Post: #1
Title: ماذا تكشف الانتخابات عن فرنسا الجديدة؟ كتبه مها طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 03-29-2026, 01:54 PM
01:54 PM March, 29 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
في فرنسا بجانب ان الانتخابات هي آلية ديمقراطية لتداول السلطة ، أصبحت أداة قياس دقيقة للتحولات الاجتماعية العميقة التي تعيد تشكيل الدولة من الداخل . ما أفرزته الانتخابات المحلية الأخيرة لا يمكن قراءته بمنطق “من فاز ومن خسر” ، ولكن بمنطق ، أي مجتمع يتشكل ، وأي عقد اجتماعي ينهار .
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا هو التعامل مع الانتخابات كحدث سياسي بحت . الواقع أن ما يجري هو تحول اجتماعي يُترجم انتخابيًا ، وليس العكس ، والناخب الفرنسي لم يعد يتحرك وفق انتماء أيديولوجي ثابت ، وإنما وفق موقعه في الاقتصاد ومدى شعوره بالأمان . فالسياسة أصبحت انعكاسًا للتفاوت الاجتماعي أكثر من كونها صراع أفكار . التحول الأكثر خطورة هو تآكل الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا يعتبر صمام الاستقرار وقاعدة للاعتدال السياسي ، أما اليوم ، هذه الطبقة تفقد قدرتها الشرائية وتشعر بالضغط الضريبي وترى نفسها خارج أولويات الدولة .
النتيجة الانتخابية الحالية تقول أن جزء منها يتجه نحو خطاب مارين لوبان وجزء آخر ينكفئ نحو العزوف . نستنتج من ذلك أن الاعتدال لم يعد خيارًا اجتماعيًا متاحًا كما كان سابقًا . من الملاحظ أيضا صعود “فرنسا الطرفية” فالانتخابات كشفت انقسامًا حادًا بين فرنسا الحضرية التي تتمتع بمراكز اقتصادية قوية والوسط أو اليسار ، ففرنسا الطرفية (الريف والضواحي المهمشة) لديها شعور بالإقصاء وضعف الخدمات وفقدان الثقة في الدولة ، هذه الفئة هي التي تشكل الخزان الانتخابي الحقيقي لليمين المتطرف .
رغم استمرار مؤسسات الدولة ، إلا أن الثقة تتآكل بشكل واضح ، حتى في ظل قيادة إيمانويل ماكرون ، المفارقة ان ، المواطن يثق في العمدة لكنه لا يثق في الحكومة هذا يعكس تحولًا عميقًا من دولة مركزية قوية إلى مجتمع يبحث عن حلول محلية بديلة . كما نلاحظ أن هناك تحوّلا في الخطاب السياسي – من الأيديولوجيا إلى القلق حيث لم تعد الحملات الانتخابية تدور حول اليسار واليمين بل حول الأمن والهجرة والقدرة الشرائية . فالتيار الذي نجح في احتكار هذه الملفات هو التيار الذي تقوده مارين لوبان ، بينما فشل اليسار في تحويل العدالة الاجتماعية إلى خطاب عملي يومي .
العزوف الانتخابي… مؤشر أخطر من النتائج نسبة المشاركة المنخفضة ليست تفصيلاً تقنيًا، بل مؤشر استراتيجي حيث كتلة واسعة خارج اللعبة السياسية بسبب شعور عام بعدم الجدوى ، هذه الكتلة تمثل الاحتياطي الانتخابي الأكبر لأي تغيير مفاجئ .
ما الذي تعنيه هذه التحولات سياسيًا ؟ تعني نهاية الأحزاب التقليدية فالأحزاب لم تعد تؤطر الناخب ولا تمثل هويته . صعود شخصيات محلية وتحالفات مرنة . صعود “السياسة البراغماتية” الناخب لم يعد يبحث عن مشروع فكري وإنما يبحث عن حلول مباشرة ونتائج ملموسة . النجاح أصبح مرتبطًا بالكفاءة ، وليس بالأيديولوجيا . كل المؤشرات تشير إلى غياب مرشح مهيمن مع قابلية عالية للمفاجآت .
القراءة استراتيجية تشير إلى ما يحدث في فرنسا هي مرحلة انتقالية من نموذج دولة مركزية إلى نموذج سياسي أكثر تفككًا وتعددًا ، هذا التحول يحمل ثلاث نتائج محتملة : إعادة بناء التوازن عبر تحالفات جديدة وصعود تيارات راديكالية تستثمر الغضب الاجتماعي واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي .
الانتخابات الأخيرة كشفت ما هو أخطر ، مجتمع يتغير أسرع من نظامه السياسي وطبقات تفقد موقعها وثقة تتآكل بهدوء ، فرنسا اليوم لا تعيش أزمة انتخابات…ولكن تعيش إعادة تعريف شاملة لعلاقتها بين الدولة والمجتمع.
مها الهادي طبيق 28 مارس 2026
|
|