Post: #1
Title: الخيانة لا تحسم الحروب: درس التاريخ في حالة المنشق النور القُبّة كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 04-14-2026, 06:36 PM
06:36 PM April, 14 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
في الحروب، لا تُقاس الخيانات بحجم الضجيج الذي تُحدثه، بل بمدى قدرتها على تغيير موازين القوى. أما ما جرى بانشقاق اللواء النور القُبّة من صفوف الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش، فليس حدثاً استثنائياً كما يحاول البعض تصويره، بل حلقة متكررة في سلسلة طويلة من الانتهازية العسكرية التي تتغذى على هشاشة البنية السياسية وتفكك الولاءات.
إن قراءة هذا الحدث من زاوية فلسفة جدلية الصدفة والضرورة، كما صاغها كارل ماركس، تكشف لنا أن ما حدث لم يكن مفاجئاً. فالضرورة التاريخية في سياق صراع مسلح بين قوتين متناقضتين الجيش والدعم السريع تفرض حتمية الاختراقات والانشقاقات. أما الصدفة، فهي فقط التوقيت والشخص، لا الحدث في جوهره. بعبارة أخرى: لم يكن السؤال هل سيحدث الانشقاق، بل متى ومن سيقوم به.
لكن الخطأ الفادح يكمن في تضخيم هذا الانشقاق وكأنه نقطة تحول استراتيجية. فالتاريخ العسكري يعجّ بحوادث خيانة وانشقاق كانت أكثر دراماتيكية وتأثيراً، ومع ذلك لم تحسم الحروب إلا حين توفرت الشروط الموضوعية للنصر. يكفي أن نستحضر خيانة "بندكت أرنولد"، خلال الحرب الثورية الأمريكية، حين حاول تسليم موقع استراتيجي للبريطانيين. ورغم خطورة الفعل، لم يسقط المشروع الأمريكي، لأن موازين القوى لم تكن رهينة فرد، بل منظومة.
وفي السياق السوداني الأقرب للذاكرة، تتكرر ذات الأنماط. انشقاق رياك مشار عن جون قرنق في تسعينيات القرن الماضي لم يكن سوى تعبير عن صراع داخلي على السلطة، ولم يغيّر جوهر المعادلة بقدر ما عمّق الانقسام وكرس لانقسامات قادمة. وكذلك فعل لام أكول وكاربينو كوانين، حيث تحولت الانشقاقات إلى سمة بنيوية في الحركات المسلحة، لا استثناءً عابراً.
بل إن التاريخ العالمي يقدم أمثلة أكثر قسوة. خيانة "فيدكون كفيزلينغ" خلال الحرب العالمية الثانية أصبحت مرادفاً لغوياً للخيانة نفسها، ومع ذلك لم تُسقط النرويج، بل سقط الخائن وبقيت الدولة. وكذلك تسريب "كلاوس فوكس" لأسرار مشروع مانهاتن للاتحاد السوفيتي، الذي غيّر ميزان الردع النووي، لكنه لم يكن العامل الوحيد الحاسم في مسار الحرب الباردة.
من هنا، فإن اختزال انشقاق النور القُبّة في “ضربة معنوية قاصمة” هو قراءة سطحية تفتقر إلى فهم قوانين الصراع. فالعامل المعنوي، رغم أهميته، لا يصنع نصراً بلا أرضية مادية: لا تنظيم، لا إمداد، لا حاضنة اجتماعية، ولا رؤية استراتيجية. ومن يراهن على خيانة فرد، كمن يبني بيتا على كثبات رمال كردفان التي تحركها رياح السافل.
الأخطر من ذلك، أن الاحتفاء بالمنشقين يكشف خللاً أخلاقياً قبل أن يكون خطأً سياسياً. فمن باع موقعه مرة، لن يتردد في بيعه مرة أخرى حين تتغير المعادلات. التاريخ لا يمنح الثقة لمن اعتاد القفز بين متحركات الجيوش، بل يضعه في خانة الأدوات المؤقتة التي تُستخدم ثم تُلقى في ركن قصي من مزبلة التاريخ مرة وإلى الأبد.
ومن الأمثلة التي سارت بها الركبان حين خاطب نابليون احد الخونة الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس: (يد الإمبراطور لا تمتد لمصافحة الخونة)… والمعني هو ذلك الضابط الذي باع وطنه وقدم خدمة عظيمة لنابليون بونابرت، حتى إن التاريخ لم يعد يذكر اسمه؛ فقد تلاشى وتسرب من مسام ذاكرته، وأصبح يُشار إليه فقط بالخائن النمساوي. وهل يعي من تسول له نفسه بخيانة "الملح والملاح" كيف تكون النهايات؟
إن الحروب لا تُحسم بالخيانة، بل تُحسم بتراكم القوة وقوة القضية. وما لم تتوفر الشروط الموضوعية التي تحدث عنها ماركس من توازن قوى، وتنظيم، وإرادة سياسية فإن كل انشقاق، مهما ضُخّم، يظل مجرد خبر عابر في أرشيف صراع طويل بالتأكيد لن ينتهي بذهاب أحد.
وفي المحصلة، قد يحقق طرف نصراً في معركة عبر الخيانة، لكنه لا يستطيع أن يحسم حرباً من دون قضية يؤمن بها. فلو كان المنشق النور القبة الذي سار في ذلك الطريق الوعر يستند إلى قضية حقيقية، لما فكّر يوماً في الانضمام إلى معسكر يفتك بأهله مع كل شروق شمس وغروبها.
وهنا يتجلى معنى الخيانة في أبهى حلله قشابة كما صوّره الشعراء، إذ يقول المتنبي: (وَمِن بَلاءِ الدَّهر أنَّكَ تَرى الفَتى يَخونُ لِمَن أَحْسَنَ الوُدَّ مُنعِم)
فمن يعتاد الغدر لا يعرف للوفاء سبيلاً، وهو ما يؤكده قول الشاعر: (إذا كان الغدرُ في الناسِ طبعاً فلا تأمنْ لِمَن قد خانَ عهداً)
Sent from Outlook for iOS
|
|