Post: #1
Title: إنهيار التعليم العالي في السودان وتداعيات الحلول: من ينقذ الأستاذ الجامعي؟ كتبه محمد محمد أحمد علي
Author: محمد محمد أحمد علي
Date: 03-26-2026, 03:35 AM
03:35 AM March, 25 2026 سودانيز اون لاين محمد محمد أحمد علي-جامعة زالنجي مكتبتى رابط مختصر
في زمن تتصارع فيه الأمم على مقاعد العلم والتكنولوجيا، تظل الجامعات هي القلاع الأخيرة التي تُصنع فيها عقول الغد. ولكن ماذا يحدث حين تبدأ هذه القلاع بالتآكل من الداخل؟ حين يصبح أستاذ الجامعة الذي يفترض أن يكون أيقونة العطاء العلمي في عداد المحتاجين؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة على المشهد السوداني، حيث يعيش التعليم العالي انهياراً صامتاً لا تقاس أبعاده بالمباني المتداعية، بل بالكفاءات التي تغادر والأساتذة الذين يكافحون من أجل لقمة العيش.
معادلة التقدير للأستاذ الجامعي في دول الجوار:
في كثير من دول المنطقة، يحظى الأستاذ الجامعي بمكانة اجتماعية ومادية تعكس تقدير المجتمعات للعلم. ففي دول الخليج العربي، يتفاوت الراتب وفق الخبرة والجامعة، لكنه يتراوح غالباً بين (3000-8000) دولار أمريكي شهريًا، مع مزايا إضافية تشمل السكن والعلاج والتعليم للأبناء. وفي جامعات أفريقية مرموقة مثل الجامعات المصرية أو الجامعات في جنوب أفريقيا يتراوح راتب الأستاذ بين (1500-3000) دولار، وهو ما يمكنه من التفرغ للبحث والتدريس دون شواغل معيشية. أيعقل أن أعلى راتب للأستاذ الجامعي في السودان لايتجاوز ال 150 دولار أمريكي شهرياً؟
هذه الأرقام هي تعبير عن معادلة بسيطة: العلم الجاد يحتاج إلى بيئة آمنة، والأستاذ الذي لا يقلق على قوت يومه هو القادر على ابتكار الحلول وبناء الأجيال.
الانهيار الصامت في السودان
على النقيض تماماً، يعيش الأستاذ الجامعي في السودان اليوم مأساة لا توصف. فخلال السنوات الأخيرة، ونتيجة للتضخم المفرط والانهيار الاقتصادي المتواصل، تآكلت الرواتب الجامعية بشكل لم يعد معه لمصطلح "الدخل الشهري" أي معنى. فما كان بالأمس راتباً متواضعاً يكفي لتدبير الأمور، تحوّل إلى رقم لا يغطي حتى ثلث احتياجات الأسرة الأساسية من غذاء ودواء ومواصلات.
هذا الانهيار لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة لسياسات اقتصادية متراكمة، أدت إلى فقدان العملة الوطنية لقيمتها، وارتفاع جنوني في الأسعار، بينما بقيت الرواتب أسيرة جداول قديمة لم تعد تعكس واقع الأسواق.
تداعيات كارثية: هجرة العقول وموت البحث العلمي
النتيجة الطبيعية لهذا التفكك كانت قاسية ومتوقعة:
أولاً: هجرة الكفاءات الأكاديمية لم يعد الأستاذ السوداني بحاجة إلى مغامرة غير محسوبة؛ فالخارج بات ينتظره بذراعين مفتوحتين. آلاف الأساتذة من حملة الدكتوراه والخبرات المتراكمة غادروا إلى دول الخليج وتركيا وأوروبا، تاركين خلفهم كراسي جامعية شاغرة، وأجيالًا من الطلاب بدون مرجعيات علمية كافية.
ثانياً: فقدان الخبرات المتراكمة:
الجامعات التي كانت تضم كفاءات نادرة في مجالات الطب والهندسة والعلوم البحتة والدراسات الإنسانية أصبحت اليوم تعاني من فراغ هائل. فكل أستاذ كبير يغادر لا يأخذ معه سنوات خدمته فحسب، بل يأخذ أيضاً شبكة علومه وخبراته التي كانت تشكل عماد الأقسام العلمية.
