Post: #1
Title: السوداني مبدع في الخارج مُقيَّد في الوطن قراءة في أزمة الدولة الريعية وفشل الأنظمة الشمولية في بناء
Author: عمر سيد احمد محمد
Date: 04-07-2026, 07:06 PM
07:06 PM April, 07 2026 سودانيز اون لاين عمر سيد احمد محمد-دبي مكتبتى رابط مختصر
السوداني مبدع في الخارج مُقيَّد في الوطن قراءة في أزمة الدولة الريعية وفشل الأنظمة الشمولية في بناء دولة مؤسسات مدنية o.sidahmed09@gmail.com عمر سيد احمد 2026ابريل المفارقة الأساسية — بيئة تُعاقب الكفاءة في كل مرة يُطرح فيها السؤال: لماذا ينجح السوداني في الخارج ويفشل السودان كدولة؟ نميل إلى إجابات سهلة مثل الحسد أو ضعف الإمكانيات أو حتى سوء الحظ التاريخي. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً… وأكثر إيلاماً. المشكلة ليست في السوداني، بل في طبيعة الدولة التي يعمل داخلها. السوداني حين يغادر بلده لا يتحول إلى إنسان آخر. لا يكتسب عقلاً جديداً، ولا أخلاقاً مختلفة، ولا مهارات لم تكن موجودة فيه من قبل. كل ما يحدث هو أنه ينتقل من بيئة تُعاقب الكفاءة إلى بيئة تُكافئها. في الخارج يعمل داخل منظومة تُقيّد السلطة بالقانون، بينما في الداخل يُطلب منه أن يعمل داخل منظومة تُكيّف القانون حسب السلطة. وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي تفسر هذا التناقض الصارخ. ليست الأزمة في غياب الكفاءات، بل في غياب الإطار الذي يسمح لهذه الكفاءات بأن تعمل وتنتج. وليست المشكلة في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها ومن يسيطر عليها. الأنظمة الشمولية وفشلها في بناء مؤسسات مدنية على مدى سبعة عقود من الاستقلال، تعاقبت على السودان أنظمة شمولية عسكرية وأيديولوجية، كل منها وعد ببناء الدولة وكل منها كرّس تآكلها. من انقلاب عبود في عام 1958 إلى نميري وحلفائه الإسلاميين، وصولاً إلى نظام الإنقاذ بقيادة البشير واجهةً عسكرية والترابي مهندساً أيديولوجياً للمشروع الإسلاموي من خلف الستار، كان المشترك الوحيد هو إحلال منطق القوة محل منطق المؤسسة. الأنظمة الشمولية لا تبني مؤسسات مدنية، لأن المؤسسة المدنية الحقيقية — بتراتبيتها وقوانينها واستقلاليتها — تشكّل تهديداً وجودياً للحكم الفردي والحزبي. لهذا السبب لم تكتفِ هذه الأنظمة بإهمال المؤسسات، بل عمدت إلى تفريغها من الداخل؛ أبقت على الهياكل الشكلية — الوزارات والمحاكم والجامعات — لكنها ضخّت فيها أفراداً موالين لا كفوئين، وحوّلتها من أدوات خدمة عامة إلى أذرع سيطرة سياسية. والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي ما يُعرف في علم السياسة بـ'الدولة الموازية': حيث تعمل جهات غير رسمية — حركات حزبية، شبكات أمنية، رجال دين، تكتلات قبلية مُسلَّحة — بموازاة أجهزة الدولة الرسمية وكثيراً ما تتفوق عليها في النفوذ والفاعلية. في هذه البيئة، من يريد إنجاز معاملة أو الحصول على حق يلجأ لشبكة النفوذ لا لمكتب الحكومة، ومن يريد الوصول للسلطة يشتري الولاء لا يكتسب الكفاءة. اقتصاد الريع والاقتصاد الموازي — حين تكون الثروة أداة هيمنة لا أداة تنمية يُعدّ السودان من أغنى دول أفريقيا بالموارد الطبيعية: نفط وذهب وأراضٍ زراعية شاسعة وثروة حيوانية وفيرة