السودان الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد

السودان الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد


03-19-2026, 09:29 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1773952176&rn=0


Post: #1
Title: السودان الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 03-19-2026, 09:29 PM

09:29 PM March, 19 2026

سودانيز اون لاين
احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا
مكتبتى
رابط مختصر




ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

ليس أمام السودان ترفُ العودة الطويلة إلى دفاتر تاريخه السياسي طلبًا للخلاص، لأن معظم ذلك التاريخ، منذ ما قبل الاستقلال، تاريخٌ مثقل بالسواد والتلويث والانتهازية، حتى عند شخصيات ظنّ الناس فيها خيرًا. المشكلة لم تعد في اكتشاف أن الماضي كان سيئًا، بل في السؤال الأصعب: من يملك القدرة على الحكم بنزاهة، وبأي أدوات، وتحت أي عقدٍ سياسي جديد؟

أكثر من ٧٠٪ من الطبقة السياسية السودانية، القديمة والوسيطة، شاركت بدرجات متفاوتة في خراب البلاد: بالصمت، أو بالتواطؤ، أو بالفساد، أو بالعجز، أو بالعجز المتواطئ الذي لبس ثوب الحكمة وهو في الحقيقة تخلٍّ عن المسؤولية. لهذا لا يكفي أن نلعن التاريخ، ولا أن نكرّر سرديات المظلومية، بل يجب أن نواجه الحقيقة كما هي: السودان يحتاج إلى بداية جديدة، لا إلى ترميم بيتٍ احترق أساسه.

بعد إقصاء الحركة الإسلامية، الداعية إلى التمكين والشمولية العابرة للحدود، لا يبقى أمام السودان إلا أن يتأمل بجدية تجارب الخروج من الجحيم، كما حدث في جنوب أفريقيا ورواندا، وبخاصة التجربة الرواندية. ليس المقصود استنساخ التجارب، بل التعلّم من جوهرها: البدء من الصفر حين تصبح البنية القديمة نفسها جزءًا من الجريمة.

هذه البداية الجديدة لا يمكن أن تقوم إلا على تحالف عريض، واضح المعالم، يدعو صراحة إلى حكمٍ مدني علماني، وإلى جيش جديد خاضع تمامًا للسلطة المدنية، وإلى سلطة مدنية تعرف حدودها وتحترم استقلال القضاء، فلا تتحول هي الأخرى إلى مركز استبداد جديد. هنا تحديدًا يصبح التأسيس ليس مجرد شعار، بل مشروعًا عمليًا مطروحًا على الطاولة، وقد بدأ تنفيذه بالفعل في نحو ٥٥٪ من مساحة السودان، وبين ما يقارب ٦٠٪ من سكانه، مع عزمٍ واضح ـ على نحو يذكّر بإرادة الحسم في الثورة الرواندية ـ على اجتياح بقية الولايات، ليس بغرض التمكين لفئة جديدة، بل من أجل إنهاء عهد الدولة المختطفة وبناء دولة وطنية حديثة.

لقد أمضى السودانيون أكثر من خمسين سنة في دورانٍ عبثيٍّ حول الذات: كلّ فريق يشكر نفسه، ويعظّم نفسه، ويمنح نفسه ألقابًا أخلاقية ووطنية، ثم يطلب الحكم، لا بوصفه خدمة عامة، بل بوصفه حقًا حصريًا يجيز له تنصيف الآخرين أو محوهم. تلك هي آفة «شكارتا دلاكتا» السياسية السودانية: نخبٌ تعيش على الثناء المتبادل، وتنتج الخراب باسم المعرفة، وتدير الفشل بوصفه فضيلة، ثم تعود لتقديم نفسها من جديد وكأن شيئًا لم يكن.

