Post: #1
Title: العلمانية في السودان- ليست كفراً… بل شرط البقاء#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 03-29-2026, 11:01 PM
11:01 PM March, 29 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في نهاية مارس الحالي من العام الجاري 2026، وبينما يترقب العالم بقلق نذر المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران في مياه الخليج، يغرق السودان مجدداً في منطقته الرمادية المنسية هذه العزلة الدولية، رغم قسوتها، تمنحنا فرصة تاريخية لمواجهة الحقيقة بلا أقنعة إن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 والتي تحولت إلى حرب وكالة إقليمية ليست مجرد صراع على الموارد والموانئ، بل هي تجسيد لمأزق استغلال "المقدس" في خدمة "الدنيوي" حيث تُحوَّل الشعارات الدينية إلى وقود يحرق المدن من الخرطوم إلى الجنينة، وصولاً إلى شريان عطبرة الاقتصادي
مأزق "الدولة المؤدلجة" تصفية حسابات بعباءة الدين يكشف المشهد السوداني الراهن فشل نموذج "الدولة المؤدلجة" التي بنيت على تحالف السلطة العسكرية والصبغة الإسلاموية الإقصائية اليوم أصبح السودان ساحة لـ"حروب بالوكالة"؛ جهات خارجية تستثمر في أطراف النزاع تحت ستار "الدفاع عن الهوية"، بينما يدور القتال فعلياً حول الذهب والنفوذ الجيوسياسي في هذا الصراع، يُختزل المواطن إلى "رقم" في معادلة ولاء عقائدي أو قبلي، مما جعل السلام مستحيلاً طالما بقي الصراع داخل إطار الدولة الثيوقراطية التي تستخدم الدين كأداة شرعنة للسيطرة المركزية أو الطموحات البراغماتية
العلمانية كـ"مسافة أمان" دروس من التجربة التونسية عند مقارنة الواقع السوداني بالتجربة التونسية، نجد دروساً بليغة. تونس، التي اعتمدت "علمانية براغماتية" منذ عهد بورقيبة وتطورت إلى "توافق دستوري" في 2014، نجحت نسبياً في تجنب الحرب الأهلية عبر خلق مساحة للتعايش بين العلمانيين والإسلاميين ورغم التراجع الديمقراطي الحالي في تونس تحت سلطوية قيس سعيد، إلا أن جوهر الدرس يبقى قائماً العلمانية ليست "خروجاً عن الملة"، بل هي "مسافة أمان" تحمي قدسية الدين من دنس المناورات السياسية
في السودان، حيث أدت "الدولة الإسلامية" الكاملة إلى تفكك النسيج الاجتماعي وانفصال الجنوب، تبرز العلمانية كضمانة وحيدة لـ"المواطنة المتساوية". الدولة المدنية العلمانية لا تفرض إلحاداً ولا تحارب إيماناً، بل تقف على مسافة واحدة من الجميع من عامل السكة حديد في عطبرة إلى النازح في معسكرات دارفور. معيارها الوحيد هو "القانون"، الذي يحول التنوع السوداني من سبب للحرب إلى مصدر للقوة
اللوحة الاقتصادية والاجتماعية العلمانية كأساس للإعمار لا يمكن إعادة بناء القطاع الزراعي المنهار أو الصناعة المتوقفة دون إطار قانوني مدني مستقر. العلمانية هنا ضرورة وجودية لتحقيق
المواطنة المنتجة لابد من استبدال الولاءات العقائدية بالكفاءة المهنية، وتحرير المجتمع المدني ولجان المقاومة من "سوس الانقسام" السياسي
الاستقرار الاستثماري وطمأنة رأس المال عبر قضاء مستقل لا يخضع للأهواء الأيديولوجية أو الضغوط العسكرية
العدالة الحقوقية حماية الفئات الضعيفة (النساء، الأقليات، النازحين) من تحول المنظمات الحقوقية، مثل "محامو الطوارئ"، إلى أدوات في صراع الاستقطاب
نحو علمانية "قاعدية" نقد الذات والارتباط بالشارع علينا الاعتراف بأن ضعف المجتمع المدني السوداني نتج عن "نخبوية خرطومية" ارتهنت أحياناً لأجندات المانحين. الحل لن يأتي بـ"علمانية صالونات"، بل بعلمانية "قاعدية" تنبت من لجان الأحياء والنقابات المستقلة هي العلمانية التي تترجم إلى "رغيف خبز" متوفر، و"أمن" يشمل الجميع، و"قضاء" لا يفرق بين وزير وغفير , و إنها مشروع وطني يعيد بناء "السودانية" كهوية جامعة لا كغطاء للإقصاء
الاختيار بين الوطن والعدم في مارس 2026، نقف أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نهج الدولة المؤدلجة التي ستحول السودان إلى أشلاء تتقاسمها القوى الإقليمية، أو العبور نحو الدولة المدنية العلمانية كإطار إنقاذ أخير
العلمانية في السودان اليوم هي "الترمومتر" الذي يقيس جديتنا في بناء وطن يتسع للجميع. السؤال ليس "هل نستطيع؟"، بل "هل نملك الشجاعة لنضع مصلحة السودان فوق مصلحة الأيديولوجيا؟" الإجابة ستحدد ما إذا كان السودان سيبقى وطناً على الخريطة، أم سيصبح مجرد ذكرى في تاريخ الصراعات المحترقة.
|
|