سعر الصرف في السودان… حين تغيب السيادة النقدية وتتسع فجوة الانهيار!! كتبه عبدالمنعم على التوم

سعر الصرف في السودان… حين تغيب السيادة النقدية وتتسع فجوة الانهيار!! كتبه عبدالمنعم على التوم


04-12-2026, 01:19 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775953165&rn=0


Post: #1
Title: سعر الصرف في السودان… حين تغيب السيادة النقدية وتتسع فجوة الانهيار!! كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 04-12-2026, 01:19 AM

01:19 AM April, 11 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم

في مختلف مجالات الحياة - الطبية والهندسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية - يظل التشخيص الدقيق للمشكلة هو حجر الزاوية في بناء الحلول الناجعة. فلا يمكن وصف علاج صحيح دون فهم عميق لجذور الداء، إذ تقوم الخطة العلاجية بأكملها على دقة هذا التشخيص وموضوعيته ..
وفي الحالة السودانية، ظل الاقتصاد يعاني لسنوات طويلة من تدهور مريع، دون أن تلوح في الأفق رؤية واضحة أو حلول مبتكرة تحد من هذا الانحدار المستمر. والأسوأ من ذلك، غياب الاتفاق حول الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، خاصة فيما يتعلق بانهيار سعر صرف العملة الوطنية، الذي يُعد في تقديرنا المؤشر الأكثر صدقًا على صحة أي اقتصاد ...............!.
ورغم تعدد العوامل التي أسهمت في تدهور الاقتصاد السوداني، يركز هذا المقال على قضية سعر الصرف بوصفها إحدى العقد الجوهرية التي لم تجد علاجًا ناجعًا حتى اليوم. فمنذ انهيار نظام "بريتون وودز" في عام 1973، وما تبعه من تراجع دور الذهب كغطاء نقدي وصعود الدولار كعملة احتياط عالمية، دخل العالم مرحلة جديدة من إدارة النقد الأجنبي، اتسمت بقدر عالٍ من التنظيم والانضباط ...........
لقد أدركت الدول الرشيدة مبكرًا خطورة الفوضى في سوق النقد الأجنبي، فسعت إلى إحكام السيطرة عليه عبر بنوكها المركزية، التي أصبحت الجهة الوحيدة المختصة بتنظيم تدفقات العملات الأجنبية، بيعًا وشراءً، تحت مظلة قانونية صارمة. كما مُنحت البنوك التجارية دورًا تشغيليًا محدودًا، يعمل تحت رقابة دقيقة، بهدف بناء احتياطيات قوية من النقد الأجنبي، تُمكّن الدولة من إدارة تجارتها الخارجية، وتحقيق استقرار سعر الصرف، وحماية عملتها الوطنية من المضاربات، ومنع نشوء الأسواق الموازية ............!.
بل إن دولًا كبرى مثل الصين تفرض رقابة صارمة على تداول العملات الأجنبية داخل حدودها، إدراكًا منها أن السيادة النقدية تبدأ من التحكم الكامل في حركة النقد الأجنبي
أما في السودان، فتبدو الصورة على قدر كبير من التناقض والاضطراب. فمن جهة، تُجرّم الدولة تداول النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية، ومن جهة أخرى، تسمح لمؤسسات مثل الجامعات والفنادق بتلقي المدفوعات بالعملات الأجنبية، في تجاوز واضح لدور الجهاز المصرفي، وإضعاف مباشر لمكانة العملة الوطنية ....................!!!!!!
هذا التناقض لا يكتفي بتقويض هيبة الجنيه السوداني، بل يفتح الباب واسعًا أمام تنشيط السوق الموازي، حيث تُحارب الدولة صغار المتعاملين، بينما تُغض الطرف عن ممارسات تتم داخل "الدوائر المغلقة". وهو ما يعكس ازدواجية خطيرة في تطبيق السياسات، تُغذي الفساد وتُضعف الثقة في المؤسسات .............!!!.
وتتجلى المفارقة بصورة أكثر وضوحًا عند النظر إلى بعض الممارسات داخل مؤسسات التعليم أو المنظمات الدولية. ففي تجربة لدارس سوداني بإحدى الجامعات الصينية، طُلب منه تحويل الرسوم إلى العملة المحلية عبر البنك، رغم امتلاكه للدولار، في تأكيد صارم على سيادة العملة الوطنية. بينما في السودان، يُسمح بتداول العملات الأجنبية داخل مؤسسات محلية، في مشهد يعكس غيابًا مقلقًا للانضباط النقدي وتهميشا متعمدا لهيبة ومكانة الجنيه السودانى فى وطنه وبين جمهوره ........!
ولا تقف الإشكالية عند هذا الحد، إذ تسمح الدولة لبعض المنظمات الأجنبية بدفع رواتب موظفيها بالدولار داخل السودان، في تناقض صارخ مع القوانين التي تحظر تداول العملات الأجنبية. ويؤدي هذا السلوك إلى تغذية السوق الموازي، حيث يضطر الموظفون لتحويل رواتبهم إلى الجنيه السوداني عبر قنوات غير رسمية، مما يفاقم اختلالات السوق، ويخلق فجوة طبقية حادة بين دخول العاملين في تلك المنظمات وبقية العاملين في الدولة.
إن هذه الممارسات لا تمثل مجرد خلل إداري، بل تعكس أزمة عميقة في فهم مفهوم السيادة النقدية، وتُسهم بشكل مباشر في إضعاف العملة الوطنية، وتعزيز اقتصاد الظل، وتكريس عدم العدالة الاجتماعية
الخلاصة والحلول المقترحة :-
إن استعادة السيطرة على سوق النقد الأجنبي في السودان تتطلب إرادة سياسية حازمة، وإصلاحات مؤسسية جادة، تقوم على المبادئ التالية :-
ترسيخ مفهوم أن الجنيه السوداني رمز من رموز السيادة الوطنية، والعمل على حمايته قانونيًا وتجريميًا من أي انتهاك .....!.
إعادة تفعيل أجهزة الرقابة على النقد الأجنبي داخل البنك المركزي، وتوسيع نطاق إشرافها على البنوك التجارية
قصر تداول العملات الأجنبية على الجهاز المصرفي، ومنع أي قنوات موازية خارج هذا الإطار .
حظر دفع الرواتب داخل السودان بغير العملة الوطنية، وإلزام المنظمات والسفارات بالتعامل عبر النظام المصرفي الرسمي.
توجيه حصائل الصادرات بالكامل عبر البنك المركزي، باعتبارها موردًا سياديًا يخص الاقتصاد الوطني، لا الأفراد .
فرض ضوابط صارمة للإفصاح عن العملات الأجنبية عند الدخول والخروج من البلاد، للحد من تسربها إلى السوق الموازي .
إلزام المؤسسات الخدمية كالفنادق والجامعات بالتعامل بالجنيه السوداني، مع تنظيم عمليات التحويل للاجانب عبر القنوات الرسمية ..
وفي المحصلة، فإن ضبط سوق النقد الأجنبي لا يتحقق بالملاحقات الأمنية وحدها، بل عبر سياسات نقدية واضحة، وعدالة في التطبيق، وإزالة الازدواجية في الاختصاصات، بما يعيد الثقة و الطمأنينة في العملة الوطنية، ويضع الاقتصاد السوداني على طريق التعافي والاستقرار العادل .

تقديم/
عبدالمنعم على التوم
11 ابريل 2026