Post: #1
Title: النُخب التي تريد إعادة تأسيس السودان… لماذا لا تعيد تأسيس نفسها أولاً؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 03-22-2026, 06:35 PM
06:35 PM March, 22 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في اللحظات الفارقة التي تنزف فيها الأوطان حتى الرمق الأخير، تهرع النخب المأزومة إلى عواصم الجوار وغيرها لتبحث عن الكلمات المنمقة، متناسية في غمرة سكرتها الأكاديمية أن الأوطان لا تُستعاد بأوراق العمل المطبوعة بأناقة، ولا تُبنى بالمصطلحات الفخيمة، بل بالوقوف بشجاعة وصدق على أرض الواقع المشتعل، والاعتراف بالخطيئة التاريخية بدلاً من التنظير لها. تُعلمنا قراءة التاريخ السياسي المعاصر للدولة السودانية مفارقةً تراجيدية لا تكاد تخطئها عين المتابع الحصيف، فبقدر ما تتسع رقعة الدمار، وتتعالى ألسنة اللهب التي تلتهم مقدرات البلاد، وتشتد فجيعة المواطن البسيط الذي فقد المأوى والملاذ، تتسع في المقابل قاعات المؤتمرات الفارهة، وتنشط حركة الطيران ووكالات السفر لنخبنا السياسية والفكرية نحو العواصم الباردة والآمنة. لقد تابعتُ وقرأتُ بعين الباحث عن بصيص أمل في عتمة هذا النفق المظلم، وبقلب يقطر أسىً وحسرة، مقال الدكتور الوليد آدم مادبو، الذي يتناول فيه مخرجات ما سُمي بـ "ورشة نيروبي التفاكرية"، مبشرا إيانا بآفاق جديدة، ورؤى يصفها بالعميقة، لإنهاء الحرب الدائرة وبناء سلام مستدام. غير أن التأمل العميق، والتفكيك المنهجي لما انطوت عليه طيات هذا المقال، وما حفل به من احتفاء غير مبرر بأطروحات نظرية مجردة، لا يكشف لنا عن مخرج حقيقي من الأزمة الخانقة، بل يضع أيدينا بقوة على الجرح الغائر ذاته، وهو، الاغتراب المروع للنخبة السودانية عن واقع شعبها، وإدمانها المزمن للثرثرة الأكاديمية على حساب الفعل الوطني المباشر. إن السودان، منذ فجر استقلاله وحتى يومنا هذا، لم يكن يشكو يوما من شُح في التشخيص التنظيري، أو ندرة في الورش والمؤتمرات والندوات وولخ، بل لعل أوراق العمل التي دُبجت، والبيانات الختامية التي صِيغت حول أزمة الدولة السودانية، تكفي إذا ما جُمعت لسد مجرى النيل الأزرق. المشكلة لم تكن في غياب الرؤية المكتوبة، بل في تحول هذه الأزمات الوجودية المتلاحقة إلى مجرد حالة دراسية تُستعرض في ردهات الفنادق، ومطية للهروب المستمر من استحقاقات المواجهة التاريخية والأخلاقية للفشل النخبوي المتراكم الذي أوصل البلاد إلى حافة التلاشي. صخب الموت في الخرطوم وهدوء التنظير في نيروبي!! يستهل الدكتور مادبو مقاله بالإشارة إلى أن ورشة نيروبي سعت لتوفير مساحة من التفكير الهادئ والعميق حول جذور الأزمة السودانية وكيفية الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء السلام، وهنا، تتجلى المفارقة التي تدمي القلب وتستفز العقل الإنساني السوي، إذ كيف يتسنى لعقل ينتمي لتراب هذا الوطن أن يطالب بمساحة للهدوء ووطنه يحترق وتُستباح محارمه منذ الخامس عشر من أبريل 2023؟ إن الملايين من أبناء هذا الشعب الكريم قد افترشوا العراء والتهفتهم نيران النزوح واللجوء، ومدن البلاد المختلفة، تُستباح حجرا وبشرا وتُنهب مؤسساتها القومية ومنازل مواطنيها، ومئات الآلاف من الأبرياء يسقطون بين قتيل وجريح، في حين تعتقد نخبتنا السياسية والفكرية أن اللحظة التاريخية الراهنة تتطلب الانسحاب التكتيكي إلى فنادق نيروبي لممارسة التأمل العميق! إن استخدام هذه الديباجات المخملية، والمفردات الناعمة في حضرة الموت المجاني والخراب الشامل، لا يُعبر بأي حال من الأحوال عن حكمة سياسية أو حنكة قيادية، بل يُفصح عن تبلد مخيف في مستشعرات الانتماء الوطني، وانفصال وجداني كامل عن أنين الضحايا. إنها دورة سياسية مأساوية ومقاولات لا تنتهي، تبدأ بتجاهل معاناة المواطن المطحون تحت أزيز الطائرات ودانات المدافع، وتمر بالبحث المحموم عن استجداء التمويل الدولي لعقد الملتقيات الإقليمية، وتنتهي بإصدار بيانات ختامية وتوصيات لا تساوي فعليا قيمة الحبر الذي كُتبت به، ليعود الوطن مجددا إلى نقطة الصفر النازفة، وتعود النخبة لتوضيب حقائبها بانتظار الورشة القادمة في عاصمة أخرى. ترف البلاغة في حضرة الفجيعة وهلوسة البارادايم!! يُسهب المقال بحماس منقطع النظير في الاحتفاء بورقة الدكتور أبكر آدم إسماعيل، معتبرا دعوتها إلى إحداث تحول بارادايمي وتفكيك الالتباس المفاهيمي بمثابة فتح معرفي عظيم لإنقاذ ما تبقى من أشلاء البلاد. يجب تذكير سادة التنظير، إن اللغة عندما تنفصل عن واقعها الدموي تصبح نوعا من الترف القاتل، وسلاحا يساهم في تعميق المأساة بدلا من حلها، فالمواطن السوداني الأعزل الذي يتوارى من رصاص القناصة، والأم المكلومة التي تبحث في أكوام القمامة أو تحت أنقاض المنازل عن كسرة خبز أو شربة ماء تبقي أطفالها على قيد الحياة في معسكرات زمزم أو كلما، لا يعانون من أي التباس مفاهيمي، ولا يرجون خلاصا عبر "بارادايم" مستورد من قواميس علم الاجتماع الغربي. هذه المفردات الفوقية المتعالية، التي أُعدت بعناية فائقة لتُتلى في القاعات المكيفة بغرض انتزاع تصفيق الحاضرين من ذات الطبقة المخملية، لا تملك القدرة على الصمود لثانية واحدة أمام قسوة المشهد المروع في شوارع المدن المحاصرة، أو في أودية دارفور وكردفان الجريحة، أو في جبال النوبة الصامدة. إن القول بأن الأزمة تعود لمواءمة المجتمع مع الدولة بدل بناء الدولة على أساس التعدد الحقيقي، هو تشخيص بديهي ومكرر استُهلك في أروقة السياسة السودانية حتى بات أشبه بالتعاويذ القديمة التي لا تشفي سقيما ولا ترد قدرا. لقد أدمنت النخبة السودانية استدعاء مثل هذه المصطلحات الفضفاضة وتدويرها في كل أزمة: الهيكلة الجذرية لبنية الدولة صياغة العقد الاجتماعي الجديد تفكيك بنية التهميش التاريخي هرم المبادئ والأهداف والوسائل، كما تفضل الدكتور مادبو في مقاله، وكلها، دون استثناء، تُستخدم كستائر لغوية كثيفة لتواري سوأة العجز المزمن عن تقديم حلول عملية، سياسية، أو أمنية ناجزة على الأرض. إنه اغتراب سياسي وفكري مركب، يفصل فصلاً حاداً بين طبقة تتصارع وتتقاتل باستخدام قواميس اللغة والمصطلحات الأكاديمية أمام عدسات الكاميرات، وبين شعب يُقتل، ويُهجر، وتُغتصب نساؤه في ميادين الواقع المرير. خطيئة النخبة وبراءة التأسيس.. محاكمة التاريخ!! يمضي المقال بخطى واثقة نحو استنتاج درامي يرى أن شرط تحقيق السلام المستدام، هو إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، ويتبنى تشخيصا يربط اختلالات الدولة السودانية بما أسماه موروثات العبودية والاستعمار وسياسات الهيمنة، وهنا تحديدا، تُمارس النخبة أدهى عمليات التزوير التاريخي، والمراوغة النفسية، إذ تُلقي بتبعات فشلها الكارثي المتراكم على كاهل الماضي البعيد والاستعمار الذي رحل قبل نحو سبعة عقود. إن الحقيقة العارية، الموجعة، التي تأبى النخب السودانية بشتى توجهاتها الأيديولوجية والسياسية الاعتراف بها، يمكن تلخيصها في الآتي: 1/ الدولة السودانية ككيان وجغرافيا وشعب متسامح، لا تحتاج إلى إعادة تأسيس من الصفر. لقد كان هذا المجتمع، بتعدده القبلي والإثني والثقافي، حاضنة طبيعية للتسامح والتعايش السلمي قبل أن تعبث به أطماع السياسيين وأيديولوجيات الأحزاب المستوردة. 