Post: #1
Title: من الاعتراف إلى العدالة: تداعيات العبودية واختبار سودان اليوم كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 03-28-2026, 01:14 PM
01:14 PM March, 28 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
28/3/2026 خالد كودي، بوسطن
أولاً: لحظة تحول في الوعي الأخلاقي العالمي في 25 مارس 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية قرارا تاريخيا يعترف بتجارة الرقيق بوصفها جريمة ضد الإنسانية ويدعو إلى جبر الضرر عن آثارها الممتدة. لا يمكن قراءة هذا القرار بوصفه حدثًا رمزيًا معزولًا او عابرا؛ بل هو تحول نوعي في بنية الخطاب الدولي من الاعتراف الأخلاقي إلى المساءلة التاريخية، ومن توصيف الجريمة إلى مساءلة آثارها البنيوية المستمرة. إن أهمية هذا القرار تكمن في أنه يعيد تعريف الزمن السياسي للعدالة: فالماضي لم يعد ماضيًا مغلقًا، بل أصبح حاضرًا ممتدًا يُنتج اختلالات في الاقتصاد، والهوية، والسلطة. بهذا المعنى، فإن القرار ينسجم مع أطروحات العدالة التاريخية التي يتبناها ثوار السودان الجديد، وتتبناها الحركة الشعبية التي ترى أن اللامساواة ليست صدفة، بل نتيجة تاريخية قابلة للتفكيك. تتجلى الأهمية الأعمق لهذا التحول حين يُقرأ في ضوء الحالة السودانية، حيث لا تبدو العبودية مجرد واقعة تاريخية قابلة للمقارنة مع تجارب عالمية أخرى، بل تظهر بوصفها جزءًا من بنية محلية للهيمنة تفاعلت طويلًا مع الإرث العالمي للاسترقاق والعنصرية، وأسهمت في إعادة إنتاج اللامساواة بوصفها نظامًا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا. فالمسألة في السودان لا تقف عند حدود التشابه مع تاريخ العبودية في أماكن أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى التواطؤ البنيوي في الإنكار، وفي تطبيع الامتيازات التي نتجت عن ذلك التاريخ، بل وفي تحويلها أحيانًا إلى مصدر اعتزاز اجتماعي ورمزي.
ثانياً: العبودية في السودان: البنية المنسية واختبار الوعي النخبوي إن العبودية في السودان لا يمكن مقاربتها بوصفها ظاهرة تاريخية هامشية أو مرحلة عابرة، بل باعتبارها عنصرًا تأسيسيًا في تشكّل الدولة والمجتمع معًا. فمنذ القرن التاسع عشر، تبلورت شبكات الاسترقاق داخل تفاعل مركّب بين السلطة المركزية، والأسواق، والتحالفات المحلية، واستهدفت بصورة ممنهجة مجتمعات الجنوب، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، ليس بوصفها فضاءات للنهب البشري وحسب، بل بوصفها موضوعًا لإعادة ترتيب السلطة والموارد والهوية. غير أن التحليل النقدي لا يكتمل عند توصيف تاريخ العبودية ذاته، بل يبدأ فعليًا عند مساءلة موقع النخب السودانية داخل هذه البنية. فجزء معتبر من هذه النخب—بأشكال مباشرة أو عبر وسائط اجتماعية واقتصادية—كان مندمجًا في اقتصاد النخاسة أو في البنية الثقافية التي شرعنته وأعادت إنتاجه. إلا أن الإشكال الأعمق لا يكمن في هذا التورط التاريخي فحسب، بل