Post: #1
Title: هل ضاق وطننا على أبنائه؟ كتبه أحمد الملك
Author: أحمد الملك
Date: 04-11-2026, 06:49 PM
06:49 PM April, 11 2026 سودانيز اون لاين أحمد الملك-هولندا مكتبتى رابط مختصر
في زحمة الأخبار وتسارع المآسي، توقفت عند مقالٍ لصديقٍ على إحدى منصات التواصل، يروي فيه تفاصيل موجعة عن معاناة النازحين السودانيين في دول الجوار. لم تكن كلماته مجرد سردٍ عابر، بل شهادة حيّة عن أناسٍ تقطعت بهم السبل، لا سند لهم ولا معين، يواجهون قسوة الغربة وضيق الحال، بينما يثقل كاهلهم سؤال واحد: حتى متى سيتحتم عليهم مواجهة ظروف قاسية يتطاول زمانها؟
المؤلم أكثر، ليس فقط ما يعيشه هؤلاء خارج الحدود، بل ما يتردد داخلها من أصواتٍ ترفض استقبال من أجبرتهم ظروف الحرب على مغادرة ديارهم، وتضيق بهم في أرضٍ كان يفترض أن تسع الجميع. أحاديث عنصرية، ونزعات إقصاء، تتسلل في لحظةٍ يفترض أن تكون لحظة تضامن، لتكشف كيف يمكن للحرب أن تشوّه حتى أبسط القيم الإنسانية.
منذ اللحظة الأولى لاشتعال هذه الحرب، ارتفعت أصواتٌ عاقلة تنادي بإيقافها. وُصِف أصحابها بـ"دعاة لا للحرب"، وكأنهم يغردون خارج السرب، بينما كانت أصوات البنادق أعلى. لكن الأيام أثبتت أن تلك المخاوف لم تكن ترفًا فكريًا، بل قراءة واقعية لمآلات حربٍ عبثية لا تفرّق بين هدفٍ عسكري ومدني، ولا ترحم طفلًا أو شيخًا.
النتائج اليوم فادحة: ملايين الأطفال خارج المدارس، وآلاف الأرواح أُزهقت بسبب الجوع والأوبئة وانهيار الخدمات الصحية. مستشفيات وأسواق ومناطق مدنية تحولت إلى رماد وأنقاض، وملايين فقدوا مصادر رزقهم، يطاردهم النزوح من مكانٍ إلى آخر، وتلاحقهم الرسوم والإهانات، وحتى خطر الترحيل القسري دون أدنى اعتبار لإنسانيتهم أو ترتيب أوضاعهم قبل الشروع في رحلة العودة الى ديار مدمرة ودولة غائبة بمؤسساتها ومجتمع تنتاشه الفتن وأمان معدوم وموارد رزق شحيحة.
لكن الخطر الأكبر ربما لا يكمن فقط في الخسائر المادية والبشرية، بل في التآكل البطيء للنسيج الاجتماعي. ذلك النسيج الذي ظل، لعقود، متماسكًا رغم التنوع والاختلاف. لم تكن بلادنا يومًا ضيقة بأبنائها، بل كانت تسع الجميع، وتحتوي خلافاتهم عبر الأعراف والمؤسسات الأهلية التي كانت تصلح بين الناس وتعيد التوازن.
غير أن سياساتٍ قائمة على تأجيج الصراعات، وزرع الفرقة، وتسليح طرفٍ ضد آخر، عمّقت الشروخ، وفتحت أبوابًا لفتنٍ ما كان لها أن تتمدد بهذا الشكل. وما نراه اليوم ليس إلا امتدادًا لتلك السياسات التي قامت على مبدأ "فرّق تسد"، حتى كادت تعصف بوحدة الوطن.
في خضم كل ذلك، تبدو الحقيقة واضحة وبسيطة، رغم قسوتها: لا مخرج من هذا النفق إلا بإيقاف الحرب. لا حلّ يعلو فوق صوت إنهاء هذا النزيف، ثم التفرغ لمعالجة آثاره، وإعادة ترميم ما تصدّع من علاقات وثقة بين أبناء الوطن.
لأن الوطن، في نهاية المطاف، لا يُقاس باتساع جغرافيته، بل بقدرته على احتضان أبنائه… جميعهم، دون استثناء. #لا_للحرب.
|
|