من بقي غير ملوّث؟ من بقي خارج هذا المستنقع؟ آل المهدي، وآل الميرغني، والمعظم الأكبر من الشيوعيين، وكل من انتمى إلى الحركة الإسلامية، وأحزاب صغرى كثيرة تحمل أجندات عنصرية لا مكان لها في سودان المستقبل، من قوميين وناصريين وسواهم، ومن أنشأوا فكرة الجنجويد، ومن تمشّوا في ردهات الدعم السريع، وكل الحركات والمليشيات على اختلاف أنواعها. جميع هؤلاء، بدرجات مختلفة، شاركوا في إنتاج الأزمة السودانية، أو في تعطيل الخروج منها، أو في منحها غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

لهذا لا يعود السؤال سؤالَ طهارةٍ أخلاقية مجردة، لأن السياسة في لحظات الانهيار الشامل لا تبحث عن ملائكة، بل عن قوة قادرة على الحسم، ثم على تسليم الحسم فورًا إلى مشروع مدني منضبط. والسؤال العملي الذي يفرض نفسه هنا هو: من يستطيع اجتياح السودان كاملًا، ثم تحويل ذلك الاجتياح فورًا إلى سلطة مدنية متجانسة، تستند إلى دستور مدني، ولجان عدالة انتقالية، واقتصاد تنموي مجتمعي يحدّ من الفقر ويعيد بناء الدولة من أسفل؟

هنا يبرز، عند كثيرين، اسم حميدتي، لا بوصفه قديسًا، ولا بوصفه معصومًا من النقد، بل بوصفه ـ في نظرهم ـ القائد الوحيد الذي لم يخرج من الرحم التقليدي للنخبة السياسية السودانية الملوثة، والذي يملك، إن أنجز الحسم الكامل، فرصة الانتقال بالبلاد من سلطة الحرب إلى سلطة مدنية جديدة. وتبقى قيمة هذا الطرح مرهونة بشرطٍ حاسم لا يحتمل المواربة: أن يكون ذلك الانتقال انتقالًا حقيقيًا إلى دستور مدني، وعدالة انتقالية جادة، وجيش قومي جديد، لا إلى إعادة تدوير الغلبة العسكرية في ثوب جديد.

السودان لن ينجو إذا خرج من شمولية الكيزان ليقع في شمولية أخرى، ولن ينجو إذا استبدل طغيان المركز القديم بطغيان جديد من الهامش أو من السلاح أو من الزعامة الفردية. النجاة الوحيدة هي في القطيعة الكاملة مع كل مشروع ديني أو أيديولوجي أو عرقي يحتكر الوطن، وفي بناء دولة مدنية حديثة، قوامها المواطنة، وحكم القانون، واستقلال القضاء، وخضوع الجيش الكامل للسلطة المنتخبة.

ولا أمل حقيقي في منع الخطة البديلة للكيزان ـ أي مشروع إعلان دولتهم الانفصالية في ما يسمّى مثلث حمدي ـ إلا عبر إنشاء حكومة انتصار تتبعها مباشرة عملية تأسيس عميقة وشاملة: تفكيك بنية التمكين، ومنع عودة الإسلاميين إلى مفاصل الدولة، وإنشاء جيش قومي جديد لا تكون له صلة ببقايا العقائد الشمولية، ولا يُبنى على مفاصلة شكلية تنتهي إلى مصالحة ضمنية مع ما دمّر السودان أصلًا.

السودان الممكن ليس سودان التسويات الرخوة، ولا سودان الوجوه القديمة بطلاء جديد، ولا سودان البيانات التي يكتب فيها كل فريق مديحه لنفسه. السودان الممكن هو سودان يبدأ من الصفر، بشجاعة الاعتراف بأن أغلب الطبقة السياسية قد فشلت، وبحسمٍ يمنع عودة الكيزان، وبمشروع تأسيسي واضح يقود إلى دولة مدنية علمانية، وقضاء مستقل، وجيش قومي جديد، واقتصاد تنموي اجتماعي يرد الكرامة للناس ويعيد المعنى لفكرة الوطن.

ذلك هو الطريق الأصعب، نعم. لكنه، على الأرجح، الطريق الوحيد.



د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس
١٩ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com