من جيش الضبط الاستعماري إلى عنف الدولة الحديثة- من تشكيل قيادة هيئة الاركان الراهن إلى البنية التار

من جيش الضبط الاستعماري إلى عنف الدولة الحديثة- من تشكيل قيادة هيئة الاركان الراهن إلى البنية التار


04-09-2026, 00:53 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775692407&rn=0


Post: #1
Title: من جيش الضبط الاستعماري إلى عنف الدولة الحديثة- من تشكيل قيادة هيئة الاركان الراهن إلى البنية التار
Author: خالد كودي
Date: 04-09-2026, 00:53 AM

00:53 AM April, 08 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر




من جيش الضبط الاستعماري إلى عنف الدولة الحديثة- من تشكيل قيادة هيئة الاركان الراهن إلى البنية التاريخية
السودان وأمريكا في مرآة التاريخ المقارن

4/8/2026 خالد كودي، بوسطن

تمهيد: من تشكيل قيادة هيئة الاركان الراهن إلى البنية التاريخية
أثار التشكيل الأخير لقيادة هيئة الأركان ردود فعل متباينة؛ بين من عبّر عن الدهشة، ومن أبدى الاستنكار، ومن حاول تفسيره باعتباره ظرفًا عابرًا. غير أنّ القراءة المتأنية، المستندة إلى التاريخ الاجتماعي–السياسي للمؤسسة العسكرية في السودان، تكشف أن ما يبدو اليوم صادمًا للبعض ليس سوى النتيجة المنطقية لمسارٍ طويل من إعادة إنتاج السلطة داخل دائرة اجتماعية محددة. فتمركز القيادة العليا في يد مجموعات إثنية وجهوية بعينها من الشمال النيلي لا يمثل انحرافًا طارئًا، بل امتدادًا لبنية تأسست تاريخيًا على الانتقاء، لا التمثيل- لاجديد هنا!
وتزداد هذه الصورة وضوحًا إذا ما استُحضر سياق إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية منذ استيلاء نظام الإنقاذ على السلطة في يونيو 1989. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد الكلية الحربية—بوصفها البوابة الأساسية لإنتاج الضباط—فضاءً وطنيًا مفتوحًا، بل تحوّلت تدريجيًا إلى آلية فرز أيديولوجي واجتماعي، تُشترط فيها الانتماءات السياسية والولاءات الضيقة، حيث تداخل معيار الانتماء إلى الحركة الإسلامية مع الانتماء إلى مجموعات اجتماعية محددة، ليُنتج ذلك نواة صلبة للقيادة نراها اليوم في أعلى هرم المؤسسة. وهكذا، لم يكن الإقصاء مجرد نتيجة، بل سياسة واعية لإعادة هندسة الجيش وفق تصور محدد للسلطة والدولة.
من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع التشكيل الراهن بوصفه مفارقة، بل ينبغي قراءته كمرآة مكثفة لبنية أعمق. فالمؤسسات العسكرية، في جوهرها، ليست كيانات محايدة تُولد من فراغ، بل هي تعبير تاريخي عن توازنات القوة داخل المجتمع، وأداة لإدارتها. لذلك، فإن فهم الجيش السوداني يقتضي العودة إلى شروط نشأته الاستعمارية، وإلى الكيفية التي جرى بها توظيفه كجهاز لضبط المجال، لا كوعاء جامع للأمة.
وفي هذا السياق، يكتسب المنظور المقارن أهمية خاصة. إذ لا يقتصر هذا النمط على السودان وحده، بل نجد له نظائر في تجارب أخرى، من بينها نشأة أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة، التي تعود جذورها إلى دوريات مطاردة العبيد، قبل أن تتطور لاحقًا إلى مؤسسات نظامية ما تزال، في كثير من الحالات، تعكس اختلالات تاريخية في توزيع العنف والسلطة.
وعليه، فإن هذه المقالة لا تسعى إلى المقارنة بوصفها تمرينًا نظريًا، بل إلى الكشف عن منطقٍ بنيوي مشترك: كيف تتحول مؤسسات العنف، التي تُنشأ لحماية نظام اجتماعي معين، إلى أدوات لإعادة إنتاجه، حتى بعد تغير الشروط السياسية التي أنشأته. من هذا المدخل، يمكن إعادة قراءة الجيش السوداني—لا كاستثناء—بل كجزء من تاريخ أطول، تتقاطع فيه السلطة، والهوية، والعنف، في تشكيل الدولة الحديثة.

أولًا: الجيش السوداني—من جهاز استعماري إلى مؤسسة احتكار النخبة
تعود جذور الجيش السوداني الحديث إلى مرحلة الحكم التركي–المصري (1821–1885)، حيث لم يُنشأ الجيش بوصفه تعبيرًا عن مجتمع، بل كأداة للسيطرة على المجال الجغرافي واستخراج الموارد، بما في ذلك البشر أنفسهم ضمن اقتصاد الرق. لقد كان الجيش، منذ لحظة التأسيس الاولي، جهازًا وظيفيًا يخدم السلطة المركزية، لا مؤسسة وطنية جامعة.
مع دخول الاستعمار البريطاني–المصري (1898–1956)، أعيد تشكيل هذه المؤسسة وفق منطق أكثر حداثة، لكنه لم يكن أقل إقصاءً. فقد اعتمدت الإدارة الاستعمارية على ما يُعرف في الأدبيات بـ"سياسات التجنيد الانتقائي"، حيث جرى تفضيل مجموعات اجتماعية محددة من شمال ووسط السودان، واعتُبرت "أكثر طاعةً وولاءً للمستعمر"، في مقابل استبعاد واسع لمناطق الهامش، خاصة جنوب السودان، جبال النوبة، ودارفور والشرق.
هذا النمط لم يكن عرضيًا، بل يعكس ما يسميه المؤرخون بـ "الدولة الاستعمارية الوسيطة"
(Indirect Rule)
حيث تُحكم الأطراف عبر وسطاء محليين موثوقين. وهكذا، لم يكن الجيش أداةً للوحدة الوطنية، بل أداةً لإدارة التفاوت.
بعد الاستقلال في 1956، لم يحدث تحول جذري في هذه البنية. بل استمر الجيش بوصفه الامتداد الأكثر صلابة للدولة المركزية، التي ورثت بدورها منطق الاستعمار دون تفكيكه. ومنذ أول انقلاب عسكري في 1958، أصبح الجيش أداة للسلطة، ومنتجًا لها.

ثانيًا: الولايات المتحدة—من دوريات مطاردة العبيد إلى الشرطة الحديثة والجيش الإمبراطوري
في السياق الأمريكي، لا يمكن فهم أجهزة العنف الرسمية—الشرطة والجيش معًا—خارج التاريخ الطويل للعنصرية بوصفها بنية تأسيسية، لا مجرد انحراف أخلاقي عارض. صحيح أن الشرطة في الجنوب الأمريكي نشأت، في صورتها المبكرة، من دوريات مطاردة العبيد في القرن الثامن عشر، خاصة في ولايات مثل كارولاينا الجنوبية وفيرجينيا، وكانت مهمتها الأساسية تعقب العبيد الهاربين، ومراقبة تحركات السود، وقمع أي تمرد محتمل؛ لكن الأهم من ذلك أن هذه الوظيفة لم تكن أمنية فحسب، بل كانت اقتصادية–سياسية: حماية نظام الملكية نفسه، لأن الجسد الأسود المستعبَد كان جزءًا من رأس المال، وكان ضبطه شرطًا لاستمرار النظام الاجتماعي كله.
بعد الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) وإلغاء العبودية رسميًا بالتعديل الثالث عشر عام 1865، لم ينته هذا المنطق، لأن الإلغاء نفسه تضمّن استثناءً بالغ الدلالة: جواز السخرة والعمل القسري كعقوبة على الجريمة. ومن هنا أعيد إنتاج السيطرة على Black Codesالسود عبر مايسمي بالقوانين السوداء
Convict Leasing ثم عبر نظام الإدانة التأجيرية
حيث تحولت أجهزة الشرطة والمحاكم والسجون إلى أدوات لالتقاط السود من المجال العام وإعادتهم إلى دورة عمل قسري مقنّع. ثم جاءت مرحلة "جيم كرو" في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لتمنح هذا الترتيب شكلًا قانونيًا ومؤسسيًا أرسخ، بحيث لم تعد الشرطة مجرد جهاز لحماية الأمن، بل أداة لحراسة الحدود العرقية في الفضاء العام: من يسكن أين، ومن يتحرك كيف، ومن يحق له أن يشعر بالأمان ومن يُفرض عليه أن يعيش تحت الاشتباه الدائم!
غير أن العنصرية الأمريكية لم تتموضع في الشرطة وحدها. فالجيش الأمريكي نفسه يحمل، في تاريخه، وجوهًا متعددة لنفس البنية. فمن جهة، استُخدم الجيش في القرن التاسع عشر في حروب الإبادة والإخضاع ضد السكان الأصليين، فكان أداة لاقتلاع الشعوب الأصلية من أراضيها وفرض السيادة الاستيطانية البيضاء على المجال. ومن جهة أخرى، ظل الجيش نفسه مؤسسة مفصولة عرقيًا لفترة طويلة؛ إذ بقيت الوحدات العسكرية منفصلة على أساس اللون حتى صدر الأمر التنفيذي رقم 9981 عام 1948 في عهد الرئيس ترومان، الذي نصّ على إنهاء التمييز العنصري في القوات المسلحة. ومع ذلك، فإن الإلغاء القانوني للفصل لم يُنهِ فورًا البنية الاجتماعية العميقة للتمييز، بل بدأ مسارًا بطيئًا من الدمج، ظل يتعايش لعقود مع فروق في الترقي، والتمثيل القيادي، والثقافة المؤسسية...
ومن هنا، فإن التجربة الأمريكية تكشف أن العنصرية لم تعمل فقط عبر الاستبعاد المباشر، بل أيضًا عبر الإدماج غير المتكافئ. فالجيش الأمريكي، بخلاف الشرطة في أصلها الجنوبي، أصبح مع الزمن واحدًا من أكثر مؤسسات الدولة تنوعًا من حيث التجنيد القاعدي، بل إن السود وغيرهم من الأقليات وجدوا فيه، في بعض اللحظات، مجالًا للصعود الاجتماعي النسبي مقارنة ببنى مدنية أخرى. لكن هذا لا يلغي أن هذا الإدماج جرى في كثير من الأحيان داخل مؤسسة خدمت، خارجيًا، مشاريع توسع وهيمنة عالمية، وداخليًا، لم تتحرر كليًا من تراتبيات العرق والطبقة. أي أن الأمريكي الأسود قد يُستدعى ليكون جزءًا من آلة الدولة في الخارج، بينما يبقى، في الداخل، عرضة للاشتباه أو للعنف الشرطي أو للتمييز البنيوي. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الدولة الحديثة قسوة: أن تدمجك بوصفك جنديًا، لكنها لا تعترف بك كامل الاعتراف بوصفك مواطنًا!
وفي القرن العشرين، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الولايات المتحدة تشهد مسارًا إصلاحيًا مهمًا، تحت ضغط حركات الحقوق المدنية، والنقابات، والمنظمات القانونية، والصحافة الحرة. فصدرت تشريعات مفصلية مثل قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، وتكرّست آليات رقابية متنوعة، من القضاء الفدرالي إلى وزارة العدل، ومن لجان المراجعة المدنية إلى الصحافة الاستقصائية، ثم لاحقًا إلى التوثيق الرقمي الشعبي عبر الهواتف الذكية والإنترنت. هذا كله لم يقضِ على العنصرية المؤسسية، لكنه نقلها من وضعية المسلّمة الصامتة إلى وضعية النزاع المفتوح والمساءلة العامة. ولذلك أصبحت الشرطة الأمريكية، رغم استمرار عنفها الانتقائي، خاضعة على الأقل لإمكان الفضيحة، والمحاكمة، والتوثيق، والضغط الشعبي.
أما الجيش الأمريكي، فرغم تاريخه في الحروب الاستيطانية، والفصل العنصري، والتفاوتات البنيوية، فقد عرف كذلك تحولات تنظيمية وقانونية ومجتمعية جعلت الحديث عنه اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد وصفه كأداة جامدة لعنصرية القرن التاسع عشر. لقد تطور، وتنوع، وخضع لإصلاحات وضغوط، وفتح—ولو نسبيًا—مسارات صعود داخل بنيته. وهذا لا يبرّئه، بل يوضح أن المؤسسات يمكن أن تتحرك تاريخيًا حين توجد حريات عامة، ورقابة مدنية، وقضاء مستقل، وصحافة حرة، وتقاليد احتجاج متجذرة.