في العجز المستمر عن إنتاج وعي نقدي به؛ إذ ظل يُتعامل مع هذا الإرث بوصفه ماضيًا منقطعًا يمكن تجاوزه دون تفكيك أو مساءلة، فيما يشبه تعليقًا للذاكرة بدلًا من مواجهتها. وهنا يتبدّى البعد الاختباري لهذه المسألة: فتعاطي النخب مع تاريخ العبودية يشكّل معيارًا حاسمًا لمدى أهليتها الأخلاقية والفكرية لقيادة مشروع وطني جديد. ذلك أن قطاعات واسعة منها لا تزال أسيرة تصورٍ هرميّ مضمر، يُعيد إنتاج فكرة التفوق الاجتماعي المرتبط بتاريخ الامتلاك أو بالابتعاد النسبي عن المجتمعات التي تعرّضت للاسترقاق، وكأن هذا التاريخ يمنح موقعًا أعلى في سلّم الاعتبار الاجتماعي. وهذه ليست حالة من الجهل التاريخي فحسب، بل تجلٍّ لاستمرار رمزي للعبودية داخل الوعي الاجتماعي ذاته. إن خطورة هذه البنية تكمن في أنها لا تكتفي بحجب العنف التأسيسي، بل تعيد تنظيم منظومة القيم على نحو يُبقي آثاره فاعلة في الحاضر: فتُعاد موضعة الضحية في موقع الدونية، بينما يُعاد تأهيل الامتياز التاريخي ومنحه مشروعية اجتماعية وثقافية. ويتجلى ذلك بوضوح في أنماط من الأدب والشعر والخطاب السائد، حيث يُستدعى معجم النسب واللون والأصل لإعادة ترميز الفوارق التاريخية وإضفاء طابع جمالي عليها، كما يظهر في المناهج الدراسية التي لا تكتفي بالصمت عن تاريخ الاسترقاق، بل تعيد صياغة السردية الوطنية بطريقة تُفرغها من بعدها الأخلاقي، وتقدّم المجتمع ككيان متجانس مفارق للعنف، في حين تُقصى تجارب الضحايا والناجين من الذاكرة العامة. وعليه، فإن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في كونها أزمة دولة أو نظام سياسي، بل هي في أحد مستوياتها العميقة أزمة وعي تاريخي مشوّه، تعجز فيه النخب عن إدراك أن ما تتعامل معه بوصفه امتيازًا طبيعيًا هو في حقيقته أثر مباشر لجريمة تاريخية لم تُعترف ولم تُعالج. ومن ثم، فإن مواجهة هذه البنية لا يمكن أن تُختزل في الإدانة القانونية للرق بوصفه واقعة منقضية، بل تتطلب مشروعًا معرفيًا وثقافيًا شاملًا، امينا وشجاعا يعمل على تفكيك الأسس الرمزية التي ما تزال تمنح هذا الإرث شرعية ضمنية، وتعيد إنتاجه في أشكال جديدة داخل الحاضر.
ثالثاً: استمرارية العبودية: من البنية إلى الثقافة—ومن الرمز إلى خطاب الكراهية أشار فرانتس فانون إلى أن البُنى الاستعمارية لا تنتهي بانتهاء الحدث التاريخي، بل تستمر كمنظومات ذهنية واجتماعية تُعيد إنتاج نفسها في اللغة والاقتصاد والعلاقات اليومية. وفي السودان، لا تقتصر هذه الاستمرارية على التهميش الجغرافي أو احتكار السلطة أو المحو الثقافي، بل تبلغ أقصى تجلياتها في الحقل الرمزي، حيث تتحول آثار العبودية إلى أنماط تفكير ولغة تُشكّل الوعي الجمعي وتؤطر طريقة إدراك الذات والآخر. ومن هذا المنظور، فإن خطاب الكراهية المتفشي اليوم—والذي يشكو منه العديد من المثقفين—ليس ظاهرة طارئة ولا نتيجة مباشرة للحرب وحدها، بل هو امتداد لبنية تاريخية عميقة تشكّلت في سياق الرق