Post: #1
Title: في بنية العقل السياسي السوداني: من الملاك إلى إدمان الفشل كتبه ادم ابكر عسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 04-02-2026, 01:58 AM
01:58 AM April, 01 2026 سودانيز اون لاين ادم ابكر عيسي-السودان مكتبتى رابط مختصر
ٱصداء الوعي .
كانت ونسة مع صديقٍ أعدّه من أولئك الذين ينهلون من الفلسفة اليونانية وكتب رواد عصر التنوير، فضلًا عن أعظم ما كتب في الفلسفة السياسية والاجتماعية، فدار حديثنا عن الوضع الراهن، وعن ماهية السياسي في عالمنا الثالث، وبخاصة في السودان. تأملنا نمط تفكير العقل السياسي الحزبي في تأطير القيم السياسية داخله وخارجه، وعملية بناء هياكل سياسية تمتلك القدرة على التفكير العلمي ومنهجية اتخاذ القرار؛ ليكون عقلًا جمعيًا بعيدًا عن العقل الأحادي، فتوصلنا إلى أن البنية السياسية في السودان هشة، تعتمد على النظام الأحادي في كل شيء؛ بمعنى أن الزعيم هو الحزب، هو المفوّض والمخطط والمشرّع. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن المكونات السياسية—حتى تلك التي في خانة الثورة—لم تتحول بعد إلى مكونات سياسية بالمعنى المؤسسي، وتتوزع في ثلاثة مستويات: المستوى الأول: الملاك، وهم غالبًا لا يتجاوز عدد أفرادهم اثنين أو ثلاثة، يمتلكون مفاتيح القرارات كافة، وتربط بينهم صلة دم أو قرابة، فتنتهي الأمور كلها إليهم، ولهم وحدهم حق الاختيار، وحق كل شيء. والمستوى الثاني: المستأجرون، الذين لهم صلاحيات محدودة، لكنهم يدورون في فلك الملاك؛ لتجميل صورتهم وجعلهم أكثر جاذبية إعلاميًا وسياسيًا، ولهم مساحة للتحرك في الدفاع عن رؤية الحزب وفق رؤية الملاك. أما المستوى الثالث: فهو الهتيفة أو جماعة الحشد، الذين يمتلكون القدرة على حشد الجماهير والدفاع عن المستويين الأول والثاني، دون أن يسألوا عن منهجية اتخاذ القرار، أو عن ماهية التنظيم، أو الأصول المالية والمنقولات، أو آلية الاختيار—سواء في التحالفات أو غيرها—فعليهم فقط الطاعة والسمع. لذلك، كان الوطن معقّدًا منذ البداية، وحين كتب منصور خالد عن "النخبة السودانية وإدمان الفشل"، كان ذلك نتيجة قراءة عميقة للواقع. وهذا التصنيف—للأسف—يسري حتى على مستوى مؤسسات الدولة ذات النهج نفسه، من أعلى السلم السيادي إلى مجلس الوزراء، والمؤسسات المالية ذات الطابع الاقتصادي؛ لأنه نهج غُرِس في ماهية العمل السياسي.
إن بناء دولة قوية بعد معركة الكرامة يتطلب تغيير تلك القواعد الراسخة، فلن يقوم أي بنيان سليم للعمل السياسي إلا على قيم ومبادئ أساسية تؤسس لنظام سياسي ذي منهجية واضحة، تنشل الوطن من أزماته، وتقلل من الصراع. فالغاية الأسمى هي بناء الوطن والإنسان، والتنافس على تقديم الخدمة للإنسان ذاته، كما ينبغي أن يتيح هذا النظام فرصة التدرج السليم، ويفرز قيادات جديدة على أساس الكفاءة والقدرة والمعرفة، بعيدًا عن التصنيف السابق. وعندئذٍ، تصبح المبادئ والقيم أكثر اتساقًا مع الواقع، وتنتهي حالة إدمان الفشل. إن الحرب الحالية—في السودان—ليست سوى نتاج طبيعي لتلك الأزمة العميقة في بنية العقل السياسي، فحين يغيب العقل الجمعي، وتُختزل المؤسسة في فرد، وتُصادر آليات المشاركة الحقيقية، يصبح العنف هو اللغة الوحيدة المتبقية لحسم الصراعات. وما نحتاج إليه اليوم هو تحول جذري في تصورنا للسياسة ذاتها: من سياسة الملاك والمستأجرين والهتيفة، إلى سياسة المواطنة والعقل الجمعي والمؤسسة، سياسة تضع الإنسان غاية ووسيلة، وتجعل من التنافس على تقديم الخدمة معيارًا للشرعية. ولعل في قراءة تجارب التنوير—التي كان صديقي مولعًا بها—ما يضيء لنا طريق الخروج من هذه الحلقة المفرغة من إدمان الفشل.
|
|