الإسلاموكيزانية ونظرية البومة كتبه الصادق حمدين

الإسلاموكيزانية ونظرية البومة كتبه الصادق حمدين


03-27-2026, 08:08 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1774638533&rn=0


Post: #1
Title: الإسلاموكيزانية ونظرية البومة كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 03-27-2026, 08:08 PM

08:08 PM March, 27 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







تقول الرمزية في الحكمة الشعبية: "إن البومة لا تبدأ الطيران إلا عند الغسق"، حين ينقضي النهار وتختلط أطياف الضوء والظل. وهكذا كان حال الحركة الإسلاموكيزانية؛ إذ لم تتكشف دروس تجربتها إلا بعد أن استنفدت زمنها في الحكم والممارسة، حين تحولت الشعارات الفارغة إلى وقائع مريرة، والوعود الزائفة إلى نتائج فاشلة تُقرأ في سجل التاريخ.

حينها فقط انكشفت التناقضات الواضحة، وبرز ما كان خفياً وراء الخطاب. وغالباً ما جاء هذا الإدراك متأخراً، بعدما “وقعت الفأس في الرأس”. وكانت النتيجة مُدمرة، إذ صُنِّفت في النهاية كحركة إرهابية.

هذا بالضبط ما حدث مع قبيلة بني كوز. عندما استولت بليل لم يعقبه نهار على السلطة عام 1989، فتمكنت من مؤسسات الدولة بثقة مطلقة ويقين تام، وكانت كل النصائح من الوطنيين تُقابل بالشك والريبة أو العقاب المروع، وكل تحذير يُعامل وكأنه مؤامرة خارجية. ومع مرور السنوات، تحول البقاء في الحكم إلى غاية في حد ذاتها، وتراجعت العدالة والنزاهة، حتى تراكمت الأزمات داخلياً وخارجياً.

وفي فجر الثالث عشر من ديسمبر الأغر 2018، انطلقت الثورة المجيدة من الدمازين بالنيل الأزرق، وسقط رأس النظام "نظرياً"، تحت ضغط الواقع الذي طال تجاهله. عندها فقط بدأ حديث المراجعة والتحليل على استحياء من بعض الفارين من المركب الغارقة، أو "المتنكرين لصلة أواصر الدم الكيزانية" وكأن البومة التي تمثل الحكمة قد قررت أن تطير. لكن السؤال البسيط والمؤلم بقي، أين كانت هذه الحكمة حين كان التحذير من نتائج سوء الخاتمة قائماً؟

المفارقة الأكثر سذاجة، والتي تنمّ عن الغباء الفطري الذي تحركه العقائد الجامدة، أن هذه الحكمة لم تُدرك أصلاً، لا في وقتها ولا بعد فوات أوانها. فليس الأمر كطبيب جاء متأخراً بعد مراسم الدفن، بل كمن يرفض الاعتراف بوقوع الوفاة من الأساس، ويُصرّ على إنكار أسبابها ونتائجها معاً.

لم تحلّق البومة هنا، ولم تُستدع الحكمة لا مبكراً ولا متأخراً؛ إذ ظلّ هذا التنظيم سادراً في عناده، ماضياً في النهج ذاته، كأن التجربة بكل ما حملته من دروس لم تقع قط. وهكذا لا يبقى السؤال: لماذا تأخر التعلم؟ بل يتحول إلى ما هو أشد إيلاماً: لماذا لم يتعلم حين كان التعليم ممكناً.