الخروج من السجن حدود الإرادة الحرة كتبه د.أمل الكردفاني

الخروج من السجن حدود الإرادة الحرة كتبه د.أمل الكردفاني


03-26-2026, 11:13 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1774520021&rn=0


Post: #1
Title: الخروج من السجن حدود الإرادة الحرة كتبه د.أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 03-26-2026, 11:13 AM

11:13 AM March, 26 2026

سودانيز اون لاين
أمل الكردفاني-القاهرة-مصر
مكتبتى
رابط مختصر



الخروج من السجن "حدود الإرادة الحرة"

د.أمل الكردفاني

الإنسان كائن مسجون في قيود داخلية (سقفه المعرفي، حدوده العقلية، قدرته الجسدية والعصبية)، وقيود خارجية تتمثل في محيطه الاجتماعي والقانوني والثقافي. بعض القيود الداخلية يمكن إرخاءها قليلاً لتتمكن إرادته من الخروج -نسبياً- كرفع السقف المعرفي مثلاً. وبعض القيود الداخلية غير قابلة للإنفساح، مثل التبلد الذهني الطبيعي والإعاقات الجسدية.. لذلك فإمكانية الانعتاق من القيود الداخلية تنحصر في القيود المعرفية، كما يمكن إلى حد ما علاج القيود العصبية والنفسية إما طبياً أو ذاتياً بحسب الأحوال. بعض الأشخاص الخاملين هم في الواقع أشخاص لديهم تراكمات سلبية أفضت إلى خمولهم، وبقليل من الفرص يمكن أن يحدث إعادة تحفيز للإرادة. المشكلة أن الخمول حلقة مغلقة لأنه يفضي إلى ضعف حضور الفرص. لذلك فالتوجسات والخوف من المغامرة الناتجان عن خسائر أو خيبات سابقة يعطلان المستقبل. لذلك فعلاج الخمول يبدأ من كسر الصورة الذهنية التي رسخت في عقل الإنسان الخامل والتي فحواها الأخير هو أنه لا رجاء من البحث.
لا توجد دولة فقيرة بل توجد دول تفتقر للفرص (قيود خارجية)، لأسباب لا علاقة لنا بها هنا، ولكن المهم دائماً أن يتمكن الإنسان من مقاومة ذلك بالهروب، ركوب زوارق النجاة إلى دول أخرى، القوانين تسمي بعض أنواع هذا الهروب بالهجرة غير الشرعية، وهذا صحيح لأنها مخالفة للقوانين ولكنها هجرة مشروعة إنسانياً. فليس كل ما هو مخالف للقانون غير أخلاقي، كما أنه ليس كل ما ليس بأخلاقي مخالف للقانون، فالمصالح هي التي تحدد توجهات القانون وليست الحس الأخلاقي. على هذا فالهروب مسألة مشروعة أما الوسيلة فهي التي قد تكون شرعية أو غير شرعية.
لكن ما يهمنا هنا هو الإرادة، إرادة التخلص من التصورات الذهنية السابقة التي تحجِّم إرادتنا من الفعل الإيجابي، والتي تحفز باستمرار طاقة سلبية تنبعث من قلوبنا وتتمدد إلى هذا العالم -وربما- تؤثر عليه كتأثير الفراشة، فتعمق واقعنا السلبي.
التصورات السلبية الناتجة عن خيبات متكررة وخسائر سابقة، يجعلنا نتساءل عن السبب؟ البعض يعلق الأسباب على شماعة ميتافيزيقية، والبعض يعلقها على القيود الخارجية. وكلاهما يصعب كسره. وهذا ما يزيد رسوخ الخمول عند الإنسان، وفي بعض الأحيان يعزز الإيمان أو يهزه. وهنا يصل الإنسان إلى نقطة الصفر. بل يتحول عالمه إلى صفر كبير فيتعايش معه، أو يفقد القدرة على التكيف فينهار إنهياراً شاملاً وربما يموت.
لذلك يجب علينا أن نداوي هذا الإنسان بكشف الحقيقة، والتي تتمثل في أن بعض القيود قابلة للكسر، وأهم قيد هو "حدود الإرادة الحرة". لا يتعلق الأمر بما يقوله بعض نشطاء التنمية البشرية من محاولة استجلاب صور إيجابية مثل ترديد بعض الكلمات المشجعة كالقول: (أنا غني أنا أستحق الثراء)، فهذا قد يؤدي إلى نتائج سلبية حين تستمر حالة الفشل، فتتعزز القيود على "حدود الإرادة الحرة" بدلا عت التحرر منها. نحن لا يجب أن نعزز التصورات الإيجابية، بل يجب فقط أن (نفكر وأن نعمل) بمحو أي تصورات سلبية كانت أو إيجابية. إنني حين أشعر بالإحباط وعدم الرغبة في العمل، أقوم بالضغط على نفسي أكثر في العمل، والنتيجة تكون مذهلة، ليس فقط لأنني بعد الانتهاء من العمل اشعر بالانتصار على الشعور بالإحباط، بل لأنني حينها -فقط- أعرف أن المشاعر السلبية، من إحباط أو عدم الرغبة، ليست سوى مشاعر كاذبة أو غير حقيقية، لذلك يجب على الإنسان ألا يتطير أو يتشاءم، كما ليس عليه أن يتفاءل، بل عليه فقط أن (يفكر ويعمل). عليه ألا ينتظر النتائج بل عليه فقط أن "يفكر ويعمل"، ليس عليه أن يستدعي أي تصورات مسبقة، بل عليه أن "يفكر ويعمل".
إن الوساوس هي داء الإنسان الأكبر، ليست فقط لأنها تنهي العلاقات والشراكات وتجعل البيئة المحيطة بنا شديدة السمية، بل لأنها تجعل ردود أفعالنا نفسها غير عقلانية وفي الكثير من الأحيان ضد مصالحنا. هناك جرائم قتل حدثت لتصورات خاطئة عن الآخر، بعضها عنصري، فتقترف جرائم القتل وقد يكون ضحيتها صاحب التصور الخاطئ نفسه، ذلك التصور الذي يتنامى في الروح والصدر ويجعلنا في حالة مقت عنيفة للآخر. بعض هذه التصورات الكاذبة تفضي إلى الطلاق بين الزوجين، بعضها تفضي إلى انهيار شراكات تجارية بدأت بشكل ناجح، بعضها تفضي إلى العزلة. وكل هذه آثار سلبية لردود أفعال سلبية ناتجة عن تصورات سلبية، وتنتهي بالتأثير على مصالح الفرد تأثيرات سلبية.
لذلك هناك تعاليم دينية حاولت علاج كل تلك التصورات ويجدر بي الإشارة إليها هنا مع ضرورة مراعاة اختلاف التفاسير لكنها تعطنا فهما عاماً عن التفكير والعمل دون تصورات مسبقة:
فعنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُني الفألُ، قالُوا: ومَا الْفَألُ؟ قَالَ: كَلِمةٌ طيِّبَةٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وقال تعالى في سورة الحديد: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)). صدق الله العظيم.
وقال تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)) صدق الله العظيم.
فهذه كلها تفيد سلبية التصورات المسبقة. ثم تستطرد التعاليم الدينية لتبين لنا أيضاً أهمية التفكير والعمل دون تصورات سلبية، فعلى سبيل المثال: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسه).
وجاء عن السلف:(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا).
وروي عن سيدنا عمر رصي الله عنه أنه قال: (لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا).