Post: #1
Title: بين ضيق التأويل ورحابة الأفق: نحو وعيٍ مشتركٍ يؤسّس للبناء كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 03-21-2026, 01:29 PM
01:29 PM March, 21 2026 سودانيز اون لاين د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK مكتبتى رابط مختصر
21/ مارس/٢٠٢٦
ليست الأزمة في رفع راية الدين أو التمسّك بالقيم، بل في تضييق أفقه الرحب واختزال تعدّده في صوتٍ واحد، إذ يفقد حينها إنسانيته، ويتحوّل من فضاءٍ جامع إلى أداةٍ للإقصاء. ويبدأ الخلل حين يُحبس في تأويلٍ أحادي يُرفَع إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، فتُغلق أبواب المراجعة ويُصادَر حقّ الاختلاف. عندئذٍ تنشأ قناعةٌ زائفة، توهم بأن الحقيقة قد انحصرت في رؤيةٍ احادية، لا تسمع من المعنى إلا صداها.
حين يختنق المعنى في ضيق تأويله، لا يتشوّه الفهم فحسب، بل يتصدّع الوعي ذاته، إذ يتخلّق انفصامٌ خفيّ، يدرك معه الإنسان أن ما يُمارَس باسم المرجعية الروحية من تعصّبٍ ومغالاة لا يلتقي مع تصوّره للعدل والرحمة. ومع ذلك، وتحت وطأة الخطاب السائد، يُساق إلى قبوله أو الصمت عنه، خشية أن يُتَّهَم بمفارقة الحق أو الخروج من الملة. وهكذا ينقلب ما كان ينبغي أن يكون مصدر إلهامٍ للفطرة إلى قيد، ويتحوّل الإيمان من طاقة تحرّر إلى توتّرٍ داخلي يرهق النفس ويضيّق الإدراك، تاركاً الفرد حائراً بين ضيق الممارسة واتّساع الفطرة.
حينن تتشظّى الذات بين ما تؤمن به وما يُملى عليها، لا يبقى الانقسام حبيس الداخل، بل يمتدّ ليطال صلة الإنسان بمجتمعه، فيصبح غريباً بين الناس، لا هو قادر على الانسجام مع تنوّعهم، ولا مطمئنّ إلى الخطاب الذي يُطلب منه اعتناقه. يتأرجح بين رفضٍ داخلي لما يُفرَض عليه، وقبولٍ ظاهري لما يُظنّ أنه جوهر الدين، فتتشكل حالةٌ مشحونة بالتناقض، تعمّق الفجوة بدل أن تبني الجسور، وتتركه معلّقاً بين ضيق الذات واتّساع الآخر.
المشكلة ليست في النص، بل في ضيق أفق تأويله، فالنص، في جوهره، ليس صوتاً واحداً يتردد عبر كل زمان ومكان، بل يميّز بين مستويات متعددة من الخطاب، لكل منها سياقه ووظيفته. هناك خطاب يؤسس لحد أدنى من القيم التي لا تقوم الحياة بدونها، الكرامة، العدل، صيانة الحقوق، واحترام التعدد. وهناك خطاب موجَّه للمؤمنين، يرسم لهم معالم سلوكهم الخاص، ثم خطاب أخصّ يتصل بجماعة معينة في سياقها التاريخي والاجتماعي، يراعي ظروفها وحاجاتها الخاصة.
تبدأ الإشكالية حين يُساء تأويل الخطاب وتُمحى الفوارق بين مستوياته، فيُسحب خطاب خاص إلى المجال العام أو يُفرض التزام على من لا ينتمي إليه. حينها يفقد الدين بعده الأخلاقي، ويتحوّل من مرشد للحياة إلى أداة صراع، ومن جسر يربط الناس إلى حاجز يباعدهم. فيصبح الاختلاف تهديداً، والتعددية جرماً، ويجد الإنسان نفسه ممزقاً بين فطرته وما يُفرض عليه، فيتحوّل الإيمان من طاقة للتماسك إلى مصدر توتر داخلي، ويضيع دوره في احتواء التباين وبناء العدالة، فتضيع معه إمكانات الحياة المشتركة.
أولى خطوات للخروج من هذا المأزق هي استعادة ذلك المستوى من الخطاب الذي أرساه النبي في لحظة إنسانية جامعة، حين خاطب الناس جميعاً في خطبة الوداع بوصفهم بشراً، لا باعتبارهم متشابهين في الاعتقاد، بل باعتبارهم شركاء في الإنسانية. خطاب يبدأ ب (يا أيها الناس)، لا ليذيب الفوارق، بل ليؤسس لما هو أعمق منها. وحدة الأصل، ومشترك المصير (كلكم من آدم وآدم من تراب). في هذا الأفق، لا يقوم التفاضل على الانتماء، بل على ما يحققه الإنسان من عدل وتقوى، ولا تصبح الاختلافات مبرراً للإقصاء، بل تصبح قاعدة للتماسك والفهم العميق بينهم.
ومن هنا، تتجلى أهمية المبادئ التي تمثل الحد الأدنى لقيام أي مجتمع. حرمة الدماء، صيانة الأموال، احترام الروابط الإنسانية، وحماية الحقوق، لا سيما حقوق الفئات الأضعف مثل المرأة والطفل. العدالة والمساواة واحترام كرامة الإنسان ليست مفاهيم نظرية فحسب، بل قواعد عملية تُبنى عليها الحياة المشتركة. وحتى القضايا الاقتصادية، التي قد تبدو في ظاهرها تقنية، تحمل في جوهرها بعداً أخلاقياً عميقاً، حين يُرفض استغلال جهد الآخرين أو احتكار الثروة على حسابهم، في مسعى للحفاظ على التوازن ومنع تفكك النسيج الاجتماعي، وتعزيز قيم الرحمة والحق التي أرساها الدين في جوهر تعاليمه.
هذا المستوى من القيم ليس بديلاً عن الخصوصيات الدينية، بل هو الإطار الذي يسمح لها بأن تتعايش دون أن تتحول إلى أدوات صراع. إنه المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها المختلفون دون أن يتنازل أحدهم عن ذاته، ودون أن يفرضها على غيره.
إن أي مجتمع يتجاهل هذا التوازن محكوم بأن يدفع الثمن، مهما كانت شعاراته نبيلة. فحين يُختزل الدين في بعده السلطوي، أو يُقصى بالكامل من المجال العام، يختل الميزان في الحالتين. الطريق الأشد صعوبة والأكثر صدقاً هو ذاك الذي يعترف بالتعدد، ويستجيب له، لا بالإنكار أو القسر، بل بإعادة قراءة النص بما يفتح أفقاً أوسع للإنسان.
هناك، فقط، يلتقي الإيمان بالحياة، لا كقوة إكراه، بل كقوة تمنح الوجود. وهنا، فقط، يتصالح الإنسان مع ذاته، فلا يرى في دينه قيوداً، ولا في مجتمعه تهديداً، بل يكتشف أن كليهما، حين يُفهمان بعمق، ينتميان إلى أفق واحد. أفقٍ يتسع بقدر ما نتحرر من وهم الامتلاك، ونقترب من حقيقة المشاركة.
أخيراً، ليس دعاءُ العيد ما تفيض به الألسنة من عباراتٍ دافئة، بل ما يترسّب في الأعماق من أثرٍ صامت، فصدقُه لا يُقاس بحرارة كلماته، بل بقدر ما يتحوّل إلى سلوكٍ يُرى، وحياةٍ تُعاش. abudafair@hotmail.com
Sent from Outlook for iOS
|
|