ثالثًا: المقارنة—تطوّر أمريكي نسبي وجمود سوداني بنيوي
هنا تبرز المقارنة الأذكى والأكثر أهمية: فالمشترك بين السودان والولايات المتحدة ليس التطابق، بل أن كلتيهما تكشفان كيف تتأسس مؤسسات العنف داخل سياقات لا متكافئة؛ غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن التجربة الأمريكية، رغم تاريخها الثقيل، عرفت مسارات مراجعة وتعديل ومساءلة، بينما ظل الجيش السوداني، في بنيته العميقة، أقرب إلى الثبات المغلق منه إلى التطور المؤسسي.
فالشرطة الأمريكية لم تعد اليوم هي نفسها دوريات العبيد، والجيش الأمريكي لم يعد هو نفسه جيش الحروب ضد السكان الأصليين أو جيش الفصل العنصري القح. ما زالت آثار تلك البدايات حاضرة بقوة، نعم، لكنّها آثار تُقاوَم وتُراجع وتُفضح وتُناقش في المجال العام. هناك قوانين، ومحاكم، وصحافة، وجامعات، وأرشيف، ومنظمات حقوقية، ومنصات رقمية، كلها تشارك في زعزعة الرواية الرسمية. أما في السودان، فإن المؤسسة العسكرية لم تمر أصلًا بعملية تأسيس وطني حقيقية تعيد تعريفها على قاعدة التعدد والمواطنة. لم يُفكك منطق الانتقاء الاجتماعي والجهوي، ولم تُبنَ منظومة مستقلة للرقابة المدنية، ولم تتكرس حرية صحافة قادرة على اقتحام المحظور العسكري، ولم تستقر تقاليد قانونية تفرض على الجيش أن يشرح نفسه للأمة او الشعب).
بهذا المعنى، فإن الجيش السوداني يبدو، مقارنةً بالتجربة الأمريكية، أقل تطورًا مؤسسيًا لا لأنه أكثر "تقليدية" فقط، بل لأنه ظل محميًا من المساءلة التاريخية نفسها. لقد بقي قريبًا من أصله الأول: أداة لضبط الدولة من أعلى، لا تعبيرًا عن المجتمع من داخله. وإذا كانت الولايات المتحدة قد نقلت عنصريتها المؤسسية من اليقين القانوني إلى ساحة الصراع العلني، فإن السودان لم ينجح حتى الآن في فتح هذه الساحة على نحو جدي ومستدام. ولذلك فإن العنصرية في بنيته العسكرية لا تظهر فقط في الممارسة، بل في التكوين ذاته، وفي خرائط الترقي، وفي من يحتكر القرار، وفي من يُقدَّم بوصفه "الأكثر أهلية" لتمثيل الوطن وحمل سلاحه الشرعي.

