نجح مؤتمربرلين.. وفشلت خطة تأجير الحناجر والطائرات لاسكات صوت السلام كتبه خالد ابواحمد

نجح مؤتمربرلين.. وفشلت خطة تأجير الحناجر والطائرات لاسكات صوت السلام كتبه خالد ابواحمد


04-16-2026, 11:21 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1776334861&rn=0


Post: #1
Title: نجح مؤتمربرلين.. وفشلت خطة تأجير الحناجر والطائرات لاسكات صوت السلام كتبه خالد ابواحمد
Author: خالد ابواحمد
Date: 04-16-2026, 11:21 AM

11:21 AM April, 16 2026

سودانيز اون لاين
خالد ابواحمد -البحرين
مكتبتى
رابط مختصر



نجح مؤتمر برلين.. وفشلت خطة تأجير الحناجر والطائرات لاسكات صوت السلام.!!


اختتمت مساء أمس الأربعاء في العاصمة الألمانية برلين أعمالُ المؤتمر الدولي الثالث للسودان، الذي انعقد برعاية مشتركة من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وضمّ في أروقته مسؤولين من أكثر من ستين دولة، فضلاً عن أكثر من خمسين منظمة غير حكومية سودانية ودولية حسب ما جاء في وسائل الإعلام.

وقبيل انعقاد هذا المؤتمر بأيام قليلة، اشتعلت المجالس السودانية والمنابر الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن أهميته وإمكانية نجاحه وما قد تُسفر عنه مداولاته من مخرجات، في مقابل ذلك كانت حكومة بورتسودان تُكرّس جهوداً استثنائية لإجهاضه قبل أن ينعقد، إذ أفادت معلومات موثوقة بأنها خصّصت لهذه الغاية غرفة عمليات مركزية في بورتسودان، وغرف متابعة في كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا، وخُصّص لهذا المسعى ما يتجاوز مئتين وخمسين ألف دولار، استُؤجرت بها ثلاث طائرات خاصة لجمع المؤيدين من شتى الدول الأوروبية، الذين تسلّموا مبالغ مالية فور مثولهم في الأماكن المحددة، زاعمين أنها نثريات وبدل عمل بحجة أن المؤتمر انعقد في يوم عمل لا في عطلة أسبوعية.

غير أن أولى بشائر النصر جاءت قبل أن تبدأ أعمال المؤتمر، حين كشفت الصور المتداولة عن حجم الجهل المركّب وانعدام الحسّ بالمسؤولية لدى الذين جاءت بهم قيادات الحركة الإسلاموية، وما تفوهوا به وعبارات كشفت الهوّة السحيقة بين من يحمل هموم الوطن، ومن يُقدّم مصالحه الذاتية على ما سواها، فكل ما بدر عن هؤلاء كان شاهداً دامغاً على بُعدهم عن ديننا الإسلامي الحنيف وعن المشاعر الوطنية والإنسانية، وعن الوعي بأبسط مقتضيات المسؤولية، فبدوا أقرب إلى مجموعة من المراهقين يتشاكسون في ناد رياضي منهم إلى أصحاب قضية يُدافعون عن موقف.

*غُرف العمليات*..!!

ولعل أشد ما يبعث على الألم أنه في الوقت الذي كانت فيه هذه الحكومة تُنفق من دماء الشعب السوداني مبالغ طائلة لإفشال المؤتمر، كان المواطنون السودانيون القادمون من مصر عبر المعابر الحدودية يتعرضون للإهانة والإذلال، ويُرغَمون على دفع الإتاوات والرسوم التي لا يُعرف إلى أي جهة تتجه، وقد شهدت على ذلك الكاتبة الصحفية داليا الياس بشهادة مباشرة من قلب المعاناة. يحدث هذا كله في آنٍ واحد، لأن من يُشكّلون غرف العمليات لصدّ المطالبة بإنهاء الحرب هم أنفسهم من لم يُحرّكوا ساكناً لصون كرامة الإنسان السوداني عند المعابر، ولم يُخصّصوا جهداً واحداً لتمكين أبنائنا من أداء امتحانات الشهادة السودانية في دبي، رغم أنهم استوفوا رسوم الجلوس مقدّماً من جيوب الطلاب وذويهم.