ثالثاً: تراجع البحث العلمي:
البحث العلمي يحتاج إلى وقت ومال وتركيز. والأستاذ الذي يقضي نصف يومه في البحث عن الخبز أو انتظار دوره في طابور الخبز أو حل مشكلة انقطاع الكهرباء لا يمكنه أن ينتج أبحاثاً عالمية ذات معنى، والمؤشرات تشير إلى تراجع مخيف في الإنتاج البحثي للجامعات السودانية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الكم أو النوع.
رابعاً: ضغط مضاعف على من تبقى:
من لم يهاجر بعد، يجد نفسه مكلفاً ادارياً او بتدريس مقررات عدة، والإشراف على أعداد مضاعفة من طلاب الدراسات العليا، والعمل في لجان متعددة، كل ذلك في ظل غياب الحوافز وأدنى مقومات العمل اللائق.
الأساتذة الذين يصنعون المعجزات:
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار أن كثيراً من الأساتذة ظلوا يؤدون رسالتهم في أصعب الظروف. إنهم يؤمنون ربما أن التعليم هو آخر خطوط الدفاع عن مستقبل السودان. تجدهم في قاعات الدرس على الرغم من انقطاع الكهرباء، يشرفون على رسائل الماجستير و الدكتوراه رغم غياب المراجع و ضعف او انعدام الإنترنت.
كيف يبدأ الإنقاذ؟
إن إنقاذ التعليم العالي في السودان لا يحتاج إلى بيانات رنانة ولا احتفالات بمناسبة افتتاح مبنى جديد. الإنقاذ الحقيقي يبدأ من نقطة واحدة، بسيطة في صياغتها، صعبة في تنفيذها إنصاف الأستاذ الجامعي. إنصاف مادي من حيث راتب يمكنه من العيش بكرامة، والتفرغ للبحث والتدريس دون عمل إضافي مرهق. إنصاف معنوي من حيث إعادة الاعتبار الاجتماعي للأستاذ، وإشراكه في القرارات الكبرى المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي. إنصاف مؤسسي من حيث توفير بيئة جامعية مستقرة، تحتوي على الكهرباء والإنترنت والمختبرات والمكتبات.
الدول التي احترمت العلم، بدأت باحترام العلماء اولاً. ليس لأن العلماء فوق البشر، بل لأنهم الركيزة التي تنهض عليها الأمم.
رسالة إلى صناع القرار
ربما يقرأ هذه السطور بعض من في يدهم الحل، أو ربما يصل صوت هذه الكلمات إلى من يهتم بمستقبل السودان. الرسالة واضحة، كل يوم يمر دون معالجة جذرية لأوضاع الأساتذة الجامعيين، يعني مزيداً من هجرة العقول، ومزيداً من تراجع الجامعات، ومزيداً من الخسائر التي لا تعوض.
التعليم العالي في السودان يحتاج اليوم إلى وقفة إنقاذ حقيقية. ليس بالشعارات، ولا بالوعود الانتخابية، بل بقرارات جريئة تضع العلم في مقدمة الأولويات الوطنية. فإذا كان العلم سلاح الأمم في مواجهة المستقبل، فإن العلماء هم حاملو هذا السلاح، ولا بد أن يكونوا في مأمن من رصاصة الجوع والتهميش.
الخلاصة: قصة انهيار التعليم العالي في السودان ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي قصة إنسانية تتحدث عن أساتذة يكافحون من أجل لقمة العيش، وطلاب يفقدون أحلامهم، ووطن يخسر أغلى رأسماله المتمثلة في عقوله. وإنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ اليوم، بخطوة واحدة، أن يشعر الأستاذ الجامعي أنه ليس وحده، وأن دولته تقدر علمه قبل أن يرحل أو ييأس.
الأستاذ: محمد محمد أحمد علي جامعة زالنجي
|
|