Post: #1
Title: دولة النهر والبحر (٢٨) الشمال.. أصل الهوية السودانية المتميزة كتبه شهاب طه
Author: شهاب فتح الرحمن محمد طه
Date: 04-07-2026, 11:43 AM
11:43 AM April, 07 2026 سودانيز اون لاين شهاب فتح الرحمن محمد طه-USA مكتبتى رابط مختصر
قد يبدو مقالي هذا ممعناً في المكاشفة الصادمة، التي حتماً سيصنفها البعض في خانة "العنصرية"، لكنه في جوهره يمثل الحقيقة المجردة التي يتهرب الجميع من مواجهتها. يبرز هنا السؤال الجوهري: لماذا يظل النموذج الشمالي، المؤثر بامتداد الشريط النيلي جنوباً، ضحيةً لنجاحه وتفرده؟ الإجابة تكمن في أن هذا النموذج لم يكن يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل هو امتدادٌ عضوي لحضارة نوبية أفريقية ضاربة في القدم، أثبتت تفردها وتماهت مع وقار القيم الإسلامية والسمات العربية النبيلة؛ مما أضفى ألقاً فريداً على صياغة الشخصية السودانية في أبهى صورها.
ولذا، نجد الشخصية الشمالية هي العنوان الباهر للشخصية "السودانوية" التي تبوأت مكانةً رفيعة في الوعي العربي والإقليمي؛ فهي شخصية نُحتت من مزيج التحضر الإنساني الرفيع، والانضباط الأخلاقي الصارم، والاستقامة التي لا تقبل المساومة، حتى غدا السوداني —تحت مظلة النموذج الشمالي— عنواناً للأمانة، وعفة اليد، ولين الجانب المزدان بأنفة واعتزازٍ بالجذور. ولا ينفي ذلك التمازج الحيوي مع المكونات الأخرى في فضاء "السودان المصنّع"، بل يؤكد قدرة هذا النموذج على القيادة والاحتواء.
وهذا لا يعني انعدام الصفات الجميلة في المجتمعات الأخرى، ولكن السبق التعليمي والانفتاح على الخارج هو الذي أظهر الشخصية السودانية التي تغلب عليها السمات الشمالية. وفي هذا المحيط النيلي، نجد "قدسية الأسرة" قيمةً عليا، تسندها رغبةٌ عارمة في تعليم الأبناء وتضحياتٌ جسام لبناء مستقبلهم؛ مما جعل إنسان الشريط النيلي "ابن المؤسسات" الأول، بفضل الأسرة التي تُعد لديه المؤسسة الأولية الأهم؛ فهو يحترم القانون، ويقدس التراتبية الإدارية، وهو ما أرسى دعائم عقدٍ اجتماعي وحضاري متقدم، ركيزتاه الاستقرار والإنتاج. هذه الجاذبية تحديداً هي التي جعلت "الآخرين" ينظرون للشمال لا كشريكٍ في وطن، بل كملاذٍ آمن ومخلصٍ من أزماتهم البنيوية المزمنة.
إن نمط الحياة الشمالي، وبالتوصيف الدقيق لواقع الحال (دون تقليل من شأن الآخرين)، قد فرض على مجتمعات ممعنة في القبلية —مثل دارفور وجبال النوبة— نوعاً من "الغيرة الخفية"، التي تتبدى غالباً في شكل كراهية مستترة تتسق مع نمطهم القبلي الصدامي. ولذا، لا يتوانون عن إشهار سلاح "العنصرية" في وجه أهل الشمال، وتحميلهم وزر فشل الدولة. وبذلك، هم يجحدون فضل النخب الشمالية التي ورثت حكم السودان "المصنّع إنجليزياً"، وسعت لرفع تلك المجتمعات المضافة إلى مصاف النموذج الشمالي عبر ترسيخ قيم الأسرة والتعليم والنبل الحضاري. ولكن هيهات؛ فهي مجتمعاتٌ جُبلت على مقاومة الرقي، وتجذب "المنقذ" إلى القاع بدلاً من الامتثال للنموذج الأرقى.