ومياه متجددة. ومع ذلك يحتل مراتب متأخرة جداً في مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية. هذه المفارقة ليست استثناءً، بل هي السمة النموذجية لما يُسمى 'لعنة الموارد' أو 'الاقتصاد الريعي'. في الاقتصاد الريعي، لا تحتاج النخبة الحاكمة لبناء إنتاج حقيقي أو تحسين كفاءة الدولة، لأن ثروتها مستمدة من ريع المورد الطبيعي أو المساعدات الخارجية لا من الإنتاج والضريبة. ولأن الدولة لا تحتاج لدافعي الضرائب بقدر ما تحتاج لمن يحرس المورد، فإن التعاقد الاجتماعي الطبيعي — الذي يقوم على المساءلة مقابل التمثيل — يُختزل في علاقة توزيع ريعي: الولاء مقابل الحصة. في السودان تجلّى هذا النمط بوضوح في مراحل متعددة: فمع اكتشاف النفط في جنوب السودان في تسعينيات القرن الماضي، لم تُستثمر عائداته في بناء بنية تحتية أو تعليم أو صحة، بل وُظِّفت أولاً لتمويل الحرب في الجنوب، ثم لإثراء شبكة المقربين من النظام وتمويل أجهزته الأمنية. حين انفصل الجنوب عام 2011 وجفّ النفط، كان البديل الجاهز هو التوسع في استخراج الذهب — لكن بالمنطق ذاته: توزيع العائد على دوائر النفوذ، مع إبقاء غالبية السكان خارج دائرة الاستفادة. أما الاقتصاد الموازي فقد نما في السودان ليصبح أكبر من الاقتصاد الرسمي في بعض التقديرات. شبكات التهريب عبر الحدود، وتجارة العملة في السوق السوداء، والمحاصيل التي تُباع خارج القنوات الرسمية، والمشاريع التي تُنفَّذ بالعلاقات لا بالعقود القانونية — كل هذه البنى الموازية لا تُضعف الدولة فحسب، بل تُعيد توزيع الثروة لصالح من يملك النفوذ ويحكم شبكات التوزيع. والخطر الأعمق هو أن هذا الاقتصاد الموازي لا يُعيق التنمية فحسب، بل يخلق طبقة مصالح واسعة لها مصلحة حقيقية في استمرار الفوضى واستمرار غياب المؤسسية، لأن الوضوح القانوني والمؤسسية الحقيقية يُهدّدان مصادر ثروتها وامتيازاتها. النخب الإسلاموية العروبية وإلغاء التعدد — جذور الأزمة الهوياتية لا يمكن فهم أزمة بناء الدولة في السودان بمعزل عن الأيديولوجيا التي حكمت لعقود وشكّلت رؤيتها للوطن. منذ استقلال السودان عام 1956، سادت في مركز القرار نخب ذات توجه عروبي إسلامي، ترى في السودان امتداداً للعالم العربي الإسلامي، وتُعرّف هويته الجوهرية بالإسلام والعروبة، مستبعدةً أو مُهمِّشةً التعدد الأفريقي والعرقي والثقافي والديني الذي يُشكّل نسيج البلاد الفعلي. هذا التعريف الانتقائي للهوية الوطنية ليس مجرد موقف ثقافي، بل هو قرار سياسي بالغ الخطورة. فهو يُقسّم المواطنين إلى من ينتمي أصلاً إلى الهوية المُعرَّفة — ومن يُتولَّه بالتهميش والاستيعاب القسري أو الإقصاء. الأطراف السودانية — دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق — لم تكن في تصور هذه النخب جزءاً فاعلاً من الوطن يستحق التمثيل والتنمية، بل كانت 'هامشاً' وظيفته الإنتاجية: إنتاج الغذاء والموارد الأولية لإشباع المركز ورفاهيته. تجلّت هذه الرؤية في السياسات الفعلية: توزيع الموازنات العامة الذي استأثر فيه المركز بالنصيب الأكبر، ومناهج تعليمية تُغيّب التاريخ الأفريقي وتُمجّد الروابط العربية، وخدمة مدنية وجيش ومؤسسات حكومية تعكس في تركيبها الهوية المركزية لا التعددية الوطنية. والأخطر من ذلك هو الفشل المتعمّد في الاعتراف بأن السودان دولة متعددة الأديان والثقافات واللغات والأعراق، وأن بناءه الحقيقي يستلزم دستوراً وعقداً اجتماعياً يُكرّس هذا التعدد لا يُنكره. الحروب المصنوعة — حين تكون الأطراف وقوداً لا شركاء الحروب في السودان لم تكن حوادث عرضية أو نتاج صراعات قبلية بدائية كما دأبت الروايات الرسمية على تصويرها. كانت في جوهرها نتاجاً منطقياً للنظام السياسي القائم على الإقصاء والتمييز. حين تُعطي الدولة سكان الأطراف ظهرها — تنمياً وتمثيلاً وعدلاً — فإن الخيارات المتاحة أمامهم تتقلص: إما القبول بالتهميش أو حمل السلاح. الحرب الأولى والثانية في الجنوب (1955-1972 و1983-2005) لم تكن في جذرها العميق صراعاً دينياً أو عرقياً بالمعنى الأولي، بل كانت ردَّ فعل على مركزية سياسية متعجرفة رفضت الاعتراف بحقوق شعوب الجنوب في إدارة شؤونهم والحصول على نصيبهم من الثروة والتمثيل. ثم جاء نظام الإنقاذ ليُضيف إلى هذا الإقصاء الأيديولوجيَّ الديني، مُعلناً مشروعه لفرض الإسلام قانوناً حاكماً للجميع بمن فيهم غير المسلمين في الجنوب وجبال النوبة وجنوب الأزرق. حرب دارفور التي اندلعت عام 2003 كانت درساً مؤلماً في المنطق ذاته. مجتمعات أفريقية مسلمة، متدينة ومخلصة لهويتها الإسلامية، وجدت نفسها تُحارَب من دولة تدّعي الإسلام منهجاً. السبب الجوهري لم يكن الدين بل الموارد والتمثيل والتهميش المتراكم عقوداً. ردّ نظام البشير كان دموياً ووحشياً: تسليح الجنجويد، والمجازر الجماعية، والتهجير القسري، وحملات التطهير العرقي التي وصفتها المحكمة الجنائية الدولية بالإبادة الجماعية. جنوب كردفان والنيل الأزرق سلكا المسار ذاته. شعوب الهامش التيناضلت عقوداً ضد التهميش في مواجهة مركز رافض الاعترافبحقوقها، وشهدت هذه المناطق التطهير العرقي وقصف القرىبالبراميل الحارقة بواسطة طيران الجيش المختطف من قِبَل تنظيمالإخوان المسلمين. الرسالة الضمنية من المركز ظلت واحدة: الأطرافمسموح لها بالخدمة والإنتاج، لكن غير مسموح لها بالمطالبة. هذه الحروب المتعاقبة لم تُكلّف السودان ملايين الأرواح والنازحينفحسب، بل دمّرت البنية الاقتصادية بأسرها؛ حوّلت ميزانياتالتنمية إلى ميزانيات تسليح، وأجّلت كل مشروع بناء لأجل غيرمسمى، وأنتجت أجيالاً كاملة لا تعرف الدولة إلا في صورتها الأكثرعنفاً: دولة القمع والحرب لا دولة الحماية والحقوق والعدالة . فصل الجنوب — الفاتورة الحتمية للإقصاء انفصال جنوب السودان عام 2011 لم يكن مفاجئاً لمن يقرأ تاريخ العلاقة بين المركز والجنوب. كان الحصيلة المنطقية لسبعة عقود من الإقصاء والحرب والوعود المكسورة. وحين صوّت الجنوبيون بنسبة تزيد على 99% لصالح الانفصال، لم يكونوا يصوّتون ضد الانتماء لوطن واحد، بل كانوا يصوّتون ضد تجربة مؤلمة مع دولة لم تشأ يوماً أن تراهم مواطنين كاملي الحقوق. الخسارة لم تكن جغرافية فحسب — وإن كانت الخسارة الجغرافية وحدها كارثية بكل المقاييس — بل كانت خسارة في المشروع الوطني بأكمله. إذ أثبت الانفصال للعالم ولأبناء السودان أنفسهم أن الدولة فشلت في صياغة عقد اجتماعي جامع، وأن السياسات القائمة على الإقصاء لها ثمن وجودي لا يُحتمل. والأكثر مأساوية هو