السفرة التودر جملك ولا القعاد البوم كتبه عبد الله علي إبراهيم

السفرة التودر جملك ولا القعاد البوم كتبه عبد الله علي إبراهيم


04-06-2026, 11:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775470364&rn=0


Post: #1
Title: السفرة التودر جملك ولا القعاد البوم كتبه عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 04-06-2026, 11:12 AM

11:12 AM April, 06 2026

سودانيز اون لاين
عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA
مكتبتى
رابط مختصر









(في وداع العمدة حسين المفضل الحسين، عمدة أبو هشيم بالرباطاب)
نقل لي الدكتور عباس الخضر علي، الذي عرفته صبياً مليحاً مجداً في ديوان والده المرحوم خضر علي العامر بقرية عتمور النابضة بدار الرباطاب، نعي ناظر عموم الرباطاب خليفة الشيخ الصائم للعمدة حسين مفضل الحسين أبو حجل عمدة أبو هشيم. يا رحمة الله عليه. وذكر النعي كلمات قلتها عنه في 2010 بعد عيادتي له في أم درمان التي جاءها للعلاج من علة أعيته. فجاء في النعي من قولي إن حسين من عترة ساست الناس فأحسنت حتى قال عنهم عبد الله علي إبراهيم "فالعمدة مفضل نادرة يسوس الناس بالطرف وكان (حسين) حين زيارتي لدراهم في 1966 فتى حدثاً جميل الوجه طر شاربه حجولياً بطراناً". وستجد بقية قولي في المقال أدناه.
وكنت يوم عيادتي لحسين في 2010 قد رشحت نفسي لرئاسة الجمهورية ولقيت من البرجوازيين الصغار اليساريين المعارضين "عنت الزيود". وهو العنت الذي شكا التجاني يوسف بشير منه في علم النحو والذي "زيد" فيه مضرب المثل في جمله وإعرابه. وما كف النسانيس المعارضة عن هذا العنت إلى يوم متاهتهم هذه يتخبطون فيها تخبط ذي جنة.
ووجدت مع ذلك في حكايات بعض من حولي في صحراء الزيود، وفيهم حسين المفضل، ما تعزيت به من لؤمهم وسواد نيتهم في كلمة نشرتها في تلك الأيام. وأعيدها هنا في وداع العمدة الذي عرفته لماماً وطربت له. رحمة الله عليه وعزائي الحار لقبيله في أبوهشيم ولأسرة الحجولة فرداً فرداً لما شملوني به من عناية وحفاوة وأنا أطرق بابهم شاباً أجمع تراث أهلهم وكذلك كهلاً اتسقط ضروب بلاغتهم. يا لتلك الأيام في الكدق يا عمدة مصطفى أبو حجل حبيبي! رحمك الله.

إلى المقال القديم

للدكتور عبد الله الطيب كتاب اسمه "التماسة عزاء بين الشعراء". وفيه تعزى البروف عن نكد من حوله بإدامة النظر في الشعر. وقد أحزنني نكد قلة من صفوة الرأي بإساءة تأويل ترشيحي لرئاسة الجمهورية والتمست العزاء في مجالس أنس جمعتني بخيار الناس.

ظللت أسمع عن الشيخ المعلم العبيد سويكت زمناً طويلاً حتى رأيته مؤخراً في مناسبات سعيدة وحزينة لآل الأحمدي. وكنت دائماً أحسده من على بعد لاسمه الجاذب: العبيد سويكت. وتفاقم حسدي له منذ ترشحت لرئاسة الجمهورية. فأنا اعتقد أن اسمي (عبد الله علي إبراهيم) ربما كان نقطة ضعفي الكبري التي تتضاءل معها هناتي الأخرى مثل ضعف قاعدتي الحزبية، والجهوية أو فقدان سوائل الكاش. فالعبيد سويكت كاسم مما يذكر كله جملة واحدة وكفاية. أما اسمي فهو مما يذكر مثلثاً ولا ينفع اجتزاؤه. واتصوره مثل الهضبة بلا عالي واطي. وسمعت من يناديني "على إبراهيم" أو "عبد الله إبراهيم" طلباً للاختصار المضلل. ولو خيروني لأخترت اسماً مثل طارق البحر أو مجدي الجزولي من الرجال أو هالة الأحمدي ومنى عبد الفتاح من النساء. فهي اسماء أولها سهل وآخرها جبل.

