القوى المدنية في السودان- من فشل “الحركة” إلى أزمة الدولة

القوى المدنية في السودان- من فشل “الحركة” إلى أزمة الدولة


04-01-2026, 04:14 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1775013248&rn=0


Post: #1
Title: القوى المدنية في السودان- من فشل “الحركة” إلى أزمة الدولة
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 04-01-2026, 04:14 AM

04:14 AM March, 31 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






لا يمكن قراءة تجربة القوى المدنية في السودان كمسارات منفصلة، بقدر ما هي تعبيرات متعددة لأزمة واحدة عميقة فالإسلاميون، والأحزاب التقليدية، والتيارات اليسارية، والقوى التي برزت مع ثورة ديسمبر 2018—جميعها
شاركت في محاولة بناء الدولة منذ الاستقلال، لكنها انتهت إلى نتيجة متقاربة - دولة هشة، وسلطة غير مستقرة، وأزمة متجددة في الشرعية , وهذا يطرح السؤال الجوهري- لماذا فشلت قوى مدنية مختلفة المشارب في بناء دولة حديثة مستقرة؟
من “الحركة” إلى “الدولة” المفارقة الأساسية
تكشف التجربة السودانية عن مفارقة مركزية أن معظم القوى المدنية دخلت الحكم—أو اقتربت منه—بعقلية “الحركة” لا “الدولة”

الإسلاميون نقلوا أدوات التنظيم إلى مؤسسات الدولة، فغلب الولاء على الكفاءة، واختلط الدعوي بالسياسي. الأحزاب التقليدية أعادت إنتاج نفوذها الطائفي داخل الدولة، فبقيت المؤسسات رهينة للزعامات
التيارات اليسارية، رغم عمقها النقدي، لم تنجح في تحويل خطابها إلى برامج حكم عملية , أما القوى المدنية الحديثة، فقد واجهت ضعفًا تنظيميًا وتشرذمًا حال دون ترجمة الزخم الثوري إلى سياسات قابلة للتنفيذ
في كل هذه الحالات، لم تصبح الدولة إطارًا جامعًا، بل امتدادًا لمشروع سياسي

آليات إنتاج الفشل
لم يكن التعثر عرضيًا، بل نتيجة آليات متكررة داخل بنية العمل السياسي
الشخصنة بدل المؤسسية ارتباط الأحزاب برموز تاريخية أعاق التجديد
ضعف صناعة القرار غياب مراكز التفكير والتخطيط الاستراتيجي
التناقض بين الشعارات والممارسة رفع قيم الديمقراطية دون تطبيقها داخليًا
الارتهان للحظة السياسية تغليب ردود الفعل على الرؤية طويلة المدى
هذه العوامل جعلت كثيرًا من القوى المدنية أقرب إلى “نشاط سياسي” منها إلى “ممارسة حكم”
من السلطة إلى المعارضة حلقة مفرغة
عقب كل تجربة حكم، تعود القوى المدنية إلى المعارضة بخطاب إصلاحي، لكنها تعيد إنتاج الإشكال ذاته- خطاب أخلاقي مرتفع مقابل ضعف البدائل، نقد مستمر دون برامج مكتملة، وتذبذب بين المبدئي والتكتيكي
وهكذا تتكرر الدائرة فشل في الحكم، ثم معارضة بلا بديل، ثم عودة بنفس الأدوات

المرأة السودانية مؤشر على خلل أعمق
لا يمكن فهم أزمة السياسة المدنية دون التوقف عند موقع المرأة السودانية داخلها. فقد كانت النساء في طليعة كل لحظات التغيير—من ثورة أكتوبر 1964 إلى ثورة ديسمبر 2018، حيث برزن كقوة حاسمة في الشارع والتنظيم
لكن هذا الحضور لم ينعكس في مواقع اتخاذ القرار. فعند الانتقال من الثورة إلى السلطة، تراجعت مشاركة النساء بشكل ملحوظ، سواء في مؤسسات الحكم أو في طاولات التفاوض
هذا التهميش لا يقتصر على تيار بعينه، بل يشمل معظم القوى المدنية، بما فيها تلك التي ترفع شعارات التقدمية , وغالبًا ما تُختزل مشاركة النساء في تمثيل رمزي أو كوتا شكلية، دون تمكين فعلي داخل مراكز القرار

الأعمق من ذلك أن نفس “عقلية الحركة”—القائمة على الولاءات والشبكات المغلقة—تعيد إنتاج هذا الإقصاء، حتى داخل المشاريع التي تتبنى خطاب العدالة , وبذلك، يصبح تهميش المرأة دليلًا على خلل بنيوي في بنية العمل السياسي، لا مجرد قضية حقوقية منفصلة
أزمة دولة لا صراع قوى
اختزال الأزمة السودانية في صراع بين تيارات سياسية يضلل أكثر مما يفسر. فالسودان يواجه أزمة دولة مكتملة الأركان، تتجلى في
هشاشة المؤسسات واعتمادها على الأفراد
اختلال العلاقة بين المدنيين والعسكريين
فشل إدارة التنوع وتحوله إلى صراعات
اقتصاد ضعيف غير منتج
نخبة سياسية عاجزة عن تقديم مشروع وطني جامع
في هذا السياق، لا تبدو أي قوة مدنية بمنأى عن المسؤولية.

السؤال الحقيقي كيف يُحكم السودان؟
لم يعد السؤال “من يحكم؟” بل “كيف يُحكم السودان، وبأي قواعد؟” , فغياب دستور توافقي ومؤسسات مستقلة، واستمرار الخلط بين الهوية والدولة، يجعل أي تجربة حكم هشة ومؤقتة
كما أن بناء دولة حديثة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة، وضمان خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية

نحو تحول جذري
الخروج من الأزمة يتطلب تحولًا في طبيعة السياسة المدنية نفسها - الانتقال من الزعامة إلى المؤسسة
من الصراع على السلطة إلى إدارة الدولة
من الإقصاء إلى الشراكة الوطنية
ومن التمثيل الرمزي للمرأة إلى تمكينها الفعلي كشريك كامل
فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والقدرة على إدارة التعقيد

أثبتت التجربة السودانية أن إسقاط الأنظمة ليس التحدي الأكبر، بل بناء ما بعدها , فالأزمة لم تعد في غياب البدائل، بل في عجز القوى التي تطرح نفسها كبديل عن التحول إلى فاعل قادر على إدارة الدولة
وما لم يحدث هذا التحول، سيظل السودان يدور في نفس الدائرة , انهيار، انتقال هش، صراع، ثم انهيار جديد

وحده تجديد شامل للسياسة المدنية ويضع الدولة فوق المشاريع، والمواطنة فوق الانتماءات , ويمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا، تكون فيه المرأة شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل، لا مجرد رمز في لحظات التغيير.