أن انفصال الجنوب لم يُغيّر شيئاً جوهرياً في منطق الحكم بالخرطوم. ظلت الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق مستمرة، وظل خطاب الهوية العروبية الإسلامية سائداً، وظل الاقتصاد الريعي يُدار لصالح الدوائر الضيقة. كأن درس الجنوب لم يُقرأ قط. تطبيع الفوضى المؤسسية — حين تصبح القاعدة استثناءً والاستثناء قاعدة الأخطر من كل ما سبق هو ما يمكن تسميته بتطبيع الفوضى المؤسسية. حين يصبح تجاوز القانون أمراً عادياً، والنفوذ وسيلة مشروعة لإنجاز المعاملات، ومعاقبة الملتزم بالقانون أمراً متوقعاً، فإننا لا نكون أمام أزمة إدارة، بل أمام تحول في طبيعة الدولة نفسها. على مدى عقود، لم تتآكل الدولة السودانية فقط، بل أُعيد تشكيلها لتخدم غرضاً مختلفاً تماماً. تحولت من جهاز يخدم المواطن إلى أداة تُدار بها السلطة، ومن مؤسسة تحكمها القوانين إلى شبكة تحكمها العلاقات، ومن هيكل يقوم على الكفاءة إلى منظومة تُكافئ الولاء. وهنا يتحول مفهوم الدولة من منظومة عامة إلى ساحة نفوذ. ما نراه اليوم ليس مجرد ضعف دولة، بل هو أقرب إلى نموذج بديل للدولة؛ دولة تعمل، ولكن بقواعد موازية، حيث القانون موجود لكنه قابل للتجاوز، والمؤسسات قائمة لكنها غير حاكمة، والقرارات تُتخذ لكنها لا تخضع للمساءلة، والوظائف تُشغل لكنها لا تُمنح بالكفاءة. وهنا يصبح الإصلاح أكثر تعقيداً، لأنه لا يبدأ من تحسين الأداء، بل من إعادة تأسيس كاملة. الأنظمة التي أرست هذه الفوضى لم تفعل ذلك بالإهمال، بل بالقصد. الفوضى المؤسسية هي ضمان استمرار النخب في مواقعها، لأن الدولة الكفؤة العادلة تُهدّد امتيازاتها وتُسائلها عما فعلت. سبعة عقود ضائعة — الحصيلة المُرّة حين نُجمل سبعة عقود من الاستقلال السوداني، تبدو الصورة قاتمة بأكثر مما ينبغي لبلد يملك ما يملكه السودان من إمكانات. لم يُبنَ نظام تعليمي يُنتج كفاءات فعلية لسوق عمل وطني؛ لم يُقَم اقتصاد منتج ومتنوع يُوزّع ثماره على المواطنين؛ لم تُرسَ حوكمة تقوم على الفصل بين السلطات والمساءلة؛ لم يُحلَّ النزاع الوجودي حول الهوية والانتماء؛ لم تُعالَج جروح الحروب ومظالم الأطراف. بدلاً من ذلك: ثلاثة انقلابات عسكرية رئيسية، وعشرات الحروب الداخلية والمسلحة، وانفصال ثلث البلاد الجغرافي والبشري، ومئات الآلاف من القتلى، وملايين المهجرين والنازحين داخل الحدود وخارجها، وبنية تحتية تآكلت، وخدمات صحية وتعليمية تراجعت إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل عقود، واقتصاد يُدار لصالح دوائر ضيقة بينما الغالبية تعاني الفقر والحرمان. الأشد إيلاماً هو الهدر البشري: مئات الآلاف من العقول السودانية المتميزة التي انتشرت في العالم — في أوروبا وأمريكا وأستراليا ودول الخليج — تبني اقتصادات ومؤسسات ومنظومات صحية وعلمية لدول أخرى، بينما وطنها يئنّ من غياب الكفاءة وفقر الإمكانيات. ليس لأنهم اختاروا الخيانة، بل لأن الوطن لم يتح لهم خياراً آخر. نحو دولة مدنية حقيقية — ما الذي يحتاجه السودان؟ السودان لا يحتاج إلى عباقرة جدد، فهو يمتلك بالفعل طاقات بشرية أثبتت نجاحها في أصعب البيئات. لكنه يحتاج إلى شيء واحد فقط: دولة تسمح لهؤلاء بالنجاح داخل وطنهم. دولة مدنية حقيقية تقوم على: إعادة تعريف الهوية الوطنية بما يعكس التعدد الحقيقي للسودان — أفريقي وعربي، مسلم ومسيحي وتقليدي، عربي الثقافة وأفريقي الجذور، بكل لغاته وثقافاته وأعراقه. دولة تُرسي دستوراً يضمن الحقوق الأساسية لكل مواطن بغض النظر عن دينه وعرقه وجهته. وتحتاج هذه الدولة إلى بناء خدمة مدنية مهنية محايدة تُوظّف بالكفاءة لا بالولاء، وتفكيك الاقتصاد الموازي المرتبط بالنفوذ، وإعادة توزيع الثروة الوطنية توزيعاً يصل إلى الأطراف المهمّشة، وتسوية عادلة وشاملة لمظالم الحروب المتراكمة تُؤسّس لمصالحة وطنية حقيقية. أما الأهم من كل ذلك فهو الاعتراف العلني بأن المشروع الأيديولوجي للنخب العروبية الإسلاموية قد فشل في بناء دولة وطنية جامعة، وأن السودان لن ينهض إلا حين يقبل نفسه على حقيقته: دولة متعددة في صميمها، غنية بتنوعها، لا بالرغم منه. غياب الجيش المهني — حين يتحول حارس الوطن إلى متغوّل على السلطة والثروة لا يمكن الحديث عن فشل بناء الدولة السودانية دون الوقوف عند ركيزة جوهرية غائبة: الجيش المهني ذو العقيدة الوطنية. الجيش الحقيقي في أي دولة مؤسسية له مهمة واحدة محددة — حماية حدود الوطن وصون الدستور — ولا شغل له بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا بالحكم. لكن السودان لم يعرف هذا النموذج طوال تاريخه المستقل. منذ انقلاب عبود عام 1958 وحتى اليوم، تحوّل الجيش من مؤسسة تخدم الدولة إلى قوة تتحكم فيها. وما إن يمسك العسكر بمقاليد الحكم حتى يبدأ التمدد الحتمي نحو الاقتصاد؛ شركات وأراضٍ واستثمارات ومصالح تجارية تتراكم تحت مظلة المؤسسة العسكرية، حتى يصبح للجيش إمبراطورية اقتصادية موازية يدافع عنها قبل أن يدافع عن الحدود. والجيش الذي يحكم ويتاجر لا يستطيع أن يحارب ويحمي في آنٍ واحد — هذه ليست مفارقة بل قانون. والأخطر من ذلك هو ما أفرزه غياب الجيش الوطني الموحد من تكاثر للأجسام المسلحة خارج إطار الدولة: ميليشيات قبلية مُسلَّحة، وحركات مسلحة مُدمَجة بلا إعادة هيكلة حقيقية، وأجهزة أمنية متنافسة، وصولاً إلى قوة الدعم السريع التي نشأت في رحم النظام ذاته ثم انقلبت عليه. حين لا تحتكر الدولة السلاح تحت مؤسسة مهنية واحدة، فإن الفوضى المسلحة تصبح مآلاً لا مفرّ منه. وهذا بالضبط ما شهده السودان في أبريل 2023 — لم يكن صداماً بين جيش وطني ومتمردين، بل كان اصطداماً بين جيشين اقتصاديين يتنافسان على غنيمة الدولة، بينما المواطن يدفع الثمن وحده. خاتمة: السؤال الحقيقي السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ينجح السوداني في الخارج؟ بل أصبح: لماذا يُمنع من النجاح في وطنه؟ والجواب ليس في النجوم أو سوء الحظ؛ الجواب في الخيارات السياسية المتعمّدة التي صنعتها نخب بعينها على مدى سبعة عقود: خيار الإقصاء على التشريك، وخيار الحرب على الحوار، وخيار الاقتصاد الريعي الموزّع على دوائر ضيقة على الاقتصاد المنتج الشامل، وخيار الهوية الأحادية على الهوية الجامعة. إلى أن يحدث ذلك، سيظل المشهد يتكرر: عقول سودانية تبني العالم في الخارج، ووطن يعجز عن الاستفادة من أبنائه في الداخل. والمأساة الحقيقية ليست في الفشل — فالفشل قابل للعلاج — بل في استمرار الأنظمة التي تجعل النجاح جريمة داخل الوطن.
|
|