السودان ....أرضٌ تفيض بالخير وجوعٌ يفتقر الى الادارة !! كتبه عبدالمنعم على التوم

السودان ....أرضٌ تفيض بالخير وجوعٌ يفتقر الى الادارة !! كتبه عبدالمنعم على التوم


04-08-2026, 11:42 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775688151&rn=0


Post: #1
Title: السودان ....أرضٌ تفيض بالخير وجوعٌ يفتقر الى الادارة !! كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 04-08-2026, 11:42 PM

11:42 PM April, 08 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم

في الجغرافيا، يقف السودان كواحد من أكثر بلدان العالم ثراءً في الموارد الطبيعية، لا سيما الأرض والماء. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا الثراء لم يُترجم بعد إلى إنتاج زراعي يوازي حجمه، ولا إلى أمن غذائي مستقر يليق بإمكاناته. إنها معادلة مختلة: وفرة في المقومات، يقابلها تواضع في النتائج .......
يمتلك السودان ما يقارب 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، لا يُستغل منها فعليًا سوى أقل من 25% في أفضل التقديرات. كما يمر عبره نهر النيل بروافده المختلفة، إلى جانب معدلات أمطار متباينة، ومخزون معتبر من المياه الجوفية، فضلًا عن تنوع مناخي يجعل من البلاد بيئة زراعية استثنائية قادرة—نظريًا—على إطعام ما يزيد عن 200 مليون نسمة إضافية إذا ما أُحسن استغلالها.
لكن الواقع يحكي قصة مختلفة ..........
رغم هذا التنوع المناخي الذي يسمح بتناوب المواسم الزراعية بين الولايات، يظل الإنتاج حبيس المعرفة التقليدية الموروثة، حيث تكتفي كل ولاية بما ورثته من أساليب، دون انفتاح حقيقي على تجارب الآخرين أو إدخال محاصيل وتقنيات جديدة. وهو ما يحدّ من الاستفادة الكاملة من هذا التنوع الفريد .......
كما أن ضعف الإلمام بالأساليب الزراعية الحديثة يمثل عائقًا جوهريًا، إذ لا يزال كثير من المزارعين يعتمدون على أدوات وتقنيات تقليدية، في ظل غياب منظومات الإرشاد الزراعي والتدريب المستمر. وتشير التقديرات إلى أن إنتاجية الفدان في السودان تقل بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60% مقارنة بدول أقل موارد، لكنها أكثر استثمارًا في المعرفة والتقنية.........
ولا يقف الأمر عند حدود ضعف المعرفة أو غياب التخطيط، بل يتجاوزه إلى بيئة اقتصادية طاردة للإنتاج. فالمزارع السوداني يرزح تحت وطأة جبايات وضرائب ورسوم متعددة، تتوزع بين مستويات الحكم المختلفة، حتى بات النشاط الزراعي نفسه عبئًا لا يُحتمل بدلًا من أن يكون مصدرًا للرزق والاستقرار. هذه الأعباء المالية دفعت كثيرًا من المنتجين إلى هجر الأرض والعزوف عن الزراعة، والتوجه نحو أنشطة طفيلية لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، مثل السمسرة، وتجارة العملات، والمضاربة في الأراضي ........
وهنا تتفاقم الأزمة؛ إذ تتحول الأراضي من وسيلة للإنتاج إلى مخازن لرأس المال، تُحتجز فيها القيمة بدل أن تُستثمر، في ظل بيئة تضخمية تدفع الأفراد إلى البحث عن ملاذات آمنة تحفظ أموالهم. وبهذا، تتعطل دورة الإنتاج، وترتفع الأسعار، وتتآكل القدرة الشرائية، في حلقة مفرغة تُغذيها السياسات غير الرشيدة.
وفي خضم هذا المشهد، لا تزال النخب—الرسمية والشعبية—بعيدة عن إدراك خطورة الموقف، حيث لا يحظى القطاع الزراعي بالأولوية التي يستحقها، ولا يُعامل كمشروع وطني استراتيجي. كما يغيب الإعلام عن أداء دوره في تسليط الضوء على هذا الملف الحيوي، وقيادة الوعي نحو ضرورة إحداث ثورة زراعية شاملة.
ومن المفارقات المؤلمة، أن مناطق شاسعة تتمتع بخصوبة عالية ووفرة مائية تستضيف منظمات إنسانية تكتفي بتقديم الغذاء، بدلًا من تمكين السكان من إنتاجه. فيتحول الإنسان القادر إلى متلقٍ، وتُهدر كرامته وطاقته في آنٍ واحد .......
وفي مشاهد أخرى، تقف الطبيعة السودانية شاهدة على إمكانات كامنة لم تُستثمر بعد. ففي ولاية النيل الأزرق، تنمو أشجار التبلدي والمانجو والمهوقني اعتمادًا على المياه الجوفية خلال أشهر الجفاف، وتنتج سنويًا دون تدخل يُذكر. فكيف إذا ما تم إدماج هذه القدرات في منظومة إنتاجية حديثة ومدروسة؟
إن النهضة الزراعية الحقيقية تبدأ من التعليم، من إدخال مناهج زراعية متكاملة منذ المراحل الأولى، تُنشئ جيلًا واعيًا بقيمة الأرض، مدركًا لأساليب الإنتاج الحديثة. فالأرض وحدها لا تكفي، إن لم تُسندها عقول تعرف كيف تستثمرها.
ختامًا، لا تنقص السودان الموارد، بل تنقصه الإرادة، والرؤية، والإدارة الرشيدة. وإذا ما أُزيلت القيود عن المنتجين، وخُففت الأعباء، ووُجهت الطاقات نحو الإنتاج الحقيقي بدل الأنشطة الطفيلية، فإن السودان لن يكون فقط قادرًا على إطعام نفسه، بل مؤهلًا ليكون أحد أعمدة الأمن الغذائي في العالم .

تقديم /
عبدالمنعم على التوم
8 ابريل 2026