Post: #1
Title: مشروع المؤتمر الشعبي هل هي عودة… أم إعادة تدوير للأزمة؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 04-01-2026, 10:14 PM
10:14 PM April, 01 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لا يظهر أي مشروع سياسي في السودان بمنأى عن سياقه التاريخي، ولا يمكن لأي تنظيم حزبي أن يتجاوز إرثه التأسيسي، مهما لجأ إلى استراتيجيات التجديد الخطابي. وفي هذا الإطار، يطرح "مشروع المؤتمر الشعبي" نفسه في لحظة سياسية فارقة، لكنه يصطدم بسؤال جوهري يتجاوز ظروف المرحلة هل يمثل هذا المشروع استمرارية للمرجعية الفكرية لحسن الترابي، مع تكييفها وفق معطيات جديدة، أم أنه يعكس محاولة بقيادة علي الحاج لتجاوز إرث غير مراجع ، من دون تقديم مراجعة نقدية صريحة؟
يقتضي التحليل استحضار دور حسن الترابي بصفته أحد أبرز المهندسين للإسلام السياسي في السودان، وصاحب تأثير بنيوي في مؤسسات الدولة خلال عهد عمر البشير. فبالرغم من تحول المؤتمر الشعبي لاحقًا إلى تيار معارض داخل التيار الإسلامي فإن هذا الانفصال لم يرقَ إلى مستوى القطيعة الفكرية الجوهرية مع الرؤية السياسية التي ساهمت في بلورة الأزمات الوطنية الراهنة
وفي ظل قيادة علي الحاج، يسعى الحزب إلى إعادة تموقعه في خريطة سياسية تعاني من حالة سيولة واضحة. إلا أن الإشكال لا يكمن في الرغبة في العودة إلى الفعل السياسي، بل في غياب مراجعة نقدية ذاتية واضحة. فلا تتضمن الخطابات الرسمية اعترافًا بالمسؤولية السياسية، ولا نقدًا موضوعيًا لتجربة الحكم السابقة، ولا مساءلة للمنطلقات النظرية التي أسست لتلك التجربة. ما يُطرح حاليًا يظل ضمن خطاب عام حول الإصلاح، دون تحديد دقيق لموضوع الإصلاح أو مدى القطيعة مع الممارسات السابقة
تتسع دائرة الغموض لتشمل التحالفات السياسية والمواقف من القضايا المصيرية. فبينما تتبنى بعض قيادات الحزب شعار "الدولة المدنية"، تظل هناك علامات استفهام حول مدى استعداد الحزب للانخراط في فصل حقيقي بين العمل الدعوي والسياسي، أو التخلي عن مشروعه الأيديولوجي لصالح مشروع وطني جامع. وهنا يبرز تناقض بنيوي: فمن غير الممكن تقديم خطاب جديد بمفاهيم وأدوات لم تُخضع للنقد والتفكيك
من النقاط اللافتة في توقيت هذا المشروع أنه يأتي في سياق ضعف عام للقوى المدنية، مما يضفي على تحركات المؤتمر الشعبي طابع استغلال فراغ السلطة، لا الاستجابة الناضجة لحاجة وطنية. ففي وقت تعاني فيه أطر مدنية مثل "الحرية والتغيير" من انقسامات داخلية، ويتراجع فيه الفاعلون المدنيون المستقلون، تجد الأحزاب ذات التنظيمات التاريخية، ومنها المؤتمر الشعبي، فرصة لتعزيز نفوذها. لكن هذا التمدد لا يعكس بالضرورة امتلاك رؤية حل، بل يعكس بالأساس قدرة على الحركة في سياق غياب الفاعلين.
ويظل السؤال المحوري معقودًا بذاكرة السودان السياسية و هل يمكن لاستبدال الخطاب أن يمحو آثار الممارسة؟ وهل يكفي تقديم خطاب أقل حدّة لتجاوز إرث سياسي أثقل كاهل الدولة والمجتمع؟ تشير الوقائع إلى أن المجتمعات قد تتناسى التفاصيل الإجرائية لكنها لا تتناسى النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتجارب الحاكمة
على مستوى المضمون، لم يقدم "مشروع الشعبي" إجابات واضحة حول الأسئلة الكبرى: طبيعة الدولة التي يدعو إليها، وآليات ضمان عدم تكرار تجربة الحكم السابقة، وكيفية التعامل مع إرثه السياسي. هذا الفراغ في التحديد يعكس أزمة داخلية في تعريف المشروع ذاته
القول افصل في هذا التحليل أن المؤتمر الشعبي يواجه خيارًا استراتيجيًا بين قطيعة جادة مع إرث حسن الترابي، تشمل مراجعة الأسس الفكرية والممارسات السياسية السابقة، وبين استمرار محاولة إعادة إنتاج هذا الإرث بوسائل شكلية وأطر قيادية جديدة وفي ظل غياب حسم هذا الخيار، يظل الموقف الشعبي قائمًا على الحذر، مع تراجع هامش منح الثقة دون مقابل موضوعي.
|
|