Post: #1
Title: السودان من الداخل: لقاء صحفي مع د. محمد بدوي مصطفى,,أستاذ اللسانيات بجامعة كونستانس (ألمانيا) وجامع
Author: محمد بدوي مصطفى
Date: 03-22-2026, 11:30 AM
11:30 AM March, 22 2026 سودانيز اون لاين محمد بدوي مصطفى -Germany مكتبتى رابط مختصر
السودان من الداخل: لقاء صحفي مع د. محمد بدوي مصطفى
أستاذ اللسانيات بجامعة كونستانس (ألمانيا) وجامعة (زيورخ)
حاورته: صفاء بحر
📌
من أقواله:
"السودان يشبه أوركسترا كبيرة؛ كثيرة ومتنوعة الأصوات، والمشكلة الحقيقيّة ليست في الآلات، بل في غياب اللحظة التي يجتمع فيها العازفون على لحن واحد.”
📌في مسارات تتقاطع فيها اللغات مع الثقافة، والعلم مع الموسيقى، تبرز تجارب سودانية استطاعت أن تعبر الحدود الجغرافية وتصنع حضورها في فضاءات متعددة .
وبين الموسيقى واللغة والسياسة يقف د . #محمد_بدوي، في مساحة فريدة، تجمع بين التجربة الشخصية والرؤية الفكرية .
ضيفنا من مواليد أم درمان، انتقل إلى أوروبا في وقت مبكر من حياته، غادر السودان في ثمانينات القرن الماضي، لكن أم درمان بثقافتها وإيقاعها وروحها المدنية ظلت حاضرة في مسيرته الأكاديمية والفنية.
تنقلت رحلته الأكاديمية بين فرنسا وألمانيا، قبل أن يستقر في كونستانس، التي شكلت لاحقًا أحد أهم محطات مسيرته العلمية . حصل على درجة الدكتوراه في اللغويات، وكرس جهده للبحث والتدريس في مجال لسانيات اللغة العربية، حيث يعمل أستاذًا في جامعات أوروبية، إلى جانب جونه مترجمًا معتمدًا بين العربية والألمانية والفرنسية .
لم تقتصر تجربته على العمل الأكاديمي، بل امتدت إلى مجالات النشر والثقافة، حيث أسس دارًا للنشر تُعني بالثقافة العربية والأفريقية، وأسهم في إنتاج كتب ومراجع تعليمية في اللغة العربية، سعيًا لمد جسور المعرفة بين الثقافات .
اليوم، وبعد عقود من العمل في الجامعات الأوروبية والانخراط في الحياة العامة، ينظر د . بدوي إلى السودان من زاوية متعددة الأبعاد؛ تجمع بين التحليل السياسي، والقراءة السيميائية، وحس الموسيقى، واهتمام المثقف بقضايا التعليم والهوية .
في هذا الحوار نحاول أن نقف عند هذه المسيرة المتنوعة، ونقرأ من خلالها تجربة سوداني جمع بين البحث العلمي، والعمل الثقافي، والانخراط المجتمعي في سياق عالمي متغير . ودور اللغة في تشكيب الهوية السودانية، وعن التعليم بوصفه مدخلًا لإصلاح أوسع . كما يتوقف عند علاقة الفن بالمجتمع، وإمكانية أن تكون الموسيقى جسرًا بين السودانيين في زمن الانقسامات .
ويقدم بدوي رؤية صادقة حول ما خسره التعليم بعد الحرب، والتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن التعدد اللغوي والثقافي ليس مشكلة، بل ثروة ينبغي حمايتها .
بين الواقع والمستقبل، وبين السياسة والفن، يفتح هذا الحوار نافذة لفهم السودان من الداخل، من خلال عين الأكاديمي وعين الموسيقي معًا.. حيث يحمل كل سؤال محاولة لإعادة اكتشاف الهوية الوطنية وإمكانيات التغيير .
❶ غادرت السودان في ثمانينات القرن الماضي. ما الذي بقي من أم درمان داخلك حتى اليوم؟
♦لم تغادرني أم درمان يومًا. رافقتني في سنوات دراستي بمدينة ليون في فرنسا حتى أتممت مرحلة الماجستير، وكانت حاضرة كذلك طوال سنوات إقامتي في #كونستانس في الجنوب الألماني، حيث واصلت دراساتي العليا وأنجزت أطروحة الدكتوراه، ثم دراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة كونستانس؛ تلك المدينة الهادئة التي ترقد على ضفاف بحيرتها كأنها همزةٌ وادعة على سطرها.
غير أن #أمدرمان لم تكن بالنسبة لي مجرد مدينة بعيدة في الذاكرة، بل كانت — وما تزال — رؤيةً للحياة وطريقةً في النظر إلى الإنسان والعالم. فمن عمق تجربتها الإنسانية تشكّلت ملامح فهمي للأشياء، وبعيونها تعلّمت أن أقرأ تنوّع العالم واتساعه.
