Post: #1
Title: المؤتمر الشعبي والحركة الإسلامية - طرح بلا ذاكرة، وتسوية بلا عدالة، وإرث لا يُقفز فوقه#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 03-30-2026, 05:15 PM
05:15 PM March, 30 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في مشهد سياسي سوداني يزداد ارتباكاً يوماً بعد يوم، يخرج إلينا حزب المؤتمر الشعبي برؤية يدعو فيها إلى وقف الحرب، ومرحلة انتقالية قصيرة تقود إلى انتخابات طرح يبدو – للوهلة الأولى – منطقياً ومستعجلاً، لكنه عند التمحيص يكشف عن مفارقة جوهرية: حزب كان جزءاً أصيلاً من صناعة الأزمة، يتحدث اليوم وكأنه مراقب محايد خارجها
ولكي نفهم عمق هذه المفارقة، لا بد من تذكّر أن الحركة الإسلامية السودانية (ذراع الإخوان المسلمين محلياً تحت قيادة حسن الترابي ثم امتداداته) ليست مجرد تيار ديني-سياسي عابر، بل هي القوة المنظمة التي حوّلت السودان من دولة حديثة محتملة إلى نموذج فاشل للحكم الإسلاموي دورها ليس مجرد "تأثير"، بل كان سيطرة استراتيجية استمرت ثلاثة عقود كاملة (1989-2019)، ثم تحولت إلى شبكة عميقة (deep state) بعد الثورة، تعمل اليوم على إعادة التموضع وسط الحرب الدائرة
أولاً التوقيت… حين يتحدث من أشعل الحريق عن الإطفاء ليس من السهل التعامل مع خطاب المؤتمر الشعبي بمعزل عن تاريخه داخل هذه الحركة الإسلامية التي حكمت السودان لعقود، وأسست لواحدة من أكثر التجارب السياسية فشلاً وتدميراً في إدارة الدولة السؤال هنا ليس بسيطاً هو لماذا الآن؟ لماذا يظهر هذا الصوت بعد أن انهارت الدولة عملياً، وتفكك الجيش، وانتشرت المليشيات في كل بقعة؟
لنُواجه الحقيقة التاريخية في 30 يونيو 1989، قاد حسن الترابي وتنظيمه (الجبهة الإسلامية القومية) انقلاباً عسكرياً مدعوماً من ضباط إسلاميين داخل الجيش، أطاحوا بحكومة منتخبة ديمقراطياً، وشرعوا في فرض مشروعهم الإسلاموي على السودان مفتتحين ثلاثة عقود من التمكين والتدمير المؤسسي
لم يكن الهدف "إنقاذ البلاد" كما روجوا، بل فرض مشروع حضاري إسلاموي شامل يقوم على "التمكين" و اختراق كل مؤسسات الدولة بالكوادر الحركية، تحويل الجيش إلى أداة أيديولوجية بدلاً من مؤسسة وطنية، وإلغاء الديمقراطية تحت شعار "الشريعة أولاً" هذه الحركة حوّلت الصراعات السياسية إلى صراعات مسلحة قبلية، وخلقت أجهزة أمن موازية (كالأمن الشعبي والدفاع الشعبي)، ودعمت مليشيات قبلية، خاصة في دارفور، لقمع المعارضة , حقيقة هذا هو الجذر الحقيقي لانتشار "المليشيات" الذي يشكو منه الجميع اليوم
أين كان هذا الخطاب التسووي عندما كانت السلطة في متناول اليد؟ الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن هذا الطرح لا يأتي من موقع المراجعة والاعتراف بالخطأ، بل من موقع إعادة التموضع في المشهد إنه خطاب تيار أدرك أن المعادلة العسكرية لن تحسم لصالح طرف بعينه، وأن العودة إلى المشهد لن تتم إلا عبر لغة "التسوية" و"الدولة المدنية"، وهي ذات الشعارات التي كان يقاومها بالأمس بكل شراسة
ثانياً العدالة المؤجلة… حماية الماضي لا بناء المستقبل الأخطر في طرح المؤتمر الشعبي ليس ما قاله عن العدالة، بل ما تعمد تجاهله بصمت مطبق , فالحديث عن تأجيل العدالة الانتقالية إلى ما بعد الانتخابات، دون أي إشارة إلى تفكيك نظام التمكين، ليس حياداً أبداً… بل موقف سياسي واضح وقاسٍ
يعني ببساطة إعادة ترتيب الأولويات بطريقة تضمن مرور الماضي دون مساءلة , فكيف يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية ومؤسسات مستقلة دون مواجهة إرث التمكين الذي اخترق الدولة في كل مستوياتها؟
هذا الصمت ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جوهر الأزمة برمتها. أي انتقال لا يواجه هذا الإرث بشكل جذري، هو انتقال يعيد إنتاجه بصورة جديدة السودان الذي تسلمته الحركة عام 1989 كان دولة موحدة (رغم مشاكلها)، والسودان الذي تركته عام 2019 كان مفككاً، مديوناً، منهاراً، معزولاً دولياً، ومتهماً بالإرهاب , أنه القفز فوق هذا التاريخ هو قفز فوق دماء الضحايا
ثالثاً السلاح خارج الدولة… التجاهل المقصود في بلد تتنازعه البنادق والمليشيات على حلقات وصل استراتيجية، يصبح الحديث عن السياسة دون التطرق الجاد لمسألة السلاح نوعاً من الهروب الذريع
ورقة المؤتمر الشعبي تحدثت بشكل فضفاض عن رفض الجمع بين العمل السياسي والمسلح، لكنها لم تقدم أي آلية لنزع السلاح، ولا تصوراً لتفكيك المليشيات، ولا حتى توصيفاً واضحاً لها هنا تظهر المفارقة بوضوح قاتل كيف يمكن بناء دولة مدنية بوسائل تتجاهل وجود قوى مسلحة قوية خارج سيطرة الدولة؟ الصمت هنا ليس عجزاً في التحليل، بل تجنب متعمد لموقف مكلف سياسياً، لأنه لو تم تفكيك المليشيات حقاً، لانكشفت شبكات التمكين القديمة والجديدة
خطاب يريد المستقبل… دون مواجهة الماضي طرح المؤتمر الشعبي، والحركة الإسلامية التي ينتمي إليها، يعكس رغبة في العودة إلى المشهد السياسي، لكنه يفعل ذلك عبر خطاب ينتقي ما يناسبه من الأزمة، ويتجنب بذكاء ما يحرجه يريد وقف الحرب وانتخابات سريعة، لكنه لا يريد مساءلة حقيقية، ولا تفكيكاً للتمكين، ولا مواجهة جادة لواقع السلاح , في هذا التناقض الأخلاقي والسياسي يكمن جوهر المشكلة السودانية
السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات "مريحة" تلملم شتات النفوذ القديم، بل إلى مواقف صريحة وقطع جذري مع مشروع الحركة الإسلامية ككل لا يحتاج إلى تسويات سريعة ترضي الفاسدين، بل إلى حلول عادلة تضع المجرمين أمام المحاكمة أما القفز فوق الماضي وإعادة توزيع الأدوار بين من أمسك بالسلاح العسكري ومن يقدم الوجه المدني، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة مؤكدة إعادة إنتاج الأزمة… هذه المرة بثمن أعلى وبأنقاض لا تُجبر.
أي تسوية تسمح لهذه الحركة وهؤلاء الناس بالعودة تحت أي عنوان، هي تسوية بلا مستقبل.
|
|