Post: #1
Title: بين ما يُرى وما يُدار: رحلة في عمق النزاعات الجغرافية والسياسية كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 03-27-2026, 07:18 PM
07:18 PM March, 27 2026 سودانيز اون لاين د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK مكتبتى رابط مختصر
ليست المعضلة في إسقاط الرؤية على الواقع، بل في الوقوع في فخّ التبسيط؛ إذ حين يُختزل المشهد في أطرافٍ محددة ومواجهةٍ مباشرة، يفقد عمقه ويتحوّل إلى روايةٍ جاهزة. فالتبسيط لا يقرّب الحقيقة، بل يُوهم بفهمها، ويستبدل تعقيد الواقع براحة اليقين.
ما يجري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءته فقط بوصفه صراعاً بين إراداتٍ متقابلة، بل هو، في مستوى أعمق، تجلٍّ لفكرةٍ أبعد. أنّ ما يطفو على السطح ليس إلا جزءاً محدوداً من واقعٍ أكثر تعقيداً يتشكّل في العمق.
في الواجهة، تبدو المعركة محدّدة الملامح: أمنٌ قومي، نفوذٌ إقليمي، ردعٌ واستجابة. غير أنّ خلف المفردات تتكثّف طبقاتٌ أدقّ من الحساب، حيث لا تُخاض الحرب لذاتها دائماً، بل تُستثمر كأداةٍ لإعادة معايرة التوازنات، وبعث رسائل تتجاوز حدود الميدان. هنا، لا يتحرّك الفاعلون بدافع المواجهة وحدها، بل بمنطق إدارة التوتّر، وضبط إيقاعه، والحيلولة دون انزلاقه إلى ما يتعذّر احتواؤه.
ومن هذه الزاوية، يغدو السؤال أكثر إلحاحاً. هل كلّ من ينخرط في هذا المشهد يبصر الصورة في الكاملة؟ أم أنّ كثيراً من الفاعلين ولا سيّما في المستويات الأدنى يتحرّكون داخل تصوّراتٍ مُعلّبة، تُقدَّم لهم المعركة فيها كضرورةٍ لا تقبل المراجعة، بينما هي، في مستوياتٍ أعمق، مجرّد حلقةٍ في شبكة توازناتٍ أوسع؟
غير أنّ إسقاط فكرة اللعبة بين الأصدقاء على هذا الصراع تحديداً يستدعي الحذر. فالعلاقة بين الأطراف ليست تنسيقاً بسيطاً، بل توتّراً حقيقياً تتشابك فيه المخاوف الاستراتيجية، والتاريخ، والهويات، والمصالح المتناقضة. ومع ذلك، ما يمكن استخلاصه ليس افتراض تواطؤ الجميع، بل التذكير بأنّ الحروب، حتى حين تكون واقعية، لا تُدار دوماً بمنطق العداوة المطلقة، بل بمنطق ضبط الصراع وإدارته أكثر من محاولته إنهاءه.
وفي هذا السياق، يبدو الاضطراب الراهن ليس مجرد نتيجة تصادم، بل انعكاساً لغياب رؤيةٍ قادرة على تفكيك جذور التوتر. لذلك، قد يستمر المشهد في المدى القريب على شكل تصعيدٍ محسوب، يعقبه احتواءٌ جزئي، دون بلوغ حسمٍ نهائي. وليس ذلك بسبب عجز الأطراف فحسب، بل لأنّ الحسم الكامل قد يفتح أبواباً أكثر خطراً من الصراع نفسه.
أما الاحتمال الآخر، فهو أن ينزلق هذا التوازن الهش نحو مواجهة أوسع، إذا فُقدت القدرة على ضبط الإيقاع، أو وقع خطأ في التقدير. حينها، تتحوّل اللعبة من إدارةٍ محسوبة إلى فوضى مفتوحة، وهو السيناريو الذي تتهيب جميع الأطراف من وقوعه، حتى وهي تلوّح بالقوة وتعرض العضلات.
وهكذا، لا يقدّم الطرح تفسيراً مباشراً لما يحدث، بقدر ما يمنح عدسةً مختلفة للنظر. عدسة تُذكّرنا بأنّ ما يُقال عن الحروب ليس بالضرورة ما يحرّكها، وأنّ الوعي لا يبدأ باختيار طرفٍ فقط، بل بالقدرة على إدراك التعقيد والامتناع عن الانزلاق في بساطة السرديات الجاهز.
ختاماً، قد لا تكمن الحقيقة في أنّ هذه الحروب مجرد تبادلاتٍ سرّية بين القوى الكبرى، ولا في أنّها صراعاتٌ بين أعداء، بل أنّها في كثيرٍ من الأحيان شبكة معقدة من الحسابات والمناورات، حيث يتقاطع الصراع مع التوازن، وتلتقي المواجهة مع ضبط الإيقاع. وفي هذه البنية الخفية، يظلّ الثمن كما هو الحال دائماً من نصيب أولئك الذين لا يُمنحون سوى رؤية الشظايا المقطوعة من الحقيقة، بينما تُدار اللعبة بأبعاد لا تُرى، وتُرسم الخرائط التي لا يصل إليها إلا من يملك الشجاعة لرؤية ما وراء السطح. abudafair@hotmail.com
|
|