رابعًا: القيادة الحالية للجيش السوداني—التماثل لا بوصفه مصادفة بل باعتباره منطقًا
في ضوء هذا الفهم التاريخي المقارن، لا تبدو التركيبة الحالية لقيادة الجيش السوداني مجرد اختلال تمثيلي عابر، بل تعبيرًا مكثفًا عن بنية لم تتغير. فالتماثل الاجتماعي والجهوي داخل القيادة العليا لا يجب أن يُقرأ بوصفه خللًا رمزيًا فقط، بل كدليل على استمرار احتكار فعلي لمراكز تعريف الأمن والسيادة والقرار العسكري. إن المسألة هنا ليست في أسماء الأفراد، بل في القاعدة التي تجعل هذه الأسماء ممكنة بهذا الانتظام المكرر.
وهذا الاحتكار ينتج آثارًا شديدة الخطورة. أولًا، يعيد إنتاج التهميش على مستوى الدولة نفسها، لأن قطاعات واسعة من السودانيين تُقصى، عمليًا، من المشاركة في تعريف معنى الأمن الوطني ومؤسساته العليا. ثانيًا، يحول الجيش من مؤسسة يُفترض أن تجسد الإرادة العامة إلى جهاز فئوي يحرس توازنات تاريخية ضيقة. وثالثًا، يعمق أزمة الشرعية، خاصة في مناطق الهامش التي لا ترى في هذه المؤسسة تعبيرًا عن نفسها، بل امتدادًا داخليًا لتاريخ من الإخضاع والإقصاء.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بمجرد "تنوع" شكلي داخل القيادة، بل بسؤال أعمق: هل الجيش في السودان مؤسسة وطنية بالفعل، أم أنه ما يزال يحمل، تحت لافتات الوطنية، بنية اجتماعية مغلقة تحتكر العنف والقرار والرمز معًا؟ هذا هو السؤال الذي يجعل المقارنة مع الولايات المتحدة مفيدة: ليس لتبرئة أي تجربة، بل لإظهار أن المؤسسات التي لا تُسائل تاريخها تبقى سجينة له، وأن الدولة التي لا تعيد توزيع الاعتراف داخل أجهزتها القسرية تظل، مهما رفعت من شعارات، دولة ناقصة التكوين.

خامسًا: رمزية الجيش واحتكار العنف—حين تكشف النتائج فساد المنطلقات
لا يُفهم الجيش، في أي دولة حديثة، بوصفه جهازًا تقنيًا فحسب، بل كأحد أكثر الرموز كثافةً لمعنى السيادة وتجسيدًا حيًا للعقد الاجتماعي. فاحتكار العنف، وفق التصور الكلاسيكي للدولة، لا يكتسب مشروعيته من القوة ذاتها، بل من كونه مفوضًا من مجتمع يعترف بنفسه داخل هذه المؤسسة، ويرى فيها امتدادًا لإرادته الجماعية، "الكل يري نفسه فيه"
غير أن التشكيل الأخير لقيادة هيئة أركان الجيش السوداني يعيد طرح السؤال الجوهري: ماذا يحدث حين تنفصل هذه الرمزية عن الواقع الاجتماعي؟ حين تُبنى المؤسسة على منطلقات انتقائية—جهوية وإثنية وسياسية—ثم يُطلب منها أن تمثل أمة متعددة؟
إن التماثل الواضح في البنية القيادية ليس مجرد خلل إداري أو صدفة تاريخية، بل هو نتيجة مباشرة لمنطلقات تأسيسية خاطئة، ظلت تتكرر دون مراجعة. فالجيش الذي يُبنى على قاعدة "الثقة في فئة محددة" بدل "الثقة في المجتمع بتعدده" لا يمكن أن ينتج إلا قيادة تعكس هذا الانغلاق. وهنا تتجلى القاعدة التاريخية الصارمة: المنطلقات الخاطئة لا تقود إلا إلى نتائج خاطئة، مهما تغيرت الشعارات.
في هذا السياق، لا تبدو الأزمة في التشكيل الحالي بحد ذاته، بل في ما يكشفه: استمرار تصور الدولة كملكية اجتماعية ضيقة، لا كعقد جامع. فالدولة، وهي تطالب المواطنين بالولاء، تفعل ذلك عبر مؤسسة لا تعكسهم؛ وتطلب الثقة في جهاز لم يُبنَ على مبدأ العدالة أو التمثيل. وهذه هي المفارقة السودانية في أكثر صورها وضوحًا: احتكار للعنف بلا تمثيل، وسيادة بلا عقد اجتماعي حقيقي.
والأخطر من ذلك أن هذا التكرار التاريخي يكشف عجزًا عميقًا عن التعلم—لا من تاريخ السودان ذاته، الذي امتلأ بدورات الانقلاب والحرب، ولا من تجارب الشعوب الأخرى التي أدركت، بعد كلفة باهظة، أن إعادة بناء المؤسسة العسكرية شرط لأي انتقال حقيقي. فحين يُعاد إنتاج نفس البنية، بأسماء جديدة، فإن الأزمة لا تُحل بل تُؤجَّل.