نجح مؤتمر برلين نجاحاً منقطع النظير، وتجلّى ذلك في مستويات متعددة ومتكاملة؛ فقد تشرّف بخطاب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وبمشاركة عدد كبير من وزراء الخارجية الأوروبيين وكبرى منظمات المجتمع المدني الدولي وأصحاب الأثر الفاعل في الشأن الدولي، الذين أجمعوا على المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وإنهاء التدخلات الخارجية وقطع تدفق الأسلحة التي تُذكي جمر النزاع، ثم جاء نجاحه الثاني حين وقّعت جميع القوى المدنية السودانية المشاركة على وثيقة موحّدة لإيقاف الحرب، وهو إنجاز وحدوي نادر في ظروف بالغة التعقيد. وتوّج نجاحه الثالث بتعهدات دولية بتقديم مساعدات إنسانية بلغت قيمتها ملياراً وخمسمئة مليون دولار، وهو رقم يعكس ثقة المجتمع الدولي الحقيقية بجدية هذا المسار. ونجح المؤتمر رابعاً لأن القائمين عليه أثبتوا رجاحة عقل وسموّ أخلاق في أحلك الظروف، فبرغم حملات الشتائم والتشويه المدفوعة الأجر لم ينزلوا إلى مستوى ذلك الانحطاط، لأنهم أصحاب قضية يرفّعون أنفسهم عن مجاراة من اعتاشوا على التسقيط والإسفاف.

نجح المؤتمر خامساً لأنه أضاف لبنة راسخة في صرح الوعي السوداني المتنامي، حين وضع الناسَ وجهاً لوجه أمام الفارق الجوهري بين من يحمل همّ الوطن ومن يعبث بمصيره. ونجح سادساً لأن المجتمع الدولي أثبت ثقته العميقة بالمكوّن المدني السوداني بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك، الذي أدار دبلوماسية فاعلة وراكم علاقات دولية راسخة عبر منظمة صمود، وأقنع القوى الكبرى بجدوى المسار المدني الديمقراطي وجدارته بالدعم والمضيّ، في حين تدهورت صورة حكومة بورتسودان تدهوراً حاداً في أعين كل مؤسسات المجتمع الدولي، حتى باتت معزولة عزلة شبه تامة على المستويات العربية والإقليمية والدولية.

*شراء الصمت وتأجير الحناجر*..!!

إن ما أقدمت عليه قيادات الحركة الإسلاموية حيال هذا المؤتمر يُجسّد بجلاء نهجاً مدمّراً للأوطان لا يستحي من التاريخ ولا يهاب الحساب، ويكفي أن يتأمل المرء كيف ينظر هؤلاء إلى أنفسهم وهم يستلمون الدولارات ويركبون الطائرات لإسكات أصوات السلام، بينما يُسقط الرصاص أرواح السودانيين يومياً وهم يتفرجون بل يُعينون عليه، والتاريخ لن يرحم من وضعوا مصالحهم فوق دماء شعبهم، والشعب السوداني لن ينسى لهم هذا الموقف ما حيي.

في نهاية المطاف، ما جرى في برلين كان لحظة فارقة في مسيرة شعب يأبى الاستسلام لقدر الحرب والدمار، شعب ينزف منذ سنوات تحت وطأة حرب لم يشعلها ولم يُرِدها، غير أنه بات يمتلك اليوم ما يفتقر إليه كثير من الشعوب التي ابتُليت بنخبها قبل أن تبتلى بأعدائها، وهو الإرادة الصلبة والقيادة المدنية الواعية التي تُحسن صياغة قضيته ورفعها إلى مسامع العالم، إن الذين راهنوا على إسكات هذا الصوت بالمال والتحشيد والإعلام المأجور قد خسروا رهانهم خسارة مدوّية، وأثبتوا بأفعالهم قبل أقوالهم أنهم لا يملكون من أدوات البقاء السياسي سوى شراء الصمت وتأجير الحناجر، أما الشعب السوداني فقد اختار برلين ميداناً ليقول للعالم بصوت واحد لا يقبل اللبس إنه لن يُباع ولن يُسكت ولن يستسلم، وأن ثمة سوداناً آخر يستحق الحياة والسلام والبناء، سوداناً لن تستطيع حروب الطغاة ولا دولاراتهم أن تمحو صورته من مخيلة أبنائه الأحرار.

الخميس 16 أبريل 2026