اقتصاد الجباية أم اقتصاد الإنتاج؟ قراءة في مأزق الدول الفقيرة !! كتبه عبدالمنعم على التوم

اقتصاد الجباية أم اقتصاد الإنتاج؟ قراءة في مأزق الدول الفقيرة !! كتبه عبدالمنعم على التوم


04-10-2026, 10:46 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775857599&rn=0


Post: #1
Title: اقتصاد الجباية أم اقتصاد الإنتاج؟ قراءة في مأزق الدول الفقيرة !! كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 04-10-2026, 10:46 PM

10:46 PM April, 10 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم

يُعدّ علم الاقتصاد علماً اجتماعياً متجدداً، يقوم على الابتكار والتطور المستمر، ويعنى في جوهره بإدارة الموارد الشحيحة بما يحقق أقصى قدر ممكن من الأهداف الاقتصادية والرفاه الإنساني. وهو علم يسعى إلى تعظيم الإنتاج، وتوفير متطلبات الحياة، وفتح آفاق العمل الكريم بما يضمن حياة أفضل للمجتمعات. لذلك عرّف علماء الاقتصاد الإنتاج في أحدث صوره بأنه: كل جهدٍ يبذله الإنسان، ذهنياً كان أو عضلياً، ويحقق منفعة تسهم في إشباع حاجات الناس.
وعبر الحقب التاريخية المختلفة، وربما منذ عصور موغلة في القدم كعهد حمورابي، برز عامل مشترك في سقوط كثير من الدول التي انتهت إلى مزبلة التاريخ، وهو اعتمادها المفرط على الضرائب والجبايات كمصدر رئيسي لتمويل الدولة. حينها تتحول الدولة إلى كيان يقتات من جيوب مواطنيه، بدلاً من أن يكون راعياً لمصالحهم ومحفزاً لإنتاجهم ويترتب على ذلك خلق الفساد و الرشوة و المحسوبية و الشواهد على ذلك كثيرة وثابتة ..
فالمواطن البسيط، الذي يسعى بجهده لتأمين لقمة العيش له ولأسرته، يجد نفسه محاصراً بسيلٍ من الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة، تُفرض تحت ذرائع متعددة، في ظل غياب بدائل إنتاجية حقيقية لتمويل الخزينة العامة. ويؤدي هذا النهج إلى نشوء بيئة خصبة للفساد، حيث تصبح جباية الأموال أسهل بكثير من خلق القيمة عبر الإنتاج الحقيقي.
إن الأموال المتأتية من الجبايات لا تستند إلى نشاط إنتاجي حقيقي، بل تسهم في تغذية معدلات التضخم، وتؤدي إلى إضعاف العملة الوطنية، نتيجة ضخ أموال غير مدعومة بإنتاج فعلي في الدورة الاقتصادية. وهذا يعكس خللاً في الرؤية الاقتصادية، وغياباً للابتكار، وعدم قدرة على التمييز بين السياسات الرشيدة وتلك التي تضر بالاقتصاد على المدى الطويل، .
وفي المقابل، فإن بناء اقتصاد متماسك يتطلب البحث عن مصادر حقيقية للدخل القومي، قائمة على الإنتاج والعمل، واستثمار الموارد الوطنية بكفاءة، إلى جانب تفعيل الأجهزة الإحصائية لرصد الإمكانيات الاقتصادية بدقة. وعندها فقط يدرك المواطن أن بلاده تمتلك من الموارد ما يكفيها ويزيد، وأنها قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية بسلعها ومنتجاتها.
ويؤكد علماء الاقتصاد أنه لا توجد وصفة اقتصادية واحدة تصلح لجميع الدول؛ فلكل دولة خصوصيتها التي تفرض عليها تبني سياسات تتماشى مع واقعها. فهناك دول تعتمد على الصناعة، وأخرى على الزراعة أو الثروة الحيوانية، وثالثة على السياحة أو حتى تجارة السلاح. وتكمن الحكمة في قدرة الدولة على توظيف مواردها بما يحقق لها الاستقرار والنمو.
أما أكثر الدول فشلاً، فهي تلك التي تعتمد على دخول مواطنيها كمصدر أساسي للإيرادات، دون أن تبذل جهداً حقيقياً في خلق موارد ذاتية. وكما يقول المثل السوداني: " الشراب من أيادي الرجال عطش"، في إشارة بليغة إلى أن الاعتماد على الآخرين أو على جيوب المواطنين لا يصنع اقتصاداً مستقلاً......!!
ومن أخطر الأخطاء التي تقع فيها بعض الدول، تبني سياسات اقتصادية لا تشبه واقعها. فكثيراً ما يُفتن بعض المسؤولين بتجارب خارجية، فيحاولون استنساخها دون مراعاة الفوارق الجوهرية في البنية الاقتصادية. وقد شهد السودان نماذج لذلك، حين تولى بعض الكفاءات العائدة من الخارج مناصب عليا، فحاولوا تطبيق نماذج اقتصادية مستوردة لا تنسجم مع الواقع المحلي ، مما أدى إلى نتائج عكسية رغم الإمكانيات الهائلة التي يتمتع بها البلد . فالسودان ، بما يملكه من موارد زراعية ومعدنية وثروة حيوانية، فضلاً عن موقعه الجغرافي المتميز كبوابة لإفريقيا ، يمتلك مقومات نهوض اقتصادي حقيقي. غير أن التركيز على الجبايات بدلاً من استثمار هذه الموارد يظل عائقاً أساسياً أمام تحقيق التنمية المنشودة
الخلاصة :-
إن الاعتماد على الضرائب والجبايات ورفع الرسوم لا يشكل حلاً للدول الفقيرة، بل يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية، ويغذي التضخم، ويضعف العملة الوطنية. إن الحل الحقيقي يكمن في إحكام السيطرة على عائدات الصادرات من النقد الأجنبي، ووضع سياسات رقابية فعالة على حركة النقد، مع ترسيخ مكانة العملة الوطنية كرمز للسيادة، وحصر التعامل بالنقد الأجنبي داخل القنوات المصرفية الرسمية.
فالدول لا تُبنى بالجباية، بل تُبنى بالإنتاج .......!!!

تقديم/
عبدالمنعم على التوم
10 ابريل 2026