2/ عند فجر الاستقلال في الأول من يناير 1956، لم تتسلم هذه النخب أرضا خرابا، بل تسلمت دولة حديثة واعدة، ومؤهلة لتكون سلة غذاء العالم. دولة تمتاز بخدمة مدنية منضبطة تُضرب بها الأمثال في النزاهة والكفاءة الإدارية في القارة السمراء، ومشاريع قومية عملاقة كمشروع الجزيرة الذي كان يُعد أكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة في العالم، وسكك حديدية تربط أطراف البلاد، ونظام تعليمي رائد تخرجت منه كفاءات بنت وعمرت دولا مجاورة وفي الخليج العربي. فماذا حدث بعد ذلك الاستقلال المجيد، ماذا فعلت هذه النخب بهذه الدولة التي كانت تتدفق حيوية وموارد؟ لقد تكفلت النخب ذاتها التي تتباكى اليوم على ضرورة إعادة التأسيس،بتفكيك هذه الدولة لبنةً لبنة. لقد أحالوا التنوع الثقافي البديع إلى وقود لحروب أهلية مستعرة استجابة لأطماع سلطوية ضيقة، دمّروا الاقتصاد الوطني بمعاول الفساد الممنهج والمحسوبية والمحاباة، وأجهضوا الفترات الديمقراطية القصيرة بمهاتراتهم الحزبية الكيدية، ولم يتورعوا عن تسليم مقاليد البلاد للعسكر في انقلابات متتالية كلما عجزوا عن مواجهة الجماهير في صناديق الاقتراع. ثم، وبعد أن أكلوا لحم الوطن وتركوه عظما، وبعد أن أحالوه قاعا صفصفا تتخطفه المليشيات والكيزان، يطلون علينا اليوم من شرفات نيروبي ببدلات أنيقة، ليغسلوا أيديهم من دماء هذا الخراب، ويعلنوا براءة ذممهم، موجهين أصابع الاتهام للبنية الموروثة من الاستعمار! إن التعلق بشماعة التأسيس الجديد وإلقاء اللوم على اختلالات مفاهيمية في بنية الدولة، ليس سوى حيلة سيكولوجية دفاعية، وهروب ماكر وجبان من مواجهة المحاكمة التاريخية عن الجرائم التي اقترفتها، ولا تزال تقترفها، هذه الأيادي النخبوية بحق السودان وشعبه. السلام كغنيمة سياسية.. تشريح أكذوبة الاتفاقيات!! في سياق تبرير وتسويق الرؤية الجديدة، يزعم الدكتور مادبو في قراءته للورقة أن اتفاقيات السلام السابقة في السودان انهارت لأنها ركزت على تقاسم السلطة والثروة واستيعاب الحركات المسلحة دون معالجة جذور المشكلة. هذا الطرح يمثل نصف الحقيقة الذي يُراد به إخفاء النصف الآخر، والأكثر مرارة وبشاعة، هو إن تلك الاتفاقيات العديدة، من أديس أبابا 1972، مرورا بالخرطوم للسلام، ونيفاشا، وأبوجا، والدوحة، وصولا إلى سلام جوبا الأخير، لم تكن في الأساس سوى صفقات تجارية ومساومات سياسية لتقاسم الغنيمة المتمثلة في الدولة السودانية. من صاغ هذه الاتفاقيات، ومن وقع عليها، ومن رعاها، هم ذات الفاعلين السياسيين وزعماء الحركات المسلحة الذين يتحدثون اليوم، وبنفس الوجوه والأسماء، عن إدارة التنوع بروح الشراكة لا الإقصاء. عندما يتحدث ممثلو النخبة في أوراقهم البحثية عن الشراكة، وإدارة التنوع، والعدالة، فإن تاريخهم الطويل والموثق بالدماء والخراب، يهمس لنا، بل يصرخ في وجوهنا بأنهم يعنون حصريا شراكتهم، هم في كراسي الحكم الوثيرة، وتوزيع المناصب الوزارية والسيادية والمخصصات المالية المليارية، بعيداً كل البعد عن أي شراكة حقيقية للمواطن المسحوق في تقرير مصيره أو تحسين مستوى معيشته. لقد استُخدمت شعارات، كالعدالة