لذلك ظلّت أم درمان حاضرة في كل تفصيلة من تفاصيل حياتي: في عملي بالجامعة، في صداقاتي، في تربيتي لأولادي، وبالطبع في لغاتي أو لساني الأمدرماني الذي سلقت عليه، وفي الموسيقى التي أعزفها، وفي إيماني العميق بقدرة الناس على العيش معًا رغم اختلافاتهم. كانت، وما تزال، مدرسة يومية في التعددية والتكافل؛ في السوق، وفي الحي، وفي الطرق الصوفية، وفي رحاب الثقافة الشعبية التي كانت تجمع الناس على الألفة والمشاركة وروح العيش المشترك.
❷ هل تعيش بهويتين أم بهوية واحدة متعددة الطبقات؟
♦خرجتُ من بلادي في سنّ مبكرة، سنٍّ أقرب إلى الطفولة، حين لم أكن أعرف من الدنيا إلا قليلًا. لذلك، حين أنظر إلى نفسي اليوم عبر التأمل الداخلي والغوص في أعماق الذات، أجدها هويةً واحدة متعددة الطبقات.
فالإنسان في عالم اليوم لم يعد كائنًا أحاديّ الانتماء. يمكن للمرء أن يكون سودانيًا عميق الجذور، وأوروبيًا في تجربته الحياتية، من دون أن يحمل ذلك أي تناقض. فالهويّة ليست جدارًا صلدًا يُغلق على صاحبه، بل هي نهرٌ واسع تتلاقى فيه روافد كثيرة.
وكما يلتقي النيلان آتيين من بلادٍ بعيدة ومناخاتٍ متباينة، ثم يتعانقان في المقرن ليشكّلا مجرىً واحدًا، كذلك تتشكّل الهويّة الإنسانية: التقاءُ تجارب وذاكراتٍ ومساراتٍ مختلفة، لكنها تفيض في النهاية بتيارٍ واحد يروي حكاية الإنسان وذاكرته الجمعية.
❸ متى يصبح الانتماء اختيارًا ومتى يظل قدرًا؟
♦ سؤال ملهم وصعب في نفس الوقت، أعتقد في البداية هو قدر؛ نولد في لغة وثقافة ومكان. لكن مع الزمن يصبح اختيارًا واعيًا. حين تختار أن تبقى وفيًا لذاكرتك وثقافتك رغم المسافات، يتحول الانتماء من مصادفة جغرافية إلى موقف أخلاقي وثقافي.
❹ بصفتك لغويًا، هل تعكس العربية في السودان وحدتنا أم انقساماتنا؟
♦العربية في السودان لعبت دورًا مهمًا كلغة مشتركة للتواصل، لكنها ليست التعبير الوحيد عن هوية البلاد. السودان فضاء لغوي وثقافي شديد الثراء. فالمشكلة ليست في اللغة نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها سياسات اللغة والثقافة.
❺ هل كانت اللغة جسرًا أم أداة إقصاء؟
♦في أوقات كثيرة كانت جسرًا حقيقيًا بين الناس. لكنها تحولت أحيانًا إلى أداة إقصاء عندما جرى تجاهل اللغات المحلية أو التقليل من قيمتها. اللغة يمكن أن تبني مجتمعًا جامعًا، ويمكن أيضًا أن تعكس اختلالات السلطة داخله. ولو كنت وزيرًا للتربية والتعليم لجعلت تعلم لهجات وألسنة أهلنا في شرق السودان وغربه، شماله وجنوبه مادة أساسيّة حسب الموقع الجغرافي. فنحن نحتاج لنتعلم ألسنة أهلنا في كل بقاع السودان. وأن نتعلم تأدية التحيّة بلغة الفور، النوبة، البجة، الخ. وليس بالعربية وحدها، فهذه ثروة لا تضاهى ينبغي الاهتمام بها.
❻ هل أثّر تهميش اللغات المحلية على شعور بعض المجموعات بالانتماء؟
♦بالتأكيد. اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل حاملة للكرامة الثقافية. عندما لا ترى لغتك أو ثقافتك في المدرسة أو في الفضاء العام، تشعر بأن جزءًا من هويتك غير معترف به.
❼ هل يمكن لإصلاح التعليم اللغوي أن يكون مدخلًا لإصلاح وطني؟
♦نعم، لأن التعليم اللغوي يعكس رؤية المجتمع لنفسه. عندما نبني تعليمًا يعترف بالتعدد الثقافي واللغوي، فإننا نؤسس لثقافة سياسية أكثر انفتاحًا وتسامحًا.
❽ قبل الحرب، هل كان التعليم يسير في الاتجاه الصحيح؟
♦كانت هناك محاولات إصلاح، لكن التعليم ظل يعاني من ضعف التمويل وعدم الاستقرار السياسي. المشكلة في السودان ليست نقص الأفكار، بل غياب الاستمرارية المؤسسية.
❾ ماذا كان ينقص مشروع دعم التعليم الذي عملتم عليه؟
♦كان ينقصنا إطار مؤسسي مستقر. المبادرات الفردية يمكن أن تفتح الطريق، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني نظامًا تعليميًا متماسكًا. التعليم يحتاج إلى رؤية وطنية طويلة المدى.