ومصداقاً لذلك، نجد أن الأسر ذات الأعراق الوافدة للسودان، كالتركية والمصرية في حقب الاستعمار الثنائي وغيرها، وحتى الأقباط، ينصهرون تماماً في الهوية الشمالية النهرية النيلية. كما أن النخب من المجتمعات الدارفورية —على سبيل المثال لا الحصر— التي عاشت وتعلمت في الشمال أو نهلت العلم على يد الأستاذ الشمالي، لا يعودون لمجتمعاتهم؛ ليس نكراناً لها، بل رغبةً في الاستقرار نحو الأفضل. وحتى عندما يسعى "ابن دارفور" للارتباط بزوجة من الشمال أو الوسط، فهو لا يبحث عن جمالٍ حسي فحسب —فالجمال في دارفور لا يقل شأناً— بل يبحث عن "ثقافةٍ أرفع" تضمن له الارتياح الأسري والذرية الأفضل؛ بعكس مجتمعاتٍ تنتج الأطفال كما الزرع دون إهتمام متواصل. فالرؤية هنا تطورية وجدانية وليست جسدية محضاً.
إن إنسان الشريط النيلي يدفع اليوم ضريبةً باهظة لنجاحه، بعد أن تحول هذا النجاح إلى "مغناطيس" يجذب المكونات التي أخفقت في ضبط صراعاتها المحلية. لقد صار النجاح عبئاً تاريخياً يُطالب فيه صاحب النموذج المنضبط بأن يشرع أبوابه لامتصاص إخفاقات الآخرين. والمفارقة العجيبة، أن تلك المكونات التي تستميت في رفض الانفصال عن الشمال، لا تفعل ذلك إيماناً بوحدة المصير، بل ذعراً من "الضياع الوجودي" الذي ينتظرها؛ فهي تدرك أن الهوية السودانية المعتبرة عالمياً هي في جوهرها ملامح "نهرية" مهذبة.
يظل التشبث بالشمال هو المحاولة الأولى والأخيرة للبقاء تحت مظلة الدولة صاحبة الوقار الدولي، مما جعل إنسان الشمال النهري النيلي رهينةً لطلب النجاة من تيهٍ لا قرار له. ففي أقاليم القبلية والحروب حيث تطغى لغة السلاح، يلوح النموذج الشمالي كواحةٍ ظليلة، لكن المأساة تكمن في أن هؤلاء القادمين يحملون معهم "فيروسات الفشل"، ويحاولون حقنها قسراً في جسد الشمال السليم عبر "ترييف" و"خرمجة" ممنهجة للآفاق، تستغل طيبة وتسامح أهل الشمال والشريط النيلي.
والواقع يفرض علينا قولاً واحداً: إن بقاء الشمال كنموذجٍ مثالي مرهونٌ بقدرته الشجاعة على قول "لا" صريحة لهذا الاستنزاف. فليس من قدر الناجح أن يتردى في درك الفشل ليرضي الفاشلين؛ وحماية الهوية الشمالية النهرية النيلية تبدأ من رسم الحدود الفاصلة بين النموذج المتحضر وفوضى الآخرين، حتى ينعتق ويصلح حاله —وهو قادر على ذلك— ولن يتم ذلك إلا بنيل السيادة والعمل على احتواء الذات وتطويرها.
نعلم تمام العلم أن الانفصال عن الهوية السودانية المصبوغة شمالياً غير مقبول للأقاليم المضافة، كونهم سيواجهون تحدياً مريراً لخلق هوية مميزة؛ وهو البؤس ذاته الذي أصاب دولة جنوب السودان التي لم تجد القبول الأفريقي الكافي ولا العربي، ولا تزال تُصنف كعنوان فرعي للهوية السودانية، ولذا حرصت قياداتهم الانفصالية على التمسك باسم "السودان".
|
|