التاريخية، والمساواة، ورفع التهميش، كأحصنة طروادة للعبور إلى مفاصل الدولة والمركز المالي في الخرطوم، وما إن تمكن هؤلاء القادة من بلوغ السلطة، واستبدلوا زي الميدان العسكري ببدلات الحرير الأنيقة، حتى مارسوا بامتياز ذات التهميش، وذات الإقصاء الذي كانوا يتباكون عليه ويحملون السلاح باسمه، بل تفوقوا على سابقيهم في الفساد واحتكار الثروة، تاركين جنودهم وجماهيرهم في المعسكرات والأطراف يواجهون الجوع والمرض والنسيان.. فهل الخلل هنا في بنية الدولة الموروثة، أم في الخلل الأخلاقي العظيم والانتهازية السياسية المقيتة التي تسكن نفوس هذه النخبة؟ في نهاية هذا المشهد السوداني الثقيل بالأسى، يبدو أن المأساة لم تعد فقط في الخراب الذي أصاب الأرض، بل في ذلك الانفصال العجيب بين من يدّعون التفكير في خلاص البلاد، وبين البلاد نفسها وهي تغرق أمام أعينهم، فالوطن الذي تحترق مدنه، وتتيه قراه في خرائط النزوح، وتُنهب مؤسساته على مرأى العالم، لا يحتاج إلى مزيد من المنصات الحوارية، بقدر ما يحتاج إلى قدر يسير من الصدق الأخلاقي، وإلى شجاعة الاعتراف قبل شجاعة التنظير. لقد أصبح واضحا أن الأزمة السودانية لم تكن يوما أزمة أفكار بقدر ما كانت أزمة ضمائر، فالأفكار، كما نرى، تتكاثر في أوراق العمل، وتتناسل في الندوات، وتُصاغ ببلاغة مذهلة في البيانات الختامية، أما الضمير السياسي، ذلك الذي يجعل صاحبه يشعر بوخز الألم حين يسقط طفل في دارفور أو يُهجَّر شيخ من بيته في الدلينج، فقد بدا وكأنه آخر ما يخطر على بال هذه النخب وهي تحجز مقاعدها في الطائرات المتجه نحو مكان المؤتمرات. ولعل أكثر ما يثير السخرية والضحك في هذا المشهد أن النخبة التي تتحدث اليوم بثقة عن إعادة تأسيس الدولة، هي نفسها التي مارست، على مدى سبعة عقود كاملة، هواية تفكيكها، فهي التي عجزت عن إدارة التنوع فحوّلته إلى حروب، وعجزت عن إدارة السياسة فحوّلتها إلى مؤامرات، وعجزت عن إدارة الدولة فحوّلتها إلى غنيمة، ثم، بعد كل هذا الخراب، تقف أمامنا بوقار أكاديمي لتعلن أن المشكلة كانت دائما في بنية الدولة، لا في بنيتها الأخلاقية هي. إنها مفارقة تكاد تكون كوميدية لولا أنها مكلفة إلى هذا الحد من الدماء، فالسودان لم يسقط لأنه يفتقر إلى النظريات، ولم يتشظَّ لأنه لم يعثر بعد على "البارادايم" الصحيح، بل لأن الذين أمسكوا بمفاتيحه لعقود طويلة لم يروا فيه وطنا، بقدر ما رأوا فيه فرصة، فرصة للسلطة، أو للثروة، أو للمجد الشخصي، أو حتى للبطولة الخطابية على منصات المؤتمرات والندوات وولخ. ومن هنا فإن الحديث عن إعادة تأسيس السودان يبدو، في كثير من الأحيان، كمن يقترح إعادة بناء البيت بينما لا يزال أصحابه منشغلين بإشعال الحرائق في غرفه. إن التأسيس الحقيقي، إذا كان لا بد منه، لا يبدأ بالدساتير ولا بالورش التفاكرية ولا بخرائط إعادة الهيكلة، بل يبدأ من مكان أكثر بساطة وندرة، وهو، الضمير، من لحظة صدق نادرة تقف فيها هذه النخب أمام مرآة التاريخ وتعترف بأن ما حدث لم يكن لعنة جغرافيا ولا مؤامرة استعمار، بل كان في جانب كبير منه، حصادا طبيعيا لعقود طويلة من الغرور السياسي، والانتهازية، والعجز المقنّع بالبلاغة، عندها فقط، وربما عندها وحدها، يمكن أن يصبح الحديث عن مستقبل السودان أكثر من مجرد تمرين لغوي جميل. وإلى أن يحدث ذلك، فسيظل السودان على الأرجح، وطنا يقاتل للبقاء، بينما تتبارى نخبه في كتابة أفضل العناوين لمقالات ما بعد الكارثة.
|
|