من "الزريبة" إلى "عقلية الزريبة"- لماذا لم يتحول السودان إلى دولة مواطنة؟ زهير عثمان

من "الزريبة" إلى "عقلية الزريبة"- لماذا لم يتحول السودان إلى دولة مواطنة؟ زهير عثمان


04-11-2026, 05:51 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775926267&rn=0


Post: #1
Title: من "الزريبة" إلى "عقلية الزريبة"- لماذا لم يتحول السودان إلى دولة مواطنة؟ زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 04-11-2026, 05:51 PM

05:51 PM April, 11 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






السؤال الذي يخشى الجميع طرحه , السودان لا يعاني فقط من أزمات سياسية متعاقبة أو حروب أهلية متكررة، بل يواجه مأزقاً أعمق يتصل بجوهر وجوده: كيف تُعرّف الدولة "السوداني"؟
ومن الذي يُقصى قسراً باسم الهوية؟ منذ البداية، تشكّل وعي سياسي واجتماعي جعل بعض الناس "أكثر سودانية" من غيرهم، واضعاً البقية في "هامش" الوجود، حتى وهم داخل حدود الوطن
إنها ليست أزمة عارضة، بل امتداد لتاريخ طويل بدأ منذ تحوّل الأرض والإنسان إلى سلعة، ثم إلى فكرة استعلائية، وصولاً إلى نظام إقصاء مؤسسي مستمر
أولاً -من "الزريبة" بدأ كل شيء
حين اجتاح الغزو التركي-المصري السودان، لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان عملية إعادة صياغة قسرية للإنسان السوداني. في مناطق مثل دارفور وجبال النوبة وبحر الغزال، ظهرت "الزريبة" لا كموقع جغرافي فحسب، بل كنظام متكامل يتم فيه تصنيف البشر، وتُباع فيه الأجساد وتُشترى، وتوضع المجتمعات في درجات هرمية
من هنا نبت الانقسام الحقيقي مركز يرى في نفسه الوصاية والحضارة، وهامش يُعامل كأنه مادة خام أو رعية من الدرجة الثانية. هذا الوعي لم يمت برحيل الغزاة، بل تحور وتغيّر شكله ليتلاءم مع تقلبات الزمن

ثانياً ما بعد الاستقلال.. "سودنة" الهيمنة
في عام 1956، رحل الاستعمار الأجنبي، لكن "عقليته" بقيت مستقرة في كراسي الحكم. ما حدث ببساطة هو استبدال المستعمر بنخب محلية، واستبدال لغة السيطرة المباشرة بلغة "الوطنية" الفضفاضة
بقي الجوهر ثابتاً: هوية أحادية تُفرض كمعيار وحيد، وثقافة معينة تُقدّم للعالم وللداخل كأنها تمثل السودان بأكمله، ومركز يحتكر السيادة والموارد
النتيجة كانت ولادة سودان جديد بملامح وطنية، لكنه يحمل بداخلة نفس "الهرم الطبقي" القديم.

ثالثاً الإسلاميون.. قناع واحد وانقسامات داخلية
من الخطأ الفكري التعامل مع "الإسلاميين" ككتلة صماء، لكن من الخطأ التاريخي تجاهل ما فعلوه ببنية الدولة. يمكن قراءة المشهد من خلال ثلاثة مسارات "تيار الهيمنة" الذي وظف الدين لبناء تفوق اجتماعي وإقصاء الآخرين، و"تيار السلطة" الذي لم تهمه الفكرة بقدر ما همه التمكين عبر الحرب وأجهزة الدولة، وأخيراً "التيار الصامت" الذي أدرك حجم الخلل لكنه افتقر للشجاعة الأخلاقية للمواجهة. المحصلة النهائية كانت واحدة العنصرية لم تُكسر في عهدهم، بل جرت "شرعنتها" وأُعيد إنتاجها في صلب أجهزة الدولة
رابع العنصرية الصامتة.. كيف تُدار الهيمنة اليوم؟
العنصرية في السودان اليوم لا تعمل فقط عبر الشعارات الفجة، بل تُدار عبر "أنظمة صامتة" لا يلحظها إلا المكتوون بنارها. تتجلى هذه الهيمنة في "آلية التسمية" التي تحوّل مجموعات أصيلة إلى أوصاف مهينة، وفي "آلية الوظيفة" التي تحدد من يصل ومن يُستبعد، وفي "آلية المكان" حيث تبتلع الخرطوم ثلثي موارد البلاد بينما تُترك الأطراف للعدم، وأخيراً في "آلية الذاكرة" التي تحذف التاريخ الحقيقي للهامش من المناهج الدراسية. الإقصاء هنا لا يُعلن ببيان عسكري، بل يُمارس كفعل إداري واجتماعي يومي
خامساً - الأدب.. شهادة ضد الصمت الكبير
حين صمتت السياسة وتواطأت الدولة، كان الأدب هو "المشرحة" الحقيقية لهذا الواقع. كشف الطيب صالح عن التناقضات العميقة في الهوية، وذهب إبراهيم إسحق إلى عمق الهامش المنسي، فيما فتح بركة ساكن الجراح التي أراد الجميع إغلاقها بالصمت لم يكن الأدب السوداني ترفاً جمالياً، بل كان "وثيقة إدانة" وصرخة في وجه تزييف الوعي الجماعي، مؤكداً أن الجرح لن يبرأ ما دام المسكوت عنه مخبوءاً تحت عباءة الوطنية الزائفة
سادساً الأحزاب.. فشل بنيوي لا طارئ
لا يمكن إعفاء الأحزاب الكبرى من المسؤولية؛ فالأمة والاتحادي وحتى الحزب الشيوعي، فشلوا جميعاً في تغيير بنية المركز الفكرية والاجتماعية
بعضها ظل أسيراً للطائفية، وبعضها للنخب النيلية، وبعضها الآخر للشعارات المستوردة التي لم تلامس واقع "الزريبة" التاريخي. لقد تحدث الجميع عن السودان، لكن لا أحد منهم تجرأ على تفكيك "آلية الهيمنة" التي تمنحهم الوجود
والنتيجة كانت فقدان الثقة الشامل، مما دفع المظلومين للبحث عن خيارات بديلة، كان السلاح أوجعها
سابعاً الحقيقة المُرّة.. والعبور نحو المستقبل
السودان لم يفشل بسبب نقص الأفكار أو الموارد، بل بسبب رفض الاعتراف بالحقيقة الأساسية أننا ورثنا بنية تاريخية صنعت مواطنين من درجات متفاوتة، وأن هذه البنية لم تتغير بل غيّرت "أقنعتها" فقط
نحن اليوم أمام خيارين إما الاستمرار في نفس العقلية التي ستؤدي حتماً إلى نفس الحروب والتمزق، أو كسر القاعدة بالكامل وتأسيس "جمهورية المواطنة" التي تعترف بالتنوع كأصل، وتجعل العدالة في السلطة والثروة حقاً لا منحة
إن الذين يرفضون هذا النقاش اليوم بدعوى "الحفاظ على النسيج الاجتماعي" هم أكثر من يمزقه بصمتهم. سيكتشف الجميع غداً أن المواجهة الصادقة مع الماضي هي الطريق الوحيد للوحدة، وأن الصمت لم يوقف الانفجار يوماً.. بل أجّله فقط.