شهادة تاريخية عن المسرح في ود مدني نقلاً عن توثيق الباحث الأستاذ كمال يوسف كتبه الوليد محمد الحسن

شهادة تاريخية عن المسرح في ود مدني نقلاً عن توثيق الباحث الأستاذ كمال يوسف كتبه الوليد محمد الحسن


03-31-2026, 02:07 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1774919276&rn=0


Post: #1
Title: شهادة تاريخية عن المسرح في ود مدني نقلاً عن توثيق الباحث الأستاذ كمال يوسف كتبه الوليد محمد الحسن
Author: الوليد محمد الحسن ادريس
Date: 03-31-2026, 02:07 AM

02:07 AM March, 30 2026

سودانيز اون لاين
الوليد محمد الحسن ادريس-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





إذا كانت المدرسة الأميرية قد شكلت النواة الأولى للمسرح المنظم في ود مدني، فإن الباحث والمؤرخ الأستاذ كمال يوسف قد قدم شهادة تاريخية موثقة تضيء جوانب أخرى من هذا الإرث، وتكشف عن امتداد النشاط المسرحي في المدينة ليشمل مؤسسات وأسماء جديدة، تؤكد على أن ود مدني كانت بالفعل عاصمة ثقافية نابضة بالحياة منذ مطلع القرن الماضي.

يشير توثيق الأستاذ كمال يوسف إلى أن النشاط المسرحي في ود مدني لم يكن مقتصراً على المدرسة الأميرية وحدها، بل امتد ليشمل النوادي الاجتماعية والمؤسسات الدينية والثقافية. فإلى جانب الكنيسة القبطية والنادي المصري القديم اللذين شهدا نشاطاً لافتاً للأستاذ صديق فريد، ظهرت فرق مسرحية أخرى تبنتها أندية الخريجين والجمعيات الأدبية، مما جعل من المسرح فضاءً عاماً للقاء والتعبير.

ويضيف الأستاذ كمال يوسف في توثيقه أن الفترة ما بين العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي شهدت تحولاً نوعياً في بنية العمل المسرحي بود مدني، حيث انتقل من كونه نشاطاً مدرسياً يرعاه ناظر المدرسة إلى حركة مجتمعية منظمة، تضم نخبة من الخريجين والمثقفين الذين تشبعوا بتجربة المدرسة الأميرية، وبدأوا في نقلها إلى فضاءات أوسع.

من أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الشهادة التاريخية هو الدور الذي لعبته مجموعة "عرفات محمد عبدالله" التي سبق أن أشرنا إليها، حيث يؤكد الأستاذ كمال يوسف أن هذه المجموعة لم تكتف بإعادة تقديم مسرحية "مجنون ليلى" التي سبق أن قدمتها المدرسة الأميرية، بل أسست تقليداً مسرحياً استمر لعقود، وجعل من نادي الخريجين بود مدني منبراً فنياً مهماً، يستقطب الجماهير من مختلف أحياء المدينة.

كما يشير الباحث إلى أن الأستاذ صديق فريد، رغم انتقاله من نظارة المدرسة، ظل مرتبطاً بود مدني، وواصل تقديم عروضه فيها، خاصة مسرحية "عطيل" التي أعاد تقديمها عام 1931م، مما يعكس استمرارية العلاقة بين الرائد ومدينته، واستمرارية التلقي المسرحي لدى جمهور مدني الذي أظهر وعياً مبكراً بفنون المسرح العالمي.

وتكشف شهادة الأستاذ كمال يوسف أيضاً عن طبيعة الجمهور الذي كان يحضر هذه العروض، فهو لم يكن مقتصراً على الطلاب والأساتذة، بل كان يمثل نخبة المجتمع المدني في ود مدني: موظفون، تجار، وجهاء، إلى جانب عامة الناس الذين وجدوا في المسرح متنفساً ثقافياً يثري حياتهم. وهذا التنوع في الجمهور ساهم بدوره في تنويع العروض، وجعلها تخاطب أذواقاً متعددة.

وإذا كان المسرح في تلك الفترة لا يزال يعاني من بدائية الإمكانات كما وثقت الحلقة السابقة، فإن الباحث يؤكد على أن الروح الفنية العالية والإيمان بقيمة الفن كانا يعوضان عن نقص الإمكانات المادية. فالممثلون كانوا يعدون أدوارهم بإخلاص، والمخرجون كانوا يبحثون عن النصوص بعناية، والجمهور كان يحضر بتوق واهتمام، مما خلق حالة من التكامل الفني النادر.

لم تقتصر العروض على المسرحيات العالمية أو التراجيديات العربية فقط، بل شملت أيضاً أعمالاً كوميدية ومسرحيات خفيفة كانت تجذب جمهوراً أوسع، وتثبت أن المسرح في مدني كان يعي أهمية التنويع، وقدرته على مخاطبة مختلف الشرائح الاجتماعية.

ويضيف الأستاذ كمال يوسف أن هذه الحركة المسرحية المزدهرة كان لها أثر بالغ في تكوين وعي ثقافي متقدم لدى أبناء المدينة، حيث أصبح حضور المسرح جزءاً من تكوينهم الثقافي، وأصبحت مناقشة العروض المسرحية موضوعاً من مواضيع السهرات الأدبية في المقاهي والمنتديات.

وختاماً، تظل شهادة الباحث الأستاذ كمال يوسف وثيقة تاريخية مهمة، تؤكد على أن المسرح في ود مدني لم يكن مجرد ظاهرة عابرة، بل كان تجسيداً لحالة ثقافية متكاملة، جمعت بين الإرث التربوي للمدرسة الأميرية، والحماس الشبابي لفرق الخريجين، والوعي المجتمعي المتنامي بأهمية الفن. إنها شهادة على أن ود مدني كانت، ولا تزال، منارة ثقافية، وأن جذور مسرحها تمتد عميقاً في تاريخ السودان الثقافي والحضاري.