قيادة لحم راس كتبه د. ياسر محجوب الحسين

قيادة لحم راس كتبه د. ياسر محجوب الحسين


04-01-2026, 08:40 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775072406&rn=0


Post: #1
Title: قيادة لحم راس كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 04-01-2026, 08:40 PM

08:40 PM April, 01 2026

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة



قيادة "لحم راس"







لستُ أدري، وأغلبُ الظن أن الكثيرين مثلي لا يدرون، كيف يسوسُ المرءُ مَركباً تتقاذفه الأمواجُ العاتيةُ وهو بدون دفة، أو كيف يرجو النجاةَ لجسد أثخنته الجراحُ وهو يفتقدُ القلبَ النابضَ الذي يضخُ في عروقه العزيمةَ واليقين. إني لأرى السودان اليوم، في محنته الكبرى، كأنه هيكلٌ عظيمُ البناء، شديدُ البأس في مَنعته، ولكنه يفتقر إلى العقل السياسي الذي يُبصر المواقع قبل أن تطأها الأقدام، وإلى "الحاضنة السياسية" التي تجمعُ شتات الرؤى في بوتقةٍ واحدة، وتضبطُ إيقاع الدولة فلا يضطربُ لها قولٌ في الداخل ولا يرتعشُ لها فعلٌ في الخارج.

والحاضنةُ السياسية، لمن التبسَ عليه الفهم، ليست مجردَ تحالفاتٍ نفعية تبرمها النخب في عتمةِ الليالي، بل هي "المحضنُ الفكري" والظهيرُ الشعبي الذي يمنحُ السلطةَ شرعيتها الأخلاقية ووحدتها الاستراتيجية. هي ذاك "العقل الجمعي" الذي يحولُ حماسَ الجماهير إلى طاقةٍ منظمة، ويحولُ القوةَ العسكرية إلى فعلٍ سياسيٍّ مُثمر. ولنا في تاريخ السودان عبرة؛ فما كان لمؤتمر الخريجين" في أربعينيات القرن الماضي أن يزلزل الأرض تحت أقدام المستعمر إلا لأنه مَثّل الحاضنة التي وحدت الوجدان وصاغت الهدف. وإذا نظرنا خارج الحدود، رأينا كيف كانت «جبهة التحرير الوطني» في الجزائر هي الرئة التي تنفست بها الثورة، فكانت الرصاصةُ تخرجُ من البندقية وهي تعرفُ وجهتها السياسية تمام المعرفة.

أما اليوم، فإن الفاجعةَ تكمن في هذا "التيه" الذي يعيشه العقل السياسي الحاكم وأقرب وصف دارجي له قيادة "لحم راس"؛ فذلك أسير نخبويته وبرجه العاجي، وذاك رهين عسكريته القَحّة التي تراوح مكانها وتعتزل فنون السياسة، وأولئك عالقون في أسر عقلية التمرد والجهوية. إني لأعجبُ، ويملأ العجبُ نفسي مرارةً وأسى، كيف يغيبُ هذا الوعي والبلادُ تواجه تهديداً وجودياً لم يسبق له مثيل! فبينما تعتملُ مؤامراتُ الجوار في الصدور وتتبدى في الواقع تدخلا سافرا، وبينما تعبث مليشيا الدعم السريع في نحو نصف البلاد، فتحتلُ الدور، وتعطلُ الإنتاج، وتضرب اقتصاد الأمة في مقتل، وتستمر في جرائمها التي تأباها الفطرة الإنسانية، نجدُ العقلَ السياسي سادراً في غيه، عاجزا عن خلق الكتلة التاريخية التي تقودُ الناس وتوحدُ الكلمة.

لقد أدى هذا الفراغ السياسي إلى أخطر الخسارات: "تآكل المقاومة الشعبية ومطاردة قادتها. تلك الهبّةُ التي اشتعلت كقبس من نور، بدأت تذوي ويخبو حماسُها؛ لا لأن الشعبَ قد كلّ عن الفداء، بل لأنه لم يجد حكمةً سياسيةً تحتضنُ تضحياته وتستثمرها في مشروعٍ وطنيٍّ ناجح. إن القوةَ بلا فكرٍ عماية، والحربَ بلا رؤيةٍ انتحار. فإلى متى يظلُ هذا العقلُ السياسي غائبا؟ ألم يأنِ له أن يدرك أن المنعة والسؤدد لا يُنالان بالبيانات الإنشائية، بل ببناء جبهة داخلية صلبة تدركُ أن المعركة ليست معركة بندقية فحسب، بل هي معركة وجود تُدار بعقل لا ينام، وقلب لا يرتجف، وبصيرة لا تضلُ الطريق.