاذ العدالة لا يبدأ من موازين القوة، بل من استعادة الوعي، ومن الإصرار على أن تكون الكلمة موقفًا، والمعرفة مسؤولية، والعقل حاضرًا. هنا فقط، يتراجع الجهل، وتفقد القوة العمياء قدرتها على الادعاء، ويصبح الأمل على إيقافه ممكنًا.
|
|