مطاردة الأشباح.. كيف سيسترد وجدي صالح أموالاً في بلد تحترق مؤسساته؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف

مطاردة الأشباح.. كيف سيسترد وجدي صالح أموالاً في بلد تحترق مؤسساته؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف


03-19-2026, 09:28 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1773952122&rn=0


Post: #1
Title: مطاردة الأشباح.. كيف سيسترد وجدي صالح أموالاً في بلد تحترق مؤسساته؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 03-19-2026, 09:28 PM

09:28 PM March, 19 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





في أروقة السياسة، عندما تفشل الأنظمة أو اللجان في أداء مهامها وهي تتربع على قمة هرم السلطة وتملك كل أدوات الفعل، فإن أبسط قواعد الاحترام للذات وللجماهير تقتضي الاعتذار والتنحي بصمت، أما في النسخة المشوهة من الممارسة السياسية السودانية، فإن الفاشل لا يموت سياسيا، بل يتحول إلى ظاهرة صوتية تخرج من سباتها لتمارس ذات الرقصة القديمة على جثث ضحاياها.
الإعلان الأخير لما يُسمى بلجنة تفكيك نظام 30 يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة، باستئناف عملها، ليس سوى مسرحية رديئة التأليف والإخراج، بطلها المدعو وجدي صالح، الذي قرر أن يمارس الكذب البواح دون أن يرف له جفن، متوهما أن ذاكرة الشعب السوداني مثقوبة، وأن آلة الحرب التي طحنت كل شيء، قد طحنت معها وعي هذا الشعب وقدرته على التمييز بين الغث والسمين.
إن هذا العنوان التساؤلي الذي نطرحه اليوم، لا ينبع من فراغ، بل هو تشريح دقيق لحالة من الهلوسة السياسية والانفصال المروع عن الواقع، يعيشها هؤلاء الذين فروا من جحيم الحرب التي ساهموا في إشعالها بخطاباتهم الاستقطابية، ليخاطبوا شعبا ينزف من وراء الحدود، ومن داخل الغرف الفندقية المكيفة، متدثرين بثياب البطولات الوهمية.
مسرحية الاستئناف.. سيادة مفقودة في مقاهي الشتات!!
أعلنت لجنة تفكيك نظام 30 يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة، استئناف عملها برئاسة محمد الفكي سليمان وعضوية وجدي صالح، مؤكدة عزمها متابعة الملفات المتعلقة بأصول وموارد النظام السابق.
كيف تستأنف لجنة سيادية عملها من خارج حدود السيادة الوطنية؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يتجاوزه وجدي صالح وهو يمارس استغباءا غير مسبوق للعقل الجمعي السوداني، إذ في الفترة الممتدة من 2019 إلى 2021، كانت هذه اللجنة تملك السلطة التنفيذية المطلقة، مدعومة بالشرطة، وقضاء مُسيس خضع لابتزازها، ونيابات تعمل بإمرتها، وآلة إعلامية رسمية تسبح بحمدها، ومع كل تلك الترسانة السلطوية، انتهت تجربتها إلى فشل مدو، زكمت رائحته الأنوف، وتوجت باتهامات موثقة بالفساد، والمحسوبية، والتشفي والانتقام، وتصفية الخصومات السياسية بعيدا عن أي معايير للعدالة أو النزاهة.
اليوم، وبعد أن فقدوا كل شيء، كيف سيدير وجدي صالح هذه اللجنة، هل سيُصدر قرارات المصادرة والحجز عبر مجموعات الواتساب، أم سيطارد موظفي الدولة ويصادر المؤسسات عبر اجتماعات عبر تقنية "الزوم كونفرس" من مقاهي أديس أبابا ونيروبي وكمبالا؟
إن محاولة إثبات الوجود السياسي عبر اختراع مهام وهمية، هي حيلة العاجز والمفلس، فالسياسي الذي لا يستطيع أن يطأ بقدمه أرض وطنه المحترق، لا يحق له أخلاقيا ولا عمليا أن يتحدث عن استرداد سيادته أو أمواله.
الادعاء بأن العمل يستند إلى الوثيقة الدستورية، هو نكتة سمجة أخرى، فتلك الوثيقة قد تم تمزيقها مرات عديدة، والبلاد تعيش اليوم واقعا متجاوزا لكل تلك الأوراق التي لم تكن يوما سوى حبر على ورق.
الداخل المحترق.. البحث عن سراب في كومة من الرماد!!
لنتوقف قليلا أمام تأكيد اللجنة عزمها على متابعة الملفات داخل السودان، أين هو هذا الداخل الذي يتحدث عنه السيد وجدي؟
