الشاب منذر: صوت الضمير السوداني في وجه العتمة كتبه الصادق حمدين

الشاب منذر: صوت الضمير السوداني في وجه العتمة كتبه الصادق حمدين


04-10-2026, 10:45 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775857520&rn=0


Post: #1
Title: الشاب منذر: صوت الضمير السوداني في وجه العتمة كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 04-10-2026, 10:45 PM

10:45 PM April, 10 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







تحت عنوان (عاااجل وهام منذر يوجه رسالة قوية جداً لاهل دلقو بخصوص الخطابات العنصرية اتجاه نازحي دارفور).
أودّ التأكيد أن التعميم هنا لا علاقة له بكاتب المقال، إذ لا يمكن افتراض أن جميع أهل دلقو يتبنون خطاباً عنصرياً. فمثل هذه الأحكام المطلقة تفتقر إلى الدقة والإنصاف، ولا تعبّر عن تنوّع الآراء والمواقف داخل أي مجتمع.

في خضم الضجيج الذي تصنعه الخطابات المتشنجة، وقعتُ مصادفة على مقطع فيديو متداول لشاب يافع يفيض حضوراً ونبلاً، يتناول بجرأة وصدق ما أثير من لغط حول النزعات العنصرية تجاه نازحي دارفور في الولاية الشمالية. كان حديثه مختلفاً؛ لا لأنه مجرد رأي، بل لأنه صوت ضمير حيّ يخرج من أعماق إنسان صادق.

ذلك الشاب اليافع، منذر، لم يكن مجرد متحدث عابر، بل نموذجا نادرا لشاب يحمل في داخله جمال الخُلق وصفاء الرؤية. ورغم أنني لم أتشرف بمعرفته، إلا أنني شعرت بأن معرفته شرفٌ بحد ذاته، فمثله تُطلب معرفتهم وتُحتفى مواقفهم. لقد أنصتُّ إلى كلماته بهدوء، فإذا بها تخفف عن كاهلي ثقل همٍّ وطني، وتعيد إليّ يقينا كاد يتلاشى: أن السودان، ما دام فيه أمثال الشاب الطامح منذر ممن يفيضون تسامحاً وإنسانية، لا يزال بخير.

في زمن تتكاثر فيه الجراح حتى تكاد تُغلق منافذ الأمل، يخرج من بين الركام صوت شاب صادق، كأنه نداء ضمير طال غيابه، ليعيد ترتيب المعاني المختلّة ويضع النقاط فوق حروف الحقيقة المغيبة. ذلك هو منذر؛ ليس مجرد شاب عابر في فضاء القول، بل قيمة أخلاقية تمشي على قدمين، وضمير وطن يأبى أن يُختزل في خطاب كراهية أو نزعة إقصاء.

لقد جاء حديثه كصفعة واعية على وجه التردّي الأخلاقي الذي يتلبّس بعض الخطابات تجاه نازحي دارفور، تلك الخطابات التي لا تعبّر إلا عن خواء إنساني وفقر في البصيرة قبل أن تكون انحرافا في الموقف. منذر لم يجامل، ولم يوارب، بل سمّى الأشياء بأسمائها، وواجه العنصرية بجرأة من يعرف أن السكوت عنها خيانة، وأن التهاون معها يفتح أبواب الخراب على مصاريعها.

حين قال إن الأرض لا يملكها أحد، وإنها ليست إرثاً يُحمل إلى الجنة أو النار، كان يعيد التذكير بحقيقة بديهية غابت عن عقول استبدّت بها أوهام الامتلاك الزائف. وحين قارن بين رفض البعض لعنصرية الخارج وقبولهم لها في الداخل، فقد عرّى ازدواجيةً فجة لا يمكن تبريرها بأي منطق أو دين أو عرف.

أما أولئك الذين يتشدّقون بفزاعة “التغيير الديموغرافي” في وجه أناسٍ مشرّدين أنهكتهم الحرب، فقد وضعهم منذر أمام مرآة قاسية: كيف لإنسانٍ أن يخشى على تركيبة سكانية بينما هناك من يُقتل ويُغتصب ويُسلب كل شيء؟ أي انحطاط أخلاقي يجعل الإنسان يقدّم هواجسه الوهمية على مآسي الآخرين الحقيقية؟

إن خطاب العنصرية والجهوية ، أيًا كان مصدره، ليس رأياً يُحترم، بل انحدار يُدان. هو إعلان صريح عن فشل أخلاقي، وعجز عن التعايش، وضيق أفق لا يليق بوطن بحجم السودان وتاريخه وتنوّعه. ومن يروّج له، أو يصمت عنه، إنما يشارك في تمزيق ما تبقى من نسيج هذا البلد المنهك.

في المقابل، يأتي منذر ومن يشبهه كدليل حيّ على أن السودان لم يفقد روحه بعد. هؤلاء الشباب، الذين يتكلمون بلغة العدالة لا العصبية، وبمنطق الإنسانية لا القبلية، هم الرهان الحقيقي على مستقبلٍ مختلف. هم الذين يدركون أن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، بل بالتكامل، ولا يُحمى بالكراهية، بل بالتسامح.

إن الإشادة بمنذر ليست مجاملة لشخصه، بل اعتراف بقيمة الموقف الذي يمثّله. هو فخرٌ للسودان، لا لأنه قال ما يُرضي، بل لأنه قال ما يجب أن يُقال. ولأن صوته جاء في وقت عزّت فيه الأصوات النزيهة، فقد كان أشبه بومضة نور في ليل كثيف العتمة.

سيجد السودان طريقه إلى السلام، لا عبر البنادق ولا عبر شعارات جوفاء، بل عبر أمثال هؤلاء الشباب الذين يملكون شجاعة المواجهة ونقاء الرؤية. أما دعاة العنصرية، فمهما علا صخبهم، فهم إلى زوال، لأن التاريخ لا يرحم من يقف في وجه الإنسانية، ولا يخلّد إلا من انتصر لها. لك التحية أيها الشاب، لقد انذرت بعض من قومك بناصح القول علهم يهتدون.

Sent from Outlook for iOS