الحياة تخبرني بألا أنساق وراء الوهم.. لكن السؤال: فماهي الحقيقة؟ كتبه د. أمل الكردفاني

الحياة تخبرني بألا أنساق وراء الوهم.. لكن السؤال: فماهي الحقيقة؟ كتبه د. أمل الكردفاني


04-11-2026, 01:05 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775909101&rn=0


Post: #1
Title: الحياة تخبرني بألا أنساق وراء الوهم.. لكن السؤال: فماهي الحقيقة؟ كتبه د. أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 04-11-2026, 01:05 PM

01:05 PM April, 11 2026

سودانيز اون لاين
أمل الكردفاني-القاهرة-مصر
مكتبتى
رابط مختصر





الحقيقة لا يمكن فرزها، لأنها مندسة ضمن مجموعة هائلة من التشابكات. ما قد يكون وهماً هنا قد يكون حقيقة هناك. ولذلك فإن اختيارات الإنسان -بالرغم مما يبذله من جهود قصوى للتحقق - تظل خيارات مؤسسة على الاحتمال. قد تنجح العشوائية وقد تخسر الدراسات الدقيقة، لا شيء مضمون.
قيام حرب فجأة قد ينسف كل دراسات الجدوى السابق إعدادها لمشروع ما، وقد تؤدي ذات الحرب إلى نجاح فائق لمشروع آخر لم يخضع لأي دراسات سابقة. انغلاق مضيف فجأة، حدوث براكين فجأة، تغيُّر أنظمة سياسية فجأة، انهيار وإفلاس بنك، حرق بائع خضروات لنفسه، فراشة ترف على طوكيو..الخ كل ذلك قد يغير مجرى أحداث بعيدة كل البعد عند التخطيط والدراسة لذلك المشروع. وبالتأكيد فإن كل الدراسات تتعامل مع الأوضاع التي تبدو معتادة من جهة كما لا يمكنها وضع كافة الاحتمالات والمخاطر في الاعتبار من جهة اخرى.

ها هي الحقيقة منجرة في طمي من الظنون، ولذلك فإنها لا تخضع لمعايير؛ مما يجعلنا نشكك في كونها حقيقة بقدر ما هي مفترض كحقيقة. فلماذا تطرحها الحياة كحالة متكشِّفة.
لا أدل على ذلك من القانون، والذي لديه عشرات الحقائق، هناك الحقيقة القانونية المحضة؛ أي تلك العناصر التي يجب أن تتوفر جميعها لتعبِّر في مجموعها عن الحقيقة كما يتطلبها القانون، وليس الحقيقة الواقعية، هذه الأخيرة التي حينما لا تتطابق مع الحقيقة القانونية فإنها تتعرض للإزاحة القاسية والتهميش. فوق هذا فالحقيقة القانونية هي نفسها -وبرغم ما تبدو عليه من صلابة لتوفر العناصر المتطلبة- فإنها بدورها شديدة الهشاشة في ظروف أخرى استثنائية، حين يكون اطراف الصراع القانوني من أصحاب الشوكة، في مقابل الحقيقة القانونية الصلبة عندما يكون أطراف الخصومة من الضعفاء، هذا ونحن لا نتجاهل أيضاً تلك اللغة الفضفاضة التي يستخدمها القانون ليمنح السلطة التنفيذية سلطة تقديرية واسعة أو يفوضها كبديل للسلطة التشريعية. هذا إذا افترضنا أن السلطة التشريعية هي تعبير حقيقي عن إرادة الشعب وليس الفئة المسيطرة. ويمكننا الدفع بهشاشة الحقيقة لأقصاه حينما ننتقل إلى القانون الدولي العام الذي لا يزال يخضع لجدل عقيم بين فقهائه.
لذلك نعود للسؤال: لماذا تخبرني الحياة بألا أنساق وراء الوهم. فما هي الحقيقة؟
هل تتجلى الحقيقة سوى في اللحظة الراهنة لا قبلها ولا بعدها، الحقيقة كما هي الآن، كما أعيها الآن، كما تتفاعل معها كينونتي.. الآن.. لا قبل ثانية ولا بعد ثانية؟ من حيث كون الحقيقة محايثة لا مفارقة، وبالتالي هي تتجلى بالميلاد وتنطفيء بالموت وبين الميلاد والحياة هناك مليارات الحقائق التي تتبادل الإنكشاف والغياب. ____(ميلاد.. حقيقة وهم، حقيقة وهم، حقيقة وهم...موت)____.
لذلك، لا يمكننا اصطياد الحقيقة، إذا كانت مجرد تدفق عكسي للذكريات، الذكريات القابلة للتحرير، للإلغاء بالزهايامر، التبديل بغسيل المخ، التعزيز بالضخ والتعذيب المستمر، والتزييف بحسب تطورات التكنولوجيا. فعلى المستوى الذاتي والموضوعي، لا يمكن للحياة أن تطالبني بالحقيقة، ولا أن تحاسبني على الوهم.
لكنها في الواقع تفعل ذلك لتمارس القهر المزمن للإنسان. وهذا القهر هو ما يجعل الحقيقة حقيقة، لأنه يربط بين أحاسيسنا والزمن والواقع والوقائع في خط واحد.. ويجعلنا نشعر بأن الحقيقة يمكن أن تخضع لمعادلة رياضية. وهنا تنشأ داخلنا أكذوبة الاختيار.. إمكانية أن نختار، أن نختار بين الحقيقة والوهم لنتمكن من تجاوز القهر المزمن. لكن هذا الاختيار الذي نقوم به، أو نظن بأننا نقوم به هو في الواقع ما يمنح القهر شرعيته هو كحقيقة. لذلك قد يلجأ البعض إلى ما يسمى بنظرية الفعل الأقل.
وهذا ما ساتناوله في سعة أخرى من الزمن بحسب المزاج.
-----