منذ صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023، تعرضت الدولة السودانية لأكبر عملية تدمير ممنهج للبنية التحتية والمؤسسية في تاريخها الحديث، حيث نُهبت البنوك والمصارف بالكامل، وأُحرقت خوادمها الإلكترونية، وضاعت الحسابات والودائع، وتحولت مراكز تسجيل الأراضي في الخرطوم وود مدني وغيرها من المدن إلى أكوام من الرماد، ودُمرت سجلات الأراضي، والسجلات المدنية، والتجارية، وقاعدة البيانات الأساسية التي تُحدد من هو السوداني وماذا يملك.
البنية التحتية الصناعية والتجارية سُوّيت بالأرض، وصارت أثراً، بعد عين بعد أن استباحتها المليشيا المتمردة.
في ظل هذا الخراب الشامل، كيف سيلاحق وجدي صالح أموالا لا توجد إلا في خياله المريض بالسلطة، وكيف سيبحث في أوراق التهمتها النيران، ويدقق في أصول وممتلكات استولت عليها المليشيات وباعتها كخردة في أسواق "دقلو" بدول الجوار؟
إن الحديث عن استرداد الأصول في الداخل عبر بيانات تُكتب في المنفى، هو كذبة وقحة، تعكس انفصالا مرعبا عن الواقع المأساوي الذي يعيشه السودان، ومحاولة رخيصة للتكسب السياسي على حساب وطن لم يعد فيه حجر على حجر.
الخارج المتجاهل.. صفر الإنجاز يتمدد دولياً!!
أما حين يتحدث وجدي صالح عن استعادة الأصول الموجودة خارج السودان وفق القوانين الوطنية والدولية وبالتنسيق مع جهات مماثلة، فإن الكذب يبلغ هنا ذروته ويفضح نفسه بنفسه، لأن عندما كانت اللجنة في أوج قوتها وجبروتها، مدعومة بحكومة معترف بها دوليا وبرئيس وزراء يجوب عواصم العالم، كم دولارا استردتها اللجنة من الخارج؟
الإجابة التي يعرفها الشعب السوداني جيدا هي، صفر كبير، لم تفلح اللجنة الموقرة في استرداد أصل واحد أو حساب بنكي واحد من ماليزيا أو تركيا أو دول الخليج أو أوروبا، رغم الوعود البراقة والخطب العصماء التي كانوا يلقونها في المؤتمرات الصحفية الاستعراضية، واليوم، وبعد أن أصبحوا مجرد مجموعة من اللاجئين السياسيين أو ناشطين بلا أي صفة دستورية أو قانونية معترف بها، هل يعتقد وجدي صالح أن الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) أو البنوك السويسرية والبريطانية ستستجيب لخطاب ممهور بتوقيعه؟
إن القانون الدولي لاسترداد الأموال المنهوبة هو من أعقد فروع القانون، ويتطلب وجود دولة مستقرة، وأجهزة عدلية مشهود لها بالاستقلالية والنزاهة، ومسارات تتبع مالي معقدة ودقيقة، أما أن يتم تصوير الأمر وكأنه يتم عبر تصريحات إذاعية بهلوانية أو بيانات فيسبوكية، فهذا استخفاف فج بعقولنا، ودليل قاطع على أن الهدف هو الاستهلاك الإعلامي فقط.
المواطن تحت القصف.. مطلوب مخبر مجاني!!
وفي قمة هذه الكوميديا الحزينة، يطل علينا وجدي صالح بطلب يفتقر لأدنى درجات الحياء السياسي، داعيا المواطنين إلى تقديم المعلومات التي تساعد في استكمال الإجراءات المتعلقة باسترداد الأموال.
هذا التصريح تحديدا، يحتاج إلى وقفة تأمل في سيكولوجية هذا النوع من السياسيين، إذ المواطن السوداني اليوم يعيش أسوأ كارثة إنسانية على وجه الأرض، فهو إما نازح أو لاجئ يفترش الأرض ويلتحف السماء، يبحث عن خيمة تأويه ووجبة تسد رمق أطفاله المهددين بالمجاعة، أو محاصر يعيش تحت قصف المدافع، وانتهاكات المليشيات، وانعدام الدواء وأبسط مقومات الحياة، أو مكلوم فقد أحباءه وبيته وكل ما جناه في عمره، وفي ظل هذه التراجيديا الدامية التي تدمي القلوب، يخرج وجدي صالح ببدلته الأنيقة، ليطلب من هذا المواطن الجائع والمشرد والمغتصبة حقوقه، أن يعمل مخبرا مجانيا للجنته المزعومة!
هل ينتظر من مواطن وهو تحت نيران احرب، أن يترك البحث عن قطرة الماء النظيفة ليبلغ اللجنة الموقرة في الخارج عن مستودع أو قطعة أرض تابعة للنظام السابق؟
إنها الوقاحة التي لا تقف عند حد، والعمى التام عن آلام شعب يدفع من دمه ثمن أخطاء هؤلاء الساسة المراهقين.
عزيزي القاريء..
نصل الآن إلى جوهر التدليس والنفاق السياسي في تصريحات وجدي صالح، وهي النقطة التي تسقط ورقة التوت الأخيرة عن عورات هذه اللجنة. يقول صالح بمنتهى الصفاقة:
في ما يتعلق بعمل اللجنة تجاه قوات الدعم السريع، فإن اختصاص اللجنة يقتصر على تفكيك بنية نظام 30 يونيو، ولا يشمل قضايا سياسية أو مواقف تتعلق بالأطراف العسكرية:
هنا يتجلى الكذب في أبشع صوره وأكثرها فجاجة، إذ ان اللجنة التي تدعي، زيفا وبهتانا، أنها تأسست لتفكيك التمكين الاقتصادي واسترداد أموال الشعب المنهوبة، تُغمض عينيها عمدا عن أكبر إمبراطورية مالية وعسكرية بُنيت من أموال الشعب السوداني وموارده.
كيف يمكن للجنة تدعي محاربة الفساد أن تتجاهل مؤسسة ابتلعت قطاع الذهب، واستولت على مساحات شاسعة من الأراضي، وأسست شركات عابرة للحدود تمارس الارتزاق والتهريب، وكل ذلك تم تأسيسه وبناؤه في عهد النظام السابق وبقوانينه وقراراته؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو استرداد أموال الشعب، فكيف يعفون المليشيا التي سرقت الأخضر واليابس، ونهبت بنوك العاصمة والولايات وممتلكات المواطنين، بدعوى أن اختصاص اللجنة، يقتصر على نظام 30 يونيو؟
ألم تكن هذه المليشيا، هي الصنيعة الكبرى لذلك النظام، ألم تستفد الميليشيا من ذات التمكين الاقتصادي والإداري الذي يتشدق وجدي صالح بمحاربته؟
إن هذا الاستثناء المفضوح ليس مبنيا على أي أساس قانوني أو منطقي، بل هو دفع صريح لفواتير سياسية، وثمرة لتحالفات مشبوهة.
وجدي صالح ولجنته لا يجرؤون على المساس بالمليشيا التي ربما تشترك معهم في ذات الرعاة الإقليميين، بل يفضلون الرقص على جثة الوطن وتوجيه سهامهم الخشبية نحو أهداف وهمية ليبرروا وجودهم المتهالك، ولينجوا بأنفسهم من غضبة مموليهم.
الحرب كشماعة لركوب الموجة مجدداً!!
لم ينسَ بيان اللجنة أن يربط، في محاولة يائسة وبائسة، بين استمرار الحرب في البلاد والحاجة إلى استكمال عملية التفكيك، وهذه العبارة، هي محاولة مكشوفة لركوب موجة الأحداث الدامية، وتصوير أنفسهم كمنقذين أو كجزء من الحل.
يحاول وجدي صالح إقناعنا بأن سبب الخراب الذي نعيشه هو أن لجنته لم تُكمل مهمتها، متناسيا، أو متعمدا التناسي، أن لجنته بطريقتها الاستفزازية، وتجاوزها للقانون، وقراراتها الانتقامية غير المدروسة (والتي نقضتها المحاكم السودانية لاحقا لعدم قانونيتها وافتقارها للأدلة)، كانت جزءا أصيلا من حالة الاحتقان السياسي والتصدع المجتمعي الذي قاد البلاد في النهاية إلى حافة الهاوية.
اختزال أسباب حرب مدمرة ومعقدة لها أبعادها الجيوسياسية والعسكرية، في غياب لجنة التفكيك، هو تسطيح مخل وعقلية طفولية لا تليق بمن يتصدى للشأن العام.
في النهاية، يجب أن يدرك وجدي صالح ومن يقف خلفه في كواليس السياسة المظلمة، أن الشعب السوداني في عام 2026، ليس هو ذات الشعب الذي كان يهتف لهم بحسن نية وصدق في عام 2019. الدماء الغزيرة التي سالت في شوارع الخرطوم ودارفور والجزيرة وغيرها، والدموع التي ذُرفت على الأرواح والممتلكات، قد غسلت العقول وطهرت البصائر، وأسقطت الأقنعة عن وجوه كل مدعي النضال المزيف.
الشعب السوداني لم يعد مستعداً لسماع المزيد من الأكاذيب والتدليس من أي سياسي، ناهيك عن سياسي اختار بمحض إرادته أن يخوض في هذا المستنقع العميق من النفاق والكذب البواح.
إن محاولة إثبات الوجود عبر اختلاق معارك وهمية، وملاحقة سراب الأموال في داخل محترق وخارج متجاهل، ليست سوى رقصة المذبوح سياسيا.
سيذكر التاريخ أن هناك رجالا وشبابا وقفوا مع شعبهم في أحلك الظروف، يقدمون أرواحهم فداءا لما تبقى من الوطن، وسيذكر أيضا بمداد من العار أن هناك ساسة هربوا عند أول طلقة، ثم عادوا من فنادقهم الوثيرة ليعلموا الجائعين والمشردين كيف يستردون حقوقهم من أشباح الأمس، بينما يغضون الطرف عن لصوص اليوم وقتلته.
لقد انتهى العرض المسرحي الرديء، ولم يتبق لوجدي صالح ولجنته سوى صدى كذبهم الذي سيرتد عليهم سهاما من الاحتقار والازدراء الشعبي والأخلاقي.