سادسًا: صمت النخب—التواطؤ عبر التشويش وصرف الأنظار
لا يمكن فهم استمرارية البنية المختلة للمؤسسة العسكرية دون تفكيك الدور الذي لعبته—وما تزال—النخب السياسية والثقافية، لا عبر الصمت وحسب، بل عبر آليات أكثر تعقيدًا من التشويش المنهجي وصرف الأنظار. فالصمت هنا ليس غيابًا للكلام، بل هو حضورٌ انتقائي للكلام في غير موضعه؛ حديثٌ كثيف حول الأعراض، يقابله فراغٌ مقصود حول الجذور!
لقد طوّرت هذه النخب، عبر الزمن، خطابًا مزدوجًا: تُدين العنف والانتهاكات بلغة أخلاقية عامة، لكنها تتجنب بعناية الأسئلة البنيوية التي تفضي إلى مساءلة الامتياز نفسه. وبدلًا من طرح السؤال المركزي—من يحتكر المؤسسة العسكرية؟ ومن يحدد شروط الانتماء إليها؟—يُعاد توجيه النقاش نحو قضايا جانبية أو لحظية، تُستنزف فيها الطاقة العامة دون أن تمس جوهر السلطة. وهكذا يتحول الفضاء العام إلى ساحة ضجيج، لا ساحة معرفة.
إن أخطر ما في هذا التشويش ليس ما يُقال فقط، بل ما يُمنع من أن يُقال. فحين تُختزل الأزمة في صراع سياسي عابر، أو في "انحرافات" أفراد، أو في شعارات عامة عن "الدولة المدنية"، يُعاد إنتاج الوهم بأن المشكلة في الأداء، لا في البنية. وهذا النمط من الخطاب لا يعكس عجزًا معرفيًا فحسب، بل يخدم—موضوعيًا—استمرار نفس النظام الذي يدّعي نقده.
بل إن بعض هذه النخب، في مفارقة بنيوية، لم تكن مجرد مراقب صامت، بل شريك ضمني في إعادة إنتاج الهيمنة، سواء عبر القرب من دوائر القرار، أو عبر احتكار تمثيل "المدنية" واحتلال موقع المتحدث باسم المجتمع، بينما يُقصى المجتمع ذاته من تعريف نفسه. وهنا يصبح الصمت، والتشويش، وصرف الأنظار، أدوات سياسية لا تقل فاعلية عن القمع المباشر.
في المقابل، تُظهر تجارب تاريخية أخرى أن كسر هذه الحلقة يتطلب نقيض هذا السلوك تمامًا: تسمية الأشياء بأسمائها، وفتح البنية على المساءلة الجذرية. ففي جنوب أفريقيا، لم يكن ممكناً تفكيك نظام الفصل العنصري دون مواجهة صريحة مع البنية الأمنية والعسكرية التي كانت تحميه، وإعادة تشكيلها على أساس تمثيل حقيقي. وفي رواندا، لم يكن تجاوز الإبادة ممكنًا دون إدراك أن إعادة بناء الجيش ليست مسألة تقنية، بل إعادة تعريف للدولة نفسها.
أما في السودان، فإن استمرار النخب في إنتاج خطاب الإزاحة—حيث تُطرح الأسئلة الخطأ في اللحظة الخطأ—يعني أن الأزمة لا تُدار نحو الحل، بل نحو التكرار. فالتشكيل الأخير لقيادة الجيش لا يُقابل بنقاش جاد حول بنيته، بل يُغمر في ضجيج التأويلات، أو يُختزل في ردود فعل أخلاقية عاجلة، سرعان ما تُستبدل بموضوع آخر.
وعليه، فإن صمت النخب لا يجب أن يُفهم كفراغ، بل كفعلٍ نشط في إعادة إنتاج الهيمنة؛ صمتٌ يتكلم عبر التشويش، ويُعيد توجيه البوصلة بعيدًا عن مركز السؤال. وفي هذا المعنى، لا يصبح التشكيل الأخير مجرد حدث سياسي، بل اختبارًا كاشفًا: ليس فقط لبنية الجيش، بل لبنية الخطاب الذي يحيط به—خطابٌ ما يزال، حتى اللحظة، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن المشكلة ليست فيما نراه اليوم، بل في ما نصرّ على عدم رؤيته.

