Post: #1
Title: جنون البقر وجنون ترامب كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 04-15-2026, 09:43 PM
09:43 PM April, 15 2026 سودانيز اون لاين د. ياسر محجوب الحسين-UK مكتبتى رابط مختصر
أمواج ناعمة
في عتمة مشهد دولي يتسم بحساسية مفرطة، تتصاعد المخاوف من أن تدفع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم نحو اضطرابات تتجاوز حدود السياسة التقليدية، لتلامس حافة أزمة عالمية متعددة الأبعاد؛ سياسيا واقتصاديا وعسكريا. فقد أثار خطابه الأخير تجاه إيران انتقادات واسعة، خاصة من العقيد الأمريكي المتقاعد دوغلاس ماكغريغور، الذي وصف هذا النهج بأنه "اندفاع غير محسوب" يهدد استقرار النظام الدولي.
يرى ماكغريغور أن الرؤية الاقتصادية الأمريكية تبدو منفصلة عن واقع الترابط العالمي، إذ لا تزال قطاعات حيوية تعتمد على سلاسل الإمداد والطاقة الدولية. ويحذر من أن أي اضطراب في مضيق هرمز لن يقتصر على ارتفاع أسعار النفط، بل سيمتد ليصيب الزراعة والنقل والتكنولوجيا، ما قد يطلق موجة تضخم عالمية وأزمات معيشية عابرة للحدود.
عسكريا، يحذر الخبراء من التقليل من قدرات إيران، التي قد تعتمد استراتيجيات "الحرب غير المتناظرة"، عبر استهداف البنية التحتية وتعطيل الملاحة باستخدام المسييرات والصواريخ. كما أن أي تدخل بري قد يواجه تعقيدات لوجستية وجغرافية كبيرة، ما يضع القوات الأمريكية أمام استنزاف طويل الأمد.
في السياق ذاته، تتصاعد الانتقادات لدور حلف الناتو، الذي بات ينظر إليه كأداة لتعزيز السياسات الأمريكية أحادية الجانب، في وقت تتجاهل فيه واشنطن مبادرات الوساطة الدولية، خاصة من الصين، ما يعكس تحولات أعمق في ميزان القوى العالمي.
من زاوية أخرى، يصف الطبيب النفسي جون غارتنر سلوك ترامب بـ "النرجسية الخبيثة"، وهو توصيف أثار جدلا واسعا. وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فبينما كان العالم يخشى يوما "جنون البقر"، يبدو أننا دخلنا مرحلة أشد خطرا يمكن تسميتها "جنون البشر". الفرق أن الأبقار لم تكن تقرر مصير العالم أو تضغط على أزرار الحروب؛ فجنونها كان مرضا، أما جنون الإنسان فقد يقدم أحيانا في صورة سياسة وحكمة.
وتعزز هذه الصورة مشاهد توظيف الرموز الدينية في الخطاب السياسي داخل البيت الأبيض، بما يعكس ثقة مفرطة قد تتجاهل الحسابات الواقعية للأزمات.
في المقابل، تكشف تطورات مثل مفاوضات إسلام آباد وارتفاع تكاليف التأمين البحري وتقلبات الطاقة أن القوة العسكرية لم تعد الأداة الوحيدة لحسم الصراعات. فالعالم يشهد إعادة تشكيل لموازين القوى، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالطاقة.
إن ما يجري ليس مجرد تصعيد عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على التكيف مع واقع جديد. وبينما تتراجع فاعلية الأدوات التقليدية، يظل السؤال مفتوحا: هل يستطيع العالم احتواء هذه التحولات، أم أننا نتجه نحو فوضى تعيد رسم قواعد اللعبة من جديد؟
|
|