بين الغربة والوفاء: المغترب السوداني حين يكون سندًا لا يُخذل كتبه مختار العوض موسى

بين الغربة والوفاء: المغترب السوداني حين يكون سندًا لا يُخذل كتبه مختار العوض موسى


04-04-2026, 04:44 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775274240&rn=0


Post: #1
Title: بين الغربة والوفاء: المغترب السوداني حين يكون سندًا لا يُخذل كتبه مختار العوض موسى
Author: مختار العوض موسى
Date: 04-04-2026, 04:44 AM

04:44 AM April, 03 2026

سودانيز اون لاين
مختار العوض موسى-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر







في لحظات الشدة والألم والحاجة، لا يُقاس الإنسان بما يملك من عقارات وأرصدة في البنوك، بل بما يمنح وتجود به نفسه وبتعاطفه وتفاعله مع القضايا الإنسانية؛ خصوصا في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه السبل، أثبت خلاله السوداني وقوفه في الصفوف الأمامية لمعالجة المعضلات؛ فلم يكن غريبا عليه أن يتعاطف مع طبيبة سودانية في خطأ طبي غير مقصود قد يكون نتيجة لعوامل أخرى غير محسوبة؛ وينهض السوداني – حيثما كان – ليكتب درسًا جديدًا في النبل والوفاء والتفاعل بأسمى معانيه؛ وتمكن من تأمين المبلغ المطلوب في أقل من يومين من ٥ أيام تم تحديدها للوفاء بالمبلغ؛ هذا لم يكن مجرد تفاعل عابر مع النداء الإنساني الصادر، بل هو تجلٍ حيٌّ لقيم متجذرة في وجدان هذا الشعب العظيم.
لقد جاء الحكم الصادر يوم الخميس الموافق 2 أبريل 2026م، والقاضي بإلزام طبيبة سودانية – أخصائية النساء والتوليد، ابنة مدينة اللعوتة – بدفع مبلغ (180,000) ريال سعودي خلال خمسة أيام، كصدمة قاسية لكل من عرف هذه الطبيبة عن قرب؛ فهي ليست مجرد مهنية تؤدي عملها، بل إنسانة عُرفت بحسن الخلق، ونُبل المعاملة، والتفاني في خدمة مرضاها، خصوصًا في منطقة القصيم التي شهد لها أهلها قبل غيرهم بذلك.
وما إن انطلق النداء الإنساني، حتى كانت الاستجابة سريعة، مؤثرة، وصادقة؛ فقد أثبت المغتربون السودانيون في المملكة العربية السعودية أنهم ليسوا مجرد أفراد تفرقت بهم السبل خارج الوطن، بل هم جسد واحد، ينبض بروح التضامن، ويتحرك بنداء الإنسانية قبل أي شيء آخر.
رسالة شكر وتقدير إلى كل المغتربين السودانيين في السعودية، إلى أولئك الذين لم يترددوا، ولم ينتظروا، ولم يسألوا: “ما الذي يعنينا؟”
بل قالوا: “هذا واجبنا”…
لكم جميعًا، كل التقدير والامتنان.
لقد جسدتم أسمى معاني التكافل، وأعدتم تعريف الغربة بأنها امتداد للوطن، لا قطيعة معه. وما قمتم به ليس غريبًا عليكم، فأنتم أبناء بيئة عُرفت منذ القدم بـ”الفزع” و”النخوة”، حيث لا يُترك الملهوف وحيدًا، ولا يُخذل صاحب الحاجة.

تحية خاصة لأبناء اللعوتة

أما أبناء اللعوتة، سواء في داخل المملكة أو خارجها فقد كانوا كعادتهم في الموعد وفي طليعة الصفوف؛ تحركوا بقلوبهم قبل أيديهم، وبمشاعرهم قبل حساباتهم، فكانوا العنوان الأبرز لهذه الوقفة الإنسانية التي ليست مجرد دعم مالي، بل هي شهادة حية على معدن أصيل، وعلى إرث أخلاقي متوارث، يُترجم في المواقف لا في الأقوال. وما عُرف عن أهل اللعوتة من حب للخير، ومساعدة للناس، لم يكن يومًا ادعاءً، بل حقيقة تتجدد مع كل محنة.

الطبيبة… إنسان

في خضم الحديث عن الحكم والملابسات، لا بد أن نتذكر أن هذه الطبيبة هي إنسان أولًا، لها تاريخ من العطاء، وسجل من المواقف الإنسانية التي لا تُحصى. وما تعرضت له – مهما كانت تفاصيله – لا ينبغي أن يُختزل في لحظة أو يُختصر في حكم، بل يُنظر إليه في سياقه الإنساني الكامل.
إن دعمها اليوم ليس فقط مساندة لشخص، بل هو دفاع عن قيمة، وانتصار لمبدأ: أن من يخدم الناس، لا يُترك وحده حين يحتاج إليهم.

ختامًا
ما حدث هو أكثر من حملة تبرع، إنه درس في معنى الانتماء، ورسالة بأن السودان – رغم جراحه – لا يزال ينجب رجالًا ونساءً يعرفون كيف يكون الوفاء.
فشكرًا لكل مغترب سوداني في المملكة،
وشكرًا مضاعفًا لأبناء اللعوتة،
وشكرًا لكل قلب تحرك قبل أن يُطلب منه.
فهكذا تُبنى الأوطان… لا بالحجارة، بل بالمواقف.

وكما يقول شاعرنا الراحل إسماعيل حسن:

لو ما جيت من زي ديل كان أسفاي وآمأساتي وآذلي
تصور كيف يكون الحال
لو ما كنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي