Post: #1
Title: هندسة التشويه - كيف تحولت العلمانية في السودان من إطار سياسي إلى وصمة أيديولوجية؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 03-27-2026, 07:32 PM
07:32 PM March, 27 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في السودان، لا تُرفض العلمانية لأنها فُهمت، بل لأنها أُعيد تعريفها حتى لم تعد هي نفسها في الثقافة السياسية السودانية المعاصرة، قلّما نجد مفهومًا حُمِّل هذا القدر من العبء الأيديولوجي مثل كلمة "العلمانية" لم تعد مجرد مصطلح يشير إلى تصور لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل تحوّلت إلى تهمة جاهزة، وشبح يُستدعى في كل نقاش، وسيف يُسلَّط على كل من يخرج عن النص الديني السياسي المهيمن فكيف حدث هذا التحول الجذري؟ وكيف أعاد الخطاب الإسلامي، وعلى وجه الخصوص خطاب الإخوان المسلمين، تشكيل المفهوم حتى صار شيئًا آخر غير ما يعنيه في أصله؟
العلمانية المفهوم مقابل الفزاعة في معناها الدقيق، لا تعني العلمانية الإلحاد ولا العداء للدين، بل تشير إلى إطار تنظيمي للعلاقة بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، يقوم على تحييد السلطة السياسية عن التوظيف الديني، بما يضمن حرية المعتقد وتكافؤ المواطنة وقد تجلّت في تجارب متعددة، من النموذج الفرنسي الصارم إلى البريطاني التوفيقي، مرورًا بتجارب إسلامية جزئية مثل تركيا وتونس
غير أن هذا التعقيد لم يجد طريقه إلى النقاش السوداني , فقد جرى تفريغ المفهوم من سياقه الفلسفي والتاريخي، وإعادة تركيبه كـ"فزاعة" أيديولوجية، تُحمَّل بمعانٍ متناقضة لكنها فعّالة تعبويًا: معاداة الإسلام، التبعية للغرب، تفكيك المجتمع، وانحلال القيم هكذا لم تعد العلمانية خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل صارت علامة على الخروج من الجماعة الوطنية والدينية معًا
آليات التحويل: كيف صُنعت التهمة؟
لم يكن هذا التحول عفويًا، بل نتاج سلسلة من الآليات الخطابية المتراكمة التبسيط المخلّ أُخرجت العلمانية من سياقها النظري، واختُزلت في سلسلة شعارات متدرجة "فصل الدين عن الدولة"، ثم "فصل الدين عن الحياة"، وأخيرًا "إقصاء الدين = الكفر" , هذا المسار الاختزالي لم يلغِ التعقيد فحسب، بل حوّل النقاش إلى معادلة أخلاقية مغلقة إما أن تكون مع الدين أو ضده وبهذا، جرى إعدام المساحة الرمادية التي يُفترض أن يُبنى فيها أي نقاش سياسي جاد.
التخويف المنهجي اشتغل الخطاب الإسلامي على استثمار البنية المحافظة للمجتمع، عبر إنتاج صور ذهنية كارثية للعلمانية: تفكك الأسرة، انحلال الأخلاق، محاربة الشعائر، واستيراد نماذج غريبة عن المجتمع لم يكن الهدف تعريف المفهوم، بل خلق استجابة عاطفية ضده وهكذا، صار مجرد الاتهام بـ"العلمانية" كافيًا لإثارة الذعر، دون الحاجة إلى نقاش موضوعي
تديين الصراع السياسي وهذه هي الآلية الأخطر. إذ جرى نقل الخلاف من حيز السياسة إلى حيز العقيدة , لم تعد المسألة اختلافًا حول أنظمة الحكم، بل صراعًا بين "الإسلام" و"أعدائه" في هذا الإطار، لا تُناقش العلمانية بوصفها فكرة، بل تُدان بوصفها انحرافًا عقديًا. وهنا، يتحول الخصم السياسي إلى خصم ديني، وتصبح إزاحته ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا أخلاقيًا أو حتى "شرعيًا"
أثر ذلك على النقاش العام
كانت نتيجة هذه الآليات تآكل المجال العام وتحوله من فضاء للنقاش إلى ساحة للاتهام. لم تعد الأفكار تُناقش، بل تُصنَّف. وأصبح توصيف شخص أو تيار بأنه "علماني" كافيًا لإقصائه، بغض النظر عن مضمون طرحه
الأخطر من ذلك أن هذا التحول لم يُقصِ العلمانية وحدها، بل أقصى القدرة على التفكير نفسه. إذ بات من المتعذر طرح أسئلة جوهرية تتعلق بعلاقة الشريعة بالقانون، أو حقوق الأقليات، أو حرية الضمير، دون الوقوع تحت طائلة الاتهام. وهكذا أُغلق النقاش قبل أن يبدأ
ولعل المفارقة أن هذا الخطاب أضر بالدين ذاته , فحين يُختزل الإسلام في أداة صراع سياسي، يفقد طابعه القيمي والروحي، ويتحول إلى أيديولوجيا تعبئة، تُستخدم للإقصاء أكثر مما تُستخدم للإرشاد
"لم تُهزم العلمانية في السودان، بل أُعيد تعريفها حتى أصبحت شيئًا آخر"
هذه العبارة تختصر جوهر المسألة , فالعلمانية لم تُهزم عبر نقاش فكري عميق، ولا عبر تجربة مجتمعية رافضة، بل عبر إعادة تعريفها تعريفًا مشوّهًا. لم تعد تشير إلى تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل إلى حزمة من المخاوف والهواجس المصنوعة
وعندما تُهزم فكرة بهذه الطريقة، فإن الذي يُهزم ليس مضمونها، بل صورتها الكاريكاتورية. إنها هزيمة لنسخة مُختلقة، لا للفكرة في ذاتها
نحو استعادة النقاش
اليوم، وبعد تجارب سياسية قاسية، يقف السودان أمام ضرورة إعادة فتح هذا الملف، لا من باب التبشير بالعلمانية أو رفضها، بل من باب استعادة القدرة على النقاش الحر
المطلوب ليس الاتفاق، بل تفكيك منطق التهمة الفصل بين نقد الأفكار وتكفير الأشخاص التمييز بين الدين كقيمة، والسياسة كإدارة إعادة الاعتبار للتعدد بوصفه حقيقة لا تهديدًا
السؤال الحقيقي لم يعد "هل العلمانية صحيحة أم خاطئة؟" بل كيف يمكن إدارة مجتمع متعدد دون تحويل الخلاف السياسي إلى صراع ديني؟
بين دولة تتفكك وفكرة يمكن أن تُنقذ
اليوم، وبعد ثورة ديسمبر 2019 وما أعقبها من انتكاسات، ثم الحرب التي مزّقت الدولة وكشفت هشاشة بنيتها، لم يعد النقاش حول العلمانية ترفًا فكريًا أو سجالًا أيديولوجيًا معزولًا. لقد أصبح سؤالًا مرتبطًا بمصير الدولة نفسها
ففي ظل الانقسامات الحادة، وتعدد الهويات، وتآكل فكرة "المركز"، لم يعد ممكنًا إدارة السودان عبر خطاب أحادي يُلبس السياسة ثوب الدين، أو يُقصي الآخرين باسم الشرعية العقدية لقد أثبتت التجربة أن تديين الصراع لا يوحّد البلاد، بل يسرّع تفككها
هنا، تبرز العلمانية ليس كعقيدة مضادة للدين، بل كإطار سياسي محتمل لإدارة هذا التعدد المعقّد. إطار يضمن حياد الدولة تجاه الأديان، ويحمي حق الجميع في الانتماء، دون خوف من الإقصاء أو التخوين بهذا المعنى، قد لا تكون العلمانية حلًا سحريًا، لكنها تظل أحد الشروط الممكنة لبناء أرضية مشتركة بين مكونات وطن يتآكل
إن التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم ليس في قبول العلمانية أو رفضها، بل في القدرة على تجاوز "هندسة التشويه" التي كبّلت النقاش لعقود، واستعادة اللغة التي تسمح بالتفكير المشترك في مستقبل الدولة
فإما أن يواصل السودان إدارة أزماته بذات الأدوات التي أنتجتها،أو أن يفتح أفقًا جديدًا، تُناقش فيه الأفكار دون خوف، وتُبنى فيه السياسة على المواطنة لا على الوصاية.
|
|