حكى لنا الشيخ السويكت عن عابد صالح بالأبيض زمن زلزال جبل الدائر (الذي لا ينطلع لزول كما قالت الأغنية) في الستينات الباكرة. وهرع السويكت فزعاً إلى الرجل الصالح قائلاً له ألم تسمع بالدوي والزلزلة. فقال الرجل، وعليه سمة دروشة ماكرة، لم اسمع شئياً. قال السويكت: البلد مقلوبة يا مولانا. قال الرجل: والله قته عربات اصدمن في الشارع. قال السويكت: يا شيخنا الدنيا قائمة قاعدة والأمة مدروكة وانت ما جايب خبر. الدنيا جائلة انت تقول لي عربات اتصدمن. وحين أطال السويكت العتاب قال الرجل الصالح بصوت خفيض: الناس فجرت يا مولانا. جبنا ليهم الزلازل من تركيا. وددت لو لي هذه السيطرة على الطبيعة لأرهب الناس عن الفجور الذي هم فيه.

أما العزاء الآخر عن كدر المكدرين لترشيحي لرئاسة الجمهورية فقد لقيته حين عُدت منذ أسبوع الأرباب الحسين مفضل الحسين عمدة أبو هشيم من دار الرباطاب. لم أر الأرباب (الذي ينتمي لأسرة الحجولة من أعيان الرباطاب) منذ 1966. وكنت نزلت ضيفاً على والده العمدة مفضل الحسين خلال جولتي لجمع المأثور الثقافي لشعب الرباطاب بتكليف من شعبة أبحاث السودان بجامعة الخرطوم التي أصبحت معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية الحالي. وقد أكمل شغلي بينهم عام 1976 الأستاذ عبد الباسط سبدرات الطالب آنذاك بكلية القانون بجامعة الخرطوم. وأصدرنا كتاباً جمع فأوعى من أدب الرباطاب في "سلسلة دراسات في التراث الشعبي" حررته عام 1968 بالتضامن مع الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر.

والعمدة مفضل نادرة يسوس الناس بالطرف. ولذا قال الرباطاب إن حكامهم الحجولة سحارين ومساخ. وأذكر له طرفة البطيخ. فقد اصطحب العمدة أحد رعاياه إلى بربر وقضى له عوجة ما مع المجلس الريفي. وفي طريق العودة اشترى الرجل خمس بطيخات. ولما نزلا في محطة ابو هشيم طلب العمدة من الرجل أن يقسم له من بطيخه. فأخذ الرجل الممتن للعمدة بطيخة ودفع للعمدة بالأربع بطيخات الأخرى. فنظر له العمدة ملياً راضياً وقال له:" والله يا فلان البطيخ بتعرف لقسمتو."

كان الأرباب الحسين لدي زيارتي تلك فتى حدثاً جميل الوجه طر شاربه حجولياً بطراناً له تفانين في تدخين السجائر. ولدي عيادتي له في أم درمان ظل يدلي لنا بطرفة بعد طرفة. ودارت بعض طرفه عن رجل كان قد أخذ للشراب حتى أخذه الشراب عن نفسه. فركب يوماً القطار قاصداً عطبرة. وكان شبعاناً كما يقولون. فلف تصريح السفر في حقة صعوطه ورقد على الكنبة ونام. وجاءه الكمساري فأيقظه. فتناول الرجل حقته وأخرج التصريح ومده للكمساري وهو راقد لم يزل. فنظر الكمساري في التصريح. وسأل الرجل: إنت مسافر وين. فأجاب الرجل الشبعان بغير أن يحرك ساكناً: كمساري وأمي. التصريح ما واضح. فقال له الكمساري: ولكن هذا قطار حلفا وأنت في نمرة ستة. والقطر المسافر لعطبرة في المحطة الآن فأنزل وأركبه. بدا لي أن من استهانوا بترشيحي للرئاسة مثل الرجل الشبعان تصريحه في حقة وشبعان وماشي غلط وفصيح كمان.

أما العزاء الأخير فهو عزاء حقاً. فقد أراد السيد أبو حس، نسيبي ان يهون عليّ تكسر نصال المنكرين على نصال الجاحدين فقال لي: يا عبد الله دي مخاطرة قبلتها نفسك وفكرت فيها يبدو كتير. ولا يهمك. العرب بتقول السفرة التودر جملك ولا القعاد البوم.

أعادتني تعزية أبو حس إلى مقطع من قصيدة لشيخنا المجذوب ذكر فيها مروره بالخرطوم في طريقه منقولاً من بورتسودان إلى بحر الغزال بغير مكث بالخرطوم. فوصف من تحلق بحانات المدينة السقيمة بأنهم "رخم وبوم". ولا أعرف أن كان شيخنا المجذوب قد استل من بين ثنايا دروشته زلزالا للفاجرين من تركيا أو إيران.

في السفر قد تضيع راحلة السفر. ولا تثريب. أما القعاد البوم فيغري باللؤم.