❄ ماذا خسر التعليم السوداني بعد الحرب؟
♦لم نخسر المباني فقط، بل خسرنا زمنًا من حياة جيل كامل. عندما تتوقف المدارس والجامعات، يتوقف معها جزء من المستقبل.
⓫أنت أكاديمي وموسيقي في الوقت نفسه. هل الموسيقى لغة أصدق من السياسة؟
♦الموسيقى ليست بديلًا عن السياسة، لكنها لغة إنسانية مباشرة. السياسة غالبًا ما تتحدث بلغة المصالح، بينما الموسيقى تتحدث بلغة التجربة الإنسانية المشتركة.
⓬هل يمكن للموسيقى أن تعيد بناء الجسور بين السودانيين؟
♦نعم. الموسيقى تمتلك قدرة فريدة على تجاوز الانقسامات. عندما يجتمع الناس حول لحن واحد، يكتشفون أنهم يشتركون في إحساس إنساني عميق.
⓭ لماذا تكون الفنون أول ما يتضرر في الأزمات؟
♦لأن المجتمعات في أوقات الخطر تركز على البقاء أولًا. لكن paradoxically، الفنون هي أيضًا ما يساعد المجتمع لاحقًا على التعافي وإعادة اكتشاف نفسه.
⓮ ماذا تعلمت من تجربتك في العمل العام في أوروبا؟
♦تعلمت أن الديمقراطية ليست شعارًا يُرفع في الخطب، ولا مفهومًا نظريًا يُتداول في الكتب، بل هي ممارسة يومية تتجسد في مؤسسات راسخة، وشفافية واضحة، ومساءلة لا تستثني أحدًا. إنها ثقافة تتكوّن بهدوء عبر سنوات طويلة من العمل المدني المتواصل، وتترسخ في السلوك قبل أن تُكتب في القوانين.
وخلال هذه التجربة أدركت أن نجاح العمل العام لا يقوم إلا على منظومة من القيم الأصيلة: الصدق في القول، والأمانة في المسؤولية، والإتقان في الأداء، والتفاني في خدمة الصالح العام. كما يقوم على روح نكران الذات، والعمل المشترك الذي يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفردية.
وتعلمت كذلك أن العدل الحقيقي يتجلى حين تُمنح الفرص على أساس الكفاءة والمؤهلات، بعيدًا عن المحسوبية أو الامتيازات الضيقة، وأن حب العمل ذاته ـ لا مجرد السعي إلى مكاسبه ـ هو ما يصنع الأثر الحقيقي.
وفي النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو الإسهام بوعي ومسؤولية في معالجة القضايا الملحّة، والعمل بإخلاص على تطوير المجتمع، بما يحقق مزيدًا من العدل والتكافؤ والكرامة الإنسانية.
⓯ هل مشكلة السودان نقص كفاءات أم ضعف مؤسسات؟
♦السودان غني بالكفاءات في الداخل والخارج. المشكلة الأساسية هي ضعف المؤسسات وعدم الاستقرار السياسي الذي يمنع هذه الكفاءات من العمل بفعالية.
⓰ كيف يمكن للسوداني في الخارج أن يساهم في بناء وطنه؟
♦من خلال المعرفة وبناء الجسور بين المؤسسات. الشتات السوداني يمتلك طاقة معرفية كبيرة يمكن أن تكون رافعة حقيقية لإعادة البناء.
⓱ هل يعيش السودان أزمة لغة قبل أن تكون أزمة سياسة؟
♦إلى حدٍ ما نعم. عندما نختلف حول اللغة التي نصف بها أنفسنا وتاريخنا، يصبح الحوار السياسي نفسه أكثر تعقيدًا.
⓲ لو استطعت تغيير شيء واحد في علاقة السودانيين بلغتهم وهويتهم، ماذا سيكون؟
♦كنت سأعزز فكرة أن التعدد اللغوي والثقافي في السودان ليس مشكلة يجب حلها، بل ثروة يجب حمايتها.
⓳بعد سنوات طويلة في أوروبا، كيف ترى مستقبل السودان؟
♦أراه بعينين: عين الأكاديمي الذي يحاول فهم التعقيد وتحليل أسبابه ببرودة العقل، وعين الموسيقي الذي يؤمن بأن الانسجام ممكن حتى بعد أكثر اللحظات قسوة. فالمجتمعات، مثل الموسيقى، قد تمر بفوضى الأصوات، لكنها في النهاية قادرة على أن تجد لحنها من جديد.
📌خاتمة:
السودان بالنسبة لي ليس مجرد وطن تركته، بل تجربة مستمرة نعيشها في كل لحظة. التحديات كبيرة، والانقسامات واضحة، لكن الروح الثقافية والفنية لهذا البلد، ولغاته المتعددة، وموسيقاه العميقة، كلها دلائل على أن السودان قادر دائمًا على أن يجد طريقه. ربما لا تأتي اللحظة المثالية، لكن كما في الموسيقى، فالصمت وحتى الفوضى تصنع أحيانًا أجمل الألحان.
Image
#حاورته
#صفاء_بحر
#سلسلة_السودان_من_الداخل
|
|