سابعًا: نحو تفكيك البنية—من إصلاح المؤسسة إلى تأسيس جيش جديد
إن أي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة السودانية لا يمكن أن يكتفي بإصلاحات جزئية داخل المؤسسة العسكرية، بل يتطلب انتقالًا نوعيًا نحو تأسيس جيش جديد—جيش يُعاد بناؤه على قاعدة التمثيل، لا الانتقاء، وعلى مبدأ المواطنة، لا الامتياز.
وفي هذا السياق، تقدم التجربة الأمريكية—على تعقيداتها وتناقضاتها—دلالة مهمة: إذ لم تُنهِ الولايات المتحدة إرث العبودية والعنصرية بالكامل، لكنها أنجزت ما هو حاسم على مستوى بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على الاستمرار في إنتاج العدالة ومراجعة ذاتها. فقد خضعت المؤسسة العسكرية الأمريكية لتحولات عميقة، من جيش مفصول عرقيًا إلى مؤسسة أكثر تنوعًا، نتيجة لضغوط قانونية (مثل الأمر التنفيذي 9981 عام 1948)، وحركات اجتماعية، وآليات رقابة مدنية وسياسية مستمرة. وهذا لا يعني اكتمال العدالة، بل يعني وجود بنية مؤسسية تسمح بتصحيح الاختلالات بدل تثبيتها.
في المقابل، يظل التحدي في السودان أعمق: ليس فقط غياب العدالة، بل غياب المؤسسات القادرة على إنتاجها. ولذلك، فإن إعادة البناء تتطلب:
- تأسيس جيش تمثيلي جديد يعكس التعدد الإثني والثقافي والجهوي للسودان، لا أن يُختزل في نواة اجتماعية ضيقة
- تفكيك شبكات الامتياز التاريخية داخل المؤسسة العسكرية، التي أعادت إنتاج نفسها عبر الأجيال بوصفها حارسًا للسلطة لا للوطن.
- إخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة ديمقراطية حقيقية—برلمانية، قضائية، وإعلامية—بحيث لا يكون احتكار العنف خارج المساءلة.
- إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه بوصفه أمنًا للمجتمع كله، لا أداة لضبطه أو إخضاعه.
إن المسألة، بهذا المعنى، ليست تقنية أو إدارية، بل تحول تأسيسي في علاقة الدولة بالعنف وبالمجتمع.

خاتمة: من وهم "الجيش القومي" إلى أفق التأسيس الحقيقي
لم تكن عبارة "الجيش القومي" في السودان، عبر تاريخه الحديث، توصيفًا لواقع قائم، بل تعبيرًا لغويًا عن كيان لم يتحقق بعد. ومع ذلك، فإن هذا الفراغ نفسه يحمل إمكانية: إمكانية أن يُعاد تخيل الجيش بوصفه مؤسسة تنبع من المجتمع وتعكسه، لا تفرض عليه تعريفًا ضيقًا للوطن.
غير أن هذه الإمكانية لن تتحقق عبر إصلاحات شكلية، ولا عبر إعادة تدوير النخب ذاتها، بل عبر قطيعة معرفية وسياسية مع منطق الدولة القديمة—منطق الانتقاء، والاحتكار، والإنكار. فالتجارب العالمية، بما فيها الولايات المتحدة، تُظهر أن العدالة لا تتحقق عشوائيا، لكنها تصبح ممكنة حين تُبنى مؤسسات تسمح بمراجعة الذات، وتفتح المجال للنقد، وتخضع القوة للمساءلة
أما في السودان، فإن تجاوز الإرث الاستعماري وبنية العنف المتراكمة يتطلب أكثر من مجرد إصلاح؛ يتطلب إعادة تعريف الدولة نفسها: من يملكها؟ من يُمثّلها؟ ولمن تُمارَس القوة باسمها؟
وعليه، فإن السؤال لم يعد: كيف نُصلح جيشًا قائمًا؟
بل: كيف نؤسس جيشًا جديدًا داخل دولة جديدة؟

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)