والنخاسة. فالكثير من مفردات الإهانة، وأنماط الوصم، وصور التحقير المتداولة، تستند إلى مخزون رمزي مرتبط بتاريخ الاسترقاق، حيث يُعاد استدعاء مفاهيم اللون، والأصل، والنسب، والجهة، والدين، ليس بوصفها أوصافًا محايدة، بل كآليات لإنتاج الدونية وتبرير الإقصاء. بهذا المعنى، فإن خطاب الكراهية ليس مجرد تعبير لغوي عابر، بل هو إعادة تفعيل لذاكرة العبودية داخل الحاضر. كما تتجلى هذه الاستمرارية في الممارسات الاجتماعية اليومية، حيث يُعاد إنتاج مفاهيم "النقاء" و"الأصل" و"الانتماء" في سياقات تبدو عادية، لكنها في جوهرها تعكس ما يمكن تسميته بالبنية الرمزية للهيمنة. فالعبودية لم تختفِ، بل تحولت من نظام اقتصادي قائم على الامتلاك المباشر إلى نظام ثقافي–رمزي يُمارس عبر اللغة والتصنيف والتخييل الاجتماعي. ويكشف الواقع الراهن عن أخطر أبعاد هذه الظاهرة، وهو الترابط بين هذه البنية الكامنة وبين انفجارات العنف وخطاب الكراهية في سياق الحروب والانقسامات المجتمعية. ففي لحظات التفكك، تضعف الضوابط الأخلاقية والمؤسسية، ويطفو ما هو مكبوت في الوعي الفردي والجمعي. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم ذلك بوصفه تفريغًا للذاكرة الجمعية المكبوتة، حيث تتحول مشاعر الغبن والخوف وانعدام الأمان إلى لغة عدائية تستهدف "الآخر" بوصفه حاملًا لتاريخ مختلف. وفي هذا السياق، قد يُعاد تأويل الانتماءات التاريخية—بما في ذلك الانتماء إلى مجتمعات تعرّضت للاسترقاق—بوصفها مبررًا ضمنيًا للوصم أو العنف، في حين قد تظهر من الطرف المقابل ردود فعل مشحونة بذاكرة الجراح، قد تنزلق إلى أشكال من "العنف المضاد". غير أن التحليل العلمي يفرض التمييز بين تفسير الظاهرة وتبريرها: ففهم الجذور التاريخية والاجتماعية للسلوك لا يعني شرعنته. وفي المقابل، فإن المجتمعات التي عانت تاريخيًا من التهميش والاسترقاق، وحُرمت من الاعتراف والحقوق، قد تواجه لحظة معقّدة عندما تتاح لها مساحات محدودة من القوة في سياق الانفلات، حيث يتداخل استرداد الكرامة مع ذاكرة الألم. وقد يتحول هذا الإحساس المتراكم بالغبن إلى تعبيرات حادة أو ممارسات غير منضبطة، لا بوصفها خيارًا واعيًا، بل كأثر لتاريخ طويل من الإقصاء. غير أن هذا الفهم لا يهدف إلى التبرير، بل إلى توضيح كيف تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الحاضر المضطرب، لتنتج أشكالًا مركّبة ومتقاطعة من العنف وخطاب الكراهية. وعليه، فإن استمرارية العبودية في السودان لا تُفهم فقط من خلال آثارها المادية أو السياسية، بل من خلال حضورها العميق في اللغة والخيال الاجتماعي وآليات إدراك الآخر. لقد تحولت من مؤسسة تاريخية إلى نظام دلالي يُعيد إنتاج نفسه كلما توفرت له شروط الانفجار، كما يحدث في الحروب. ومن ثم، فإن تفكيك هذه الاستمرارية يتطلب مشروعًا معرفيًا وثقافيًا شاملًا، يعيد بناء اللغة، ويحرر الوعي من تراث العنف الرمزي الذي لا يزال فاعلًا في الحاضر!
رابعاً: قرار الأمم المتحدة: بين الأخلاق والسياسة يُقدّم قرار 2026 أطروحة مركزية: جبر الضرر هو شكل من أشكال العدالة التاريخية، وليس تعويضًا أخلاقيًا. هذا يتقاطع التي تري ان العدالة تتطلب إعادة تنظيم البنية الاجتماعية بما يضمن الانصاف،John Rawls مع نظرية العدالة عند ومع مقاربات ما بعد الاستعمار التي تؤكد أن العدالة لا تتحقق دون تفكيك الإرث التاريخي للهيمنة. وفي السياق السوداني، يواجه هذا الطرح اعتراضًا شائعًا:
ك "أن الأجيال الحالية غير مسؤولة عن جرائم الماضي" هذا الاعتراض، في حقيقته، يعكس فهمًا سطحيًا للعدالة. فالعدالة التاريخية لا تقوم على تحميل الذنب الفردي، بل على تحمّل المسؤولية البنيوية. فالأجيال الحالية، وإن لم ترتكب الجريمة، إلا أنها تعيش داخل نظام أنتجته تلك الجريمة، وتستفيد بدرجات متفاوتة من آثارها. وبالتالي، فإن السؤال ليس: من ارتكب الجريمة؟
بل: من يستفيد من نتائجها اليوم؟ وهنا يصبح جبر الضرر ضرورة لإعادة توازن مختل، لا لمعاقبة الماضي.
خامساً: السودان الجديد: مشروع العدالة التاريخية إن مشروع السودان الجديد لا يطرح مجرد إصلاح سياسي، بل يقدم رؤية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. جوهر هذه الرؤية هو الانتقال من العدالة الانتقالية إلى العدالة التاريخية. وهذا يعني: ١/ بأن العبودية ليست حادثة، بل بنية ٢/ إعادة مركزية الهامش في تعريف الوطن ٣/ تفكيك الدولة المركزية القائمة على الامتياز ٤/ تأسيس عقد اجتماعي قائم على العلمانية والمساواة بهذا المعنى، فإن قرار الأمم المتحدة لا يمثل إطارًا خارجيًا، بل يعزز مشروعية هذا المشروع، ويضعه في سياق عالمي أوسع.
سادساً: الشروط الاستراتيجية للعدالة التاريخية في أفق السودان الجديد—واختبار النخب إن القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن جبر الضرر لاينبغي التعامل معه بوصفه واقعة ديبلوماسية عابره، بل بوصفه لحظة معيارية فاصلة تُخضع النخب والمثقفين والمتعلمين في السودان لاختبار أخلاقي وتاريخي مباشر. فالثورة، في معناها العميق، لا تُقاس بقدرتها على إسقاط الأنظمة فحسب، بل بقدرتها على تفكيك البُنى التي أنتجت الظلم تاريخيًا. ومن ثم، فإن الموقف من هذا القرار يصبح مؤشرًا حاسمًا على صدقية الادعاء الثوري: إما انخراط واعٍ ومسؤول في مشروع العدالة التاريخية، أو استمرار في إعادة إنتاج الإنكار بصيغ أكثر هروبا واحتيال. وعليه، فإن أي خطاب عن "السودان الجديد" أو التحول المدني الديمقراطي أو السلام المستدام او العدالة يظل خطابًا مُفرغًا من مضمونه ما لم يُترجم إلى رؤية تأسيسية تستجيب لروح القرار الأممي الأخير، الذي لم يكتفِ بالاعتراف بالعبودية كجريمة تاريخية، بل شدّد على ضرورة جبر آثارها بوصفها شرطًا للعدالة. فجوهر هذا التحول العالمي يكمن في الانتقال من توصيف الظلم إلى معالجته، ومن إدانة الماضي إلى تفكيك حضوره في الحاضر. وعلى هذا الأساس، لا يمكن بناء شرعية دولة جديدة دون إدراج الاعتراف الصريح بالعبودية وإرثها في صميم البنية الدستورية، ليس كإشارة رمزية، بل كقاعدة معيارية تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الإنصاف التاريخي. كما أن استجابة السودان لهذا الأفق العالمي تقتضي بناء آليات مؤسسية فاعلة لجبر الضرر، قادرة على توثيق الحقيقة، وتحليل آثارها الممتدة، وصياغة سياسات تعالج الاختلالات البنيوية التي تراكمت عبر الزمن، مع تفكيك الخطاب الذي يفصل الحاضر عن الماضي، وينكر استمرار نتائجه في الواقع الراهن. فالمسألة ليست أخلاقية مجردة، بل تتعلق بإعادة تنظيم البنية الاقتصادية ذاتها، من خلال معالجة اختلالات توزيع الأرض والموارد التي تشكّلت في سياق الاسترقاق والتهميش، بحيث يصبح إعادة التوزيع فعلًا تصحيحيًا يعيد التوازن إلى مجتمع مختل تاريخيًا، لا مجرد خيار تنموي تقني. وفي السياق ذاته، فإن تحقيق العدالة يتطلب تحولًا معرفيًا عميقًا، يعيد بناء الوعي العام عبر سياسات تفضيل إيجابي تستهدف المجتمعات المتضررة، بالتوازي مع إعادة كتابة المناهج التعليمية بحيث تعكس الحقيقة التاريخية دون إنكار أو تزييف، وتؤسس لوعي نقدي قادر على مواجهة الإرث الرمزي للعبودية. وهذا لا ينفصل عن ضرورة تفكيك البنية القانونية والمؤسسية التي ما تزال تعيد إنتاج اللامساواة، سواء عبر نصوص مباشرة أو من خلال ممارسات ضمنية متجذرة في مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار، يبرز البعد الثقافي بوصفه ساحة مركزية لإعادة بناء الذاكرة الجماعية، حيث يصبح دعم مشاريع الفن التشاركي والممارسات الثقافية النقدية جزءًا من عملية جبر الضرر نفسها، بما يتيح إعادة الاعتبار للضحايا، وتفكيك السرديات المهيمنة، وإنتاج وعي جديد يتحرر من إرث الهيمنة الرمزية. بذلك، يتقاطع المشروع الوطني مع الأفق الذي طرحه القرار الأممي: عدالة لا تكتفي بالاعتراف، بل تعيد تشكيل الحاضر على ضوء الماضي، وتفتح إمكانًا حقيقيًا لمستقبل قائم على الإنصاف لا الامتياز.
سابعاً: خاتمة—النخب بين الإنكار والتحول إن أخطر ما يكشفه هذا السياق ليس فقط عمق الجريمة التاريخية، بل محدودية الاستجابة النخبوية لها. فجزء معتبر من النخب السودانية لا يزال أسير خطاب إنكاري، أو إصلاحي سطحي، يتعامل مع الحرب كأزمة سياسية طارئة، متجاهلًا أنها في جوهرها نتيجة تراكم تاريخي لعنف غير مُعترف به. وهنا يتجلى التناقض البنيوي: نخب تدّعي الانتماء إلى الثورة، لكنها تتردد أمام أبسط استحقاقاتها—الاعتراف بالجذور التاريخية للظلم والعمل على تفكيكها. ومن ثم، فإن الموقف من قرار جبر الضرر يصبح معيارًا كاشفًا:
ليس فقط لمدى الفهم، بل لمدى الاستعداد الأخلاقي لتحمّل مسؤولية التاريخ. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرارات، بل في إنتاج وعي جديد يدرك أن العدالة ليست خيارًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة نفسها. وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن إصلاح السودان؟
بل: هل يمكن إعادة تأسيسه على قاعدة العدالة التاريخية؟ في هذا الأفق، يغدو جبر الضرر ليس استجابة للماضي فحسب،
بل معيارًا للحاضر، وشرطًا